١٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ.
أولًا: التخريج: أخرجه ابن ماجه (^١)، وأحمد (^٢)، والحاكم (^٣)، وفي إسناده رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري (^٤) مقبول، وللحديث شاهد من حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ، وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ
_________________
(١) السنن (٥/ ٢٩١، ٤٢٠٣).
(٢) المسند (١٧/ ٣٥٥، ١١٢٥٢).
(٣) المستدرك (٤/ ٣٢٩، ٧٩٣٥).
(٤) التقريب (١٨٨١).
[ ٥٠ ]
بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضَ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكَ صَوْمَهُ.
أخرجه أحمد (^١)، والطبراني (^٢)، والحاكم (^٣)، وقال الهيثمي: "فيه عبد الواحد بن زيد ضعيف" (^٤)، وله شاهد من حديث عبد الله بن زيد قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَا نَعَايَا الْعَرَبِ، ثَلاثًا، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرِّيَاءَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ "، أخرجه الضياء (^٥)، وفي إسناده عبد الله بن بديل بن ورقاء صدوق يخطئ (^٦)، ويشهد له أيضًا حديث محمود بن لبيد الآتي بعده، وحديث أبي سعيد، صححه الحاكم، والهيثمي (^٧)، وحسنه البوصيري (^٨)، والألباني (^٩).
* * *
_________________
(١) المسند (٢٨/ ٣٤٦، ١٧١٢٠).
(٢) المعجم الكبير (٧/ ٢٨٤، ٧١٤٤).
(٣) المستدرك (٤/ ٣٣٠، ٧٩٤٠).
(٤) مجمع الزوائد (٣/ ٢٠٢، ٥٢٢٦)، وانظر ترجمته في لسان الميزان (٥/ ٢٩٠).
(٥) المختارة (٩/ ٣٧١، ٣٤١).
(٦) التقريب (٣٢٢٤).
(٧) مجمع الزوائد (١/ ٣١٥).
(٨) مصباح الزجاجة (٤/ ٢٣٧).
(٩) صحيح الترغيب (١/ ١١٩).
[ ٥١ ]
١٦ - عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: " يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ.
أولًا: التخريج: أخرجه ابن أبي شيبة (^١)، وابن خزيمة (^٢)، وإسناده رجاله ثقات، والحديث صححه ابن خزيمة، وحسنه الذهبي (^٣)، والألباني (^٤).
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟: إنما كان الرياء كذلك، لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه لما يزينه الشيطان، والنفس الأمارة في قلب صاحبه (^٥).
الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ
_________________
(١) المصنف (٢/ ٢٢٧، ٨٤٠٣).
(٢) الصحيح (١/ ٤٦٤، ٩٣٧).
(٣) المهذب في اختصار السنن الكبير (٢/ ٧٣٠، ٣١٧٠).
(٤) صحيح الترغيب (١/ ١١٩، ٣١).
(٥) تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٩.
[ ٥٢ ]
نَظَرِ رَجُلٍ: سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي (^١).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: " أنه ﷺ فسر الشرك الخفي بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه" (^٢).
فائدة: قال ابن القيم ﵀: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.
والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٩.
(٢) كتاب التوحيد ص ٩٩.
[ ٥٣ ]
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^١)، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء" (^٢).
* * *