١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ. وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ".
التخريج: أخرجه البخاري (^١)، ومسلم (^٢)، وأحمد (^٣) وزاد: " وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ"، وزيادة أحمد ضعيفة، فمكحول لم يسمع من أبي هريرة (^٤).
شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (الْعَيْنُ حَقٌّ): أي الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه (^٥). قال المازري: أخذ الجمهور
_________________
(١) الصحيح (٧/ ١٣٢، ٥٧٤٠).
(٢) الصحيح (٤/ ١٧١٩، ٢١٨٧).
(٣) المسند (١٥/ ٤١٧، ٩٦٦٨).
(٤) جامع التحصيل ص ٢٨٥.
(٥) فتح الباري (١٠/ ٢٠٣).
[ ١٦ ]
بظاهر الحديث، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمورالآخرة (^١).
قوله: (وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ): الوشم أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيَزرَقّ أثَرُه أَوْ يَخْضَرُّ (^٢).
قوله: (" وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ"): فإن الشيطان يحضرها بالإعجاب بالشيء، وحسد ابن آدم بغفلته عن الله (^٣).
قال ابن القيم: " والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبها ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو في الحقيقة من أتباعه لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال نعم الله عنهم .. " (^٤).
* * *
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٥٥).
(٢) النهاية (٥/ ١٨٩).
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ١٥٩).
(٤) بدائع الفوائد (٢/ ٧٥٨). ويحسن مراجعته فقد أطال حول هذا الأمر فأجاد وأفاد كما هي عادته ﵀.
[ ١٧ ]
٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا".
التخريج: أخرجه مسلم (^١)، وهذا لفظه، وجاءت في الحديث زيادة لفظة: "يَسْتَنْزِلُ الْحَالِقَ" أخرجها أحمد (^٢) من طريق عبد الله بن الوليد، والبزار (^٣) من طريق الحسين ابن حفص، والطبراني (^٤) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، والحاكم (^٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي كلهم عن سفيان الثوري، عن دويد، عن إسماعيل بن ثوبان، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس به، وفي إسناده دويد البصري قال فيه أبو حاتم: "شيخ لين" (^٦)، وذكره الأزدي في الضعفاء وقال لايصح حديثه وساق له هذا الحديث (^٧)، وخالف الجماعةَ عن الثوري محمدُ بن عبد الله بن
_________________
(١) الصحيح (٤/ ١٧١٩، ٢١٨٨).
(٢) المسند (٤/ ٤١٨، ٢٦٨٠).
(٣) مسند البزار (١١/ ٤١٨، ٥٢٧١).
(٤) المعجم الكبير (١٢/ ١٨٤، ١٢٨٣٣).
(٥) المستدرك (٤/ ٢١٥، ٧٤٩٨).
(٦) الجرح والتعديل (٣/ ٤٣٨).
(٧) لسان الميزان (٢/ ٤٣٣).
[ ١٨ ]
الزبير فقال عن الثوري، عن رجل، عن جابر بن زيد به، أخرجه أحمد (^١)، ولكن قال فيه ابن حجر: " ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري (^٢) "، وهذا منه، وقد خالف الجماعة عنه، فالقول قولهم، والله أعلم.
شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ "): كالمؤكد لقوله (العين حق)، وفيه تنبيه على سرعة نفوذها وتأثيرها في الذوات (^٣).
والمعنى: لو أمكن أن يسبق القدر شيء، فيؤثر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر له سبقت العينُ القدرلكنها لا تسبق القدر فإنه تعالى قدر المقادير قبل الخلق (^٤).
قال النووي: " ومعناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها علمه فلايقع ضرر
_________________
(١) المسند (٤/ ٢٨١، ٢٤٧٧).
(٢) التقريب (٦٠١٧).
(٣) شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٦١).
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ١٥٩).
[ ١٩ ]
العين ولاغيره من الخير والشر إلابقدر الله تعالى وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر والله أعلم" (^١).
قوله: (وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا (^٢): أي إذا أمر العاين بما اعتيد عندهم من غسل أطرافه وما تحت إزاره وتصب غسالته على المعيون، فليفعل ندبًا، وقيل وجوبًا (^٣).
* * *
٣ - عَنْ حَيَّةَ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ".
التخريج: أخرجه الترمذي (^٤)، وأحمد (^٥)، والبخاري (^٦) وزادا: "وَأَصْدَقُ الطَّيَرِ الْفَأْلُ". وقال الترمذي: "وحديث حية بن حابس حديث غريب، وروى شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن
_________________
(١) المنهاج (١٤/ ١٧٤).
(٢) سيأتي ذكر صفة الغسل عند حديث (٢٢).
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ١٥٩).
(٤) الجامع (٤/ ٣٩٧، ٢٠٦١).
(٥) المسند (٢٧/ ١٨١، ١٦٦٢٧).
(٦) الأدب المفرد (٩١٤).
[ ٢٠ ]
حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. وعلي بن المبارك وحرب بن شداد لا يذكران فيه: عن أبي هريرة. "، قلت: صحح ابن حجر رواية علي بن المبارك، وحرب بن شداد (^١)، ومع هذا كله ففي إسناده حية بن حابس مقبول (^٢) ولم يتابع، ووجه الشاهد منه، يشهد له ما سبق من الأحاديث، والله أعلم، وقال الهيثمي: " وفيه حية بن حابس، لم يرو عنه غير يحيى، وبقية رجاله ثقات" (^٣)، وصححه لغيره الألباني (^٤).
شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (لَا شَيْءَ فِي الْهَامِ، وَالْعَيْنُ حَقٌّ): الهامة هي بتخفيف الميم على المشهور وقيل بتشديدها، وفيها تأويلان أحدهما أن العرب كانت تتشاءم بها وهي الطائر المعروف من طير الليل، وقيل: هي البومة قالوا كانت إذا سقطت على دار أحدهم فيراها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس.
_________________
(١) الإصابة (١/ ٢٨٥).
(٢) التقريب (١٦٠٢).
(٣) مجمع الزوائد (٥/ ١٨١، ٨٤١٦).
(٤) الصحيحة (٢٩٤٩).
[ ٢١ ]
والثاني أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت وقيل روحه ينقلب هامة تطير وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور، ويجوز أن يكون المراد النوعين فإنهما جميعا باطلان فبين النبي ﷺ إبطال ذلك وضلالة الجاهلية فيما يعتقده من ذلك (^١).
قوله: (وَأَصْدَقُ الطَّيَرِ الْفَأْلُ): مدح الفأل دون الطيرة، لأن التشاؤم سوء ظن بالله بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال" (^٢).
* * *
٤ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولَعُ الرَّجُلَ بِإِذْنِ الله، حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا، ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ.
التخريج: أخرجه أحمد (^٣)، والبزار (^٤)، والطبراني (^٥)، وقال العراقي (^٦)،
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي (٦/ ١٨٦).
(٢) انظر: التوشيح شرح الجامع الصحيح (٨/ ٣٥٤١).
(٣) المسند (٣٥/ ٢٢٨، ٢١٣٠٢).
(٤) البحر الزخار (٩/ ٣٨٦، ٣٩٧٢).
(٥) المعجم الأوسط (٦/ ١١٩، ٥٩٧٧).
(٦) طرح التثريب (٨/ ١٩٨).
[ ٢٢ ]
والهيثمي (^١): " رجال إسناده ثقات"، قلت: وهو كذلك غير محجن الراوي عن أبي ذر ولم يرو عنه سوى أبي حرب بن أبي الأسود ولم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات (^٢)، وقال: "شيخ"، وله شاهدان يتقوى بهما، الأول من حديث ابن عباس، وفي إسناده دويد البصري وهو ضعيف كما تقدم بيانه (^٣)، والآخر من حديث جابر بلفظ: " إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ"، وسيأتي بعد ذلك (^٤)، والحديث قوّاه الألباني بشواهده (^٥).
شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (إِنَّ الْعَيْنَ لَتُولَعُ الرَّجُلَ بِإِذْنِ الله، حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا، ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ):
أي إن عين العائن من إنس أو جن (لتولع) أي تعلق، وتولع: بضم المثناة الفوقية من أولع به أغرى به، ويحتمل أنه من ولع كوجل أي استخف أي حمله على الخفة والجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب أي أن العين ستخف الرجل فتخرجه عن الصواب.
_________________
(١) مجمع الزوائد (٥/ ١٨٣، ٨٤٢١).
(٢) الثقات (٥/ ٤٤٨).
(٣) حديث رقم (٢).
(٤) حديث رقم (٥).
(٥) الصحيحة (٨٨٩).
[ ٢٣ ]
(بالرجل) أي الكامل الرجولية، فالمرأة، ومن في سن الطفولية أولى. (بإذن الله تعالى) أي بتمكينه وأقداره. (حتى يصعد حالقًا) أي جبلًا عاليًا. (ثم يتردى) أي يسقط منه (^١).
* * *
٥ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «جُلُّ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي، بَعْدَ قَضَاءِ اللهِ وَكِتَابِهِ وَقَدَرِهِ، بِالْأَنْفُسِ» يَعْنِي: بِالْعَيْنِ.
التخريج: أخرجه أبو داود الطيالسي (^٢) عن طالب بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جابر به، ومن طريق الطيالسي أخرجه ابن أبي عاصم (^٣)، والبزار (^٤)، والطحاوي (^٥)، وإسناده حسن فيه طالب بن حبيب الأنصاري المشهور بابن الضجيع صدوق يهم (^٦)،
_________________
(١) انظر: التيسير (١/ ٢٩٧)، والتنوير (٣/ ٥١٦).
(٢) المسند (٣/ ٣١٧، ١٨٦٨).
(٣) السنة (١/ ١٣٦، ٣١١).
(٤) كشف الأستار (٣/ ٤٠٣، ٣٠٥٢)، وإتحاف الخيرة (٤/ ٤٥٥، ٣٩٢٨).
(٥) شرح مشكل الآثار (٧/ ٣٣٨، ٢٩٠٠).
(٦) التقريب (٣٠٠٧).
[ ٢٤ ]
والحديث قال عنه الهيثمي (^١)، والسخاوي (^٢): " رجاله ثقات"، وحسَّن إسناده ابن حجر (^٣)، والشوكاني (^٤)، والألباني (^٥) قلت: نعم رجاله ثقات سوى طالب بن حبيب فهو صدوق كما تقدم.
* * *
٦ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نِصْفُ مَا يُحْفَرُ لِأُمَّتِي مِنَ الْقُبُورِ مِنَ الْعَيْنِ".
التخريج: أخرجه الطبراني (^٦)، وفي إسناده علي بن عروة القرشي الدمشقي متروك (^٧)، وضعف إسناده جدًا العراقي (^٨)، وحكم عليه بالوضع الألباني (^٩).
قال ابن القيم: "فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع
_________________
(١) مجمع الزوائد (٥/ ١٨٣، ٨٤٢٣).
(٢) المقاصد الحسنة (١٤٥).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٢٠٤).
(٤) نيل الأوطار (٨/ ٢٤٨).
(٥) الصحيحة (٧٤٧).
(٦) المعجم الكبير (٢٤/ ١٥٥، ٣٩٩).
(٧) التقريب (٤٧٧١).
(٨) طرح التثريب (٨/ ١٩٨).
(٩) الضعيفة (١٦٤٨).
[ ٢٥ ]
والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة له، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس. وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا تنكره، وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين … " (^١).
* * *