١٣٢ - قال الإمام أحمد (^١): ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله -ﷺ- يصف عبد الله، وعبيد الله، وكثيرًا، من بني العباس، ثم يقول: «من سبق إليَّ فله كذا وكذا» قال: فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم، ويلتزمهم.
• رواة الحديث:
١ - جرير: هو ابن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفي، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قال البيهقي: «نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ»، وتعقبه ابن حجر، فقال: «ولم أر ذلك لغيره، بل احتج به الجماعة» (^٢).
٢ - يزيد بن أبي زياد: القرشي الهاشمي، أبو عبد الله الكوفي، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل.
اختلف فيه، فقال البخاري: «صدوق إلا أنه تغير بأخرة»، وقال العجلي: «ثقة جائز الحديث، وكان بآخره يلقن»، وقال ابن حبان: «كان يزيد صدوقًا؛ إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وتغير، فكان يتلقن ما لُقِّن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه، وإجابته فيما ليس من حديثه؛ لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماعٌ صحيح، وسماع
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٣٣٥ ح (١٨٣٦)، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٩٦٤ ح (١٨٨٦).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٤/ ٢٠٨، و٦/ ٨٧، تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٠، هدي الساري ص ٣٩٥، التقريب (٩١٦).
[ ٤٥٩ ]
من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقَّن سماعٌ ليس بشيء»، وقال أبو داود: «لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره أحب إليَّ منه».
وقال شعبة: «كان رفَّاعًا»، وقال عبد الله بن المبارك: «ارم به»، وقال أحمد -مرة-: «لم يكن بالحافظ»، وقال -مرة-: «حديثه ليس بذاك»، وقال ابن معين -مرة-: «لا يحتج بحديثه»، وقال -مرة-: «ليس بالقوي»، وقال -مرة-: «ضعيف الحديث»، وقال أبو زرعة: «لينٌ؛ يكتب حديثه، ولا يحتج به»، وقال أبو حاتم والنسائي: «ليس بالقوي» وقال ابن عدي: «ويزيد من شيعة أهل الكوفة، ومع ضعفه يكتب حديثه».
لخص حاله الحافظ ابن حجر بقوله: «ضعيفٌ، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعيًّا» (^١).
٣ - عبد الله بن الحارث: بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، أبو محمد المدني، له رؤية، ولأبيه وجده صحبة، روى عن النبي -ﷺ- مرسلًا، قال ابن عبد البر: «أجمعوا على ثقته» (^٢).
• تخريج الحديث:
- أخرجه ابن الأثير (^٣)، من طريق الإمام أحمد به بنحوه.
- وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد (^٤)، والبغوي (^٥)، من طريق جرير به بنحوه.
_________________
(١) العلل الكبير للترمذي ص ٣٣١، الجرح والتعديل ١/ ١٥٦، سؤالات الآجري لأبي داود ص ١٥٨، الثقات للعجلي ٢/ ٣٦٤، الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٧٦، المجروحون لابن حبان ٣/ ١٠٠، تهذيب الكمال ٣٢/ ١٣٥، هدي الساري ص ٤٥٩، التقريب (٧٧١٧).
(٢) تهذيب الكمال ١٤/ ٣٩٦، جامع التحصيل ص ٢٠٨، التقريب (٣٢٦٥).
(٣) أسد الغابة ٣/ ٥٤٢.
(٤) زوائده على أبيه في كتاب فضائل الصحابة ٢/ ٩٥٧ ح (١٩٢٢).
(٥) ذكر إسناده الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب ٨/ ٣٧٦.
[ ٤٦٠ ]
- وأخرجه ابن السكن (^١)، وابن منده (^٢)، والطبراني (^٣)، وابن قانع (^٤)، وابن عساكر (^٥) كلهم من طريق صباح بن يحيى، عن يزيد بن أبي زياد، عن العباس بن كثير بن العباس، عن أبيه به مختصرًا، وفيه: أن قُثَم من المتسابقين.
• الحكم على الحديث:
- إسناده ضعيفٌ؛ لإرساله، ولحال يزيد بن أبي زياد، وقد اختلف في الحديث عن يزيد بن أبي زياد على وجهين:
١ - عنه، عن عبد الله بن الحارث.
ويروي هذا الوجه جرير بن عبد الحميد.
٢ - عنه، عن العباس بن كثير بن العباس، عن أبيه.
ويروي هذا الوجه صباح بن يحيى.
والراجح هو الوجه الأول، وقد رجحه الحافظ ابن حجر (^٦)؛ لثقة جرير.
أما صباح بن يحيى، فقد قال البخاري فيه: «فيه نظر» (^٧)، وقال الذهبي: «متروكٌ، بل متهم» (^٨).
ومع رجحان الوجه الأول؛ إلا أن الحديث ضعيفٌ؛ لثلاث علل:
١ - إرسال عبد الله بن الحارث.
٢ - ضعف يزيد بن أبي زياد.
٣ - نكارة متنه؛ إذ فيه أن كثير بن العباس كان من ضمن المتسابقين، وهذا لا يمكن، فقد ولد كثيرٌ سنة عشر قبل وفاة النبي -ﷺ- بأشهر، ومن كان مولده
_________________
(١) عزاه إليه الحافظ ابن حجر في الإصابة ٥/ ٦٣٤.
(٢) عزاه إليه الحافظ ابن حجر في الإصابة ٥/ ٦٣٤.
(٣) المعجم الكبير ١٩/ ١٨٨، ح (٤٢٣).
(٤) معجم الصحابة ٢/ ٣٨٨، ح (٩٤٠).
(٥) تاريخ دمشق ٣٧/ ٤٧٦.
(٦) الإصابة ٥/ ٦٣٤.
(٧) التاريخ الكبير ٤/ ٣١٤.
(٨) ميزان الاعتدال ٢/ ٣٠٦.
[ ٤٦١ ]
قبل وفاة النبي -ﷺ- بأشهر، كيف يكون من المتسابقين؟ أفاد هذا ابن الأثير (^١).
• فقه المبحث:
١ - دل الحديث على جواز أخذ العوض في السبْق على الأقدام؛ لكنه لا يصح، فلا يستقيم الاستدلال به، وقد جوز أخذَ العوض في السبْق على الأقدام الحنفية (^٢)، وهو وجهٌ عند الشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥)، واشترطوا أن يكون المقصود به التقوي على الجهاد، واحتجوا بما يلي:
- قياس السبْق على الأقدام بالسبْق على الإبل والخيل والسهام، فكما هو جائزٌ بالنص أخذ العوض في السبْق على الإبل والخيل والسهام؛ لأن فيها تمرينًا على الفروسية والشجاعة، فكذلك السبْق على الأقدام؛ فإن فيها من تمرين البدن على الحركة، والخفة، والإسراع، والنشاط ما هو مطلوبٌ في الجهاد، والأقدامُ في قتال الرَّجَّالة كالخيل في قتال الفرسان؛ فإن كلًّا منهما مسابقة، فهذا بنفسه، وهذا بمركوبه (^٦).
وذهب المالكية (^٧)، ونص عليه الشافعي (^٨)، وهو مذهب الحنابلة (^٩) إلى عدم جواز ذلك، واستدلوا بما يلي:
١ - حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لا سبَق إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نصلٍ» (^١٠).
_________________
(١) أسد الغابة ٣/ ٤٨٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠٦.
(٣) تكملة المجموع شرح المهذب ١٥/ ١٣٧.
(٤) الإنصاف ٦/ ٩١.
(٥) الاختيارات الفقهية ص ٢٣٣.
(٦) الفروسية لابن القيم ص ١٠٠، تكملة المجموع ١٥/ ١٣٧.
(٧) التمهيد ١٤/ ٩١، الكافي لابن عبد البر ١/ ٤٨٩.
(٨) الأم ٤/ ٢٤٣.
(٩) المغني ١٣/ ٤٠٦.
(١٠) حديث صحيح، تقدمت دراسته.
[ ٤٦٢ ]
أي: أن العوض محصورٌ في هذه الثلاثة، فلا يجوز أخذه في غيرها (^١).
٢ - ولأن غير هذه الثلاثة لا يحتاج إليها في الجهاد كالحاجة إليها (^٢).
والقول الراجح هو الأول؛ لصحة ما ذهبوا إليه من قياس، والشريعة لا تفرق بين متماثلين (^٣).
والذي يقوي هذا أن القدم لها اعتبارها وأهميتها في الجهاد في الكر، والفر، فلا بد من أخذ اللياقة لها، ولا أدل على أهميتها من قصة سلمة بن الأكوع في الحديث السابق، ففي جزئه الأول: أن عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله -ﷺ-، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، فلحقهم سلمة يعدو على رجله، فرد الظهر، وغنم منهم، فقال النبي -ﷺ-: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة» (^٤).
ويجاب عن أدلة القول الثاني بأن يقال: إن الأقرب في الحديث؛ أن يراد به أن أحق ما بذل فيه العوض هذه الثلاثة؛ لكمال نفعها، وعموم مصلحتها، فليس المراد به الحصر (^٥).
وللمشي في عصرنا الحاضر دورٌ في الحروب، وهو ما يسمى بسلاح المشاة، يقول العقيد محمد صفا: «كان سلاح المشاة حتى بداية الحرب العالمية الثانية يوصف بأنه ملك المعارك، بيدَ أن دخول سلاح المدرعات، وسلاح الطيران إلى عالم القتال، لم يترك لسلاح المشاة أن يحتفظ بعرشه الذي كان له مدةَ عصورٍ طويلة، لكن هذا السلاح -سلاح المشاة- على الرغم من ذلك، لا يزال يعتبر سلاحًا رئيسًا، ولا يزال يساهم إلى حد كبير في تقرير نتائج المعارك، ومصائر الحروب؛ إنه يلعب في أيامنا دورًا رئيسًا في كل قتال؛ لكنه لم يعد يلعب الدور الرئيسي الذي كان له في الماضي» (^٦). ا هـ. بتصرف.
_________________
(١) المغني ١٣/ ٤٠٧، الفروسية ص ٩٩.
(٢) المغني ١٣/ ٤٠٧، الفروسية ص ٩٩.
(٣) ينظر في هذه القاعدة: إعلام الموقعين لابن القيم ٢/ ٢٦، والشرح الممتع لابن عثيمين ٢٦٤.
(٤) هو جزءٌ من حديث سلمة بن الأكوع السابق.
(٥) الفروسية ص ١٠٠.
(٦) الحرب ص ٣٧٢.
[ ٤٦٣ ]
ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس: «لسرعة العَدْو أهميةٌ لا تقل عن كر الخيل وفرها؛ بل ربما كانت أهم؛ لا سيما في الحروب التي لم يعد للقتال على الخيل فيها مجال؛ بل ربما كانت سرعة العَدْو على الأقدام أجدى من استعمال الخيل في بعض الأحوال، كما في العدْو عبر الخنادق والسراديب والممرات» (^١). اهـ. بتصرف.
٢ - تطورت سباقات العدْو في عصرنا، فشملت الوثب والقفز ونظمت تنظيمًا دقيقًا، وأطلق عليها مسابقات المضمار، ومنها سباق: (الماراثون) الخاص بالجري لمسافات طويلة، كما شملت مسابقات الوثب والقفز (^٢).
وحكم هذه المسابقات الجواز إذا كانت بغير عوض.
أما إذا كانت بعوض فلا تجوز إلا إذا كان يقصد بها الاستعانة على الجهاد.
_________________
(١) عقد السباق ص ٨١.
(٢) بغية المشتاق ص ٧٥.
[ ٤٦٤ ]