٩٦ - قال الإمام مسلم (^١): حدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: والله لقد رأيت رسول الله -ﷺ- يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله -ﷺ-، يسترني بردائه؛ لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثةَ السن، حريصةً على اللهو.
• تخريج الحديث:
- أخرجه البخاري (^٢) في مواضع من طريق عروة بن الزبير به بنحوه في بعضها، ومختصرًا في أخرى.
- وأخرجه أبو عبيد (^٣) -ومن طريقه الحارث بن أسامة (^٤) - من طريق أبي معاوية، والديلمي (^٥) من طريق عبد الواحد بن زياد.
وعلقه أبو حاتم (^٦) عن مروان بن معاوية الفزاري.
ثلاثتهم: (أبو معاوية، وعبد الواحد، ومروان) عن عبد الرحمن بن إسحاق بمعناه.
_________________
(١) صحيح مسلم ح (٨٩٢).
(٢) صحيح البخاري ح (٤٥٤) و(٤٥٥)، وح (٩٥٠)، وح (٩٨٨)، وح (٢٩٠٧)، وح (٣٥٢٩)، وح (٥١٩٠)، وح (٥٢٣٦).
(٣) غريب الحديث ٢/ ١٠ - ١١.
(٤) بغية الباحث ٢/ ٨٢٦ ح (٨٦٦).
(٥) مسند الفردوس ٢/ ١١٠.
(٦) العلل ص ١٥٩٩
[ ٣٣٣ ]
إلا أن أبا معاوية رواه عنه، عن الشعبي مرسلًا، ورواه عبد الواحد، ومروان -مرة- عنه، عن الشعبي، عن عائشة، ومروان رواه -مرة- عنه، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
• الحكم على الأوجه الأخرى للحديث:
الأوجه الأخرى للحديث ضعيفة، فقد اضطرب فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف الحديث (^١) على أوجه ثلاثة:
الأول: عنه، عن الشعبي مرسلًا.
الثاني: عنه، عن الشعبي، عن عائشة.
الثالث: عنه، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
والرواة عنه ثقات، فأبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير ثقةٌ (^٢)، وعبد الواحد بن زياد ثقةٌ (^٣)، ومروان بن معاوية ثقةٌ حافظٌ (^٤).
ومثل هذا الاختلاف لا يحتمل في مثل حال عبد الرحمن، وقد ذكر أبو حاتم الوجهين الأخيرين، ثم قال: «هو بالشعبي أشبه، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف الحديث»، فكأنه رجحه؛ لأنه خلاف الجادة.
* * *
٩٧ - قال الإمام البخاري (^٥): حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة -﵁- قال: بينا الحبشة يلعبون عند النبي -ﷺ- بحرابهم -دخل عمر، فأهوى إلى الحصى-، فحصبهم بها، فقال: «دعهم يا عمر».
_________________
(١) التقريب (٣٧٩٩).
(٢) التقريب (٥٨٤١).
(٣) التقريب (٤٢٤٠).
(٤) التقريب (٦٥٧٥).
(٥) صحيح البخاري ح (٢٩٠١).
[ ٣٣٤ ]
• تخريج الحديث:
- أخرجه مسلم (^١)، والنسائي (^٢) من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة به بنحوه.
* * *
٩٨ - روى عبد الرزاق (^٣)، عن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: «لما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة لعب الحبش بحرابهم؛ فرحًا بقدومه».
• رواة الحديث:
١ - معمر: تقدمت ترجمته في الحديث التاسع والثلاثين، وأنه ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة، وعاصم بن أبي النجود، وقتادة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة.
٢ - ثابت: تقدمت ترجمته في الحديث الثالث عشر، وأنه ثقةٌ عابدٌ.
• تخريج الحديث:
- أخرجه -من طريق عبد الرزاق- عبد بن حميد (^٤)، وأحمد (^٥)، وأبو داود (^٦)، وأبو يعلى (^٧)، والبغوي (^٨)، والبيهقي (^٩).
- وأخرجه أحمد (^١٠) -ومن طريقه الضياء (^١١) - والبزار (^١٢)، والسراج (^١٣) -ومن طريقه الضياء (^١٤) -، وابن حبان (^١٥)، من طريق حماد
_________________
(١) صحيح مسلم ح (٨٩٣).
(٢) سنن النسائي ح (١٥٩٦).
(٣) مصنف عبد الرزاق ١٠/ ٤٦٦.
(٤) المنتخب ح (١٢٣٩).
(٥) مسند أحمد ٢٠/ ٩١ ح (١٢٦٤٩).
(٦) سنن أبي داود ح (٤٩٢٣).
(٧) مسند أبي يعلى ٦/ ١٧٧ ح (٣٤٥٩).
(٨) شرح السُّنَّة ٦/ ١٧٧.
(٩) سنن البيهقي ٧/ ٩٢.
(١٠) مسند أحمد ٢٠/ ١٧ ح (١٢٥٤٠).
(١١) المختارة ٥/ ٦٠.
(١٢) مسند البزار ١٣/ ١٦٨ - ١٦٩ ح (٦٨١٠).
(١٣) مسند السراج ٣/ ١٢٥ ح (٢١٥٣).
(١٤) المختارة ٥/ ٦٠.
(١٥) صحيح ابن حبان ١٣/ ١٧٩ ح (٥٨٧٠).
[ ٣٣٥ ]
سلمة، وإسحاق بن راهويه (^١)، والنسائي (^٢) من طريق سليمان بن المغيرة.
كلاهما: (حماد، وسليمان) عن ثابت به بمعناه.
• الحكم على الحديث:
- إسناد صحيح؛ وقد تابع معمرًا حمادُ بن سلمة، وسليمانُ بن المغيرة.
• فقه المبحث:
١ - دلت أحاديث المبحث على جواز اللعب بالحراب، على طريق التواثب؛ للتدريب على الحرب والتنشيط عليه، ويلحق بذلك كل ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد وأنواع البر؛ لأن ذلك ليس لعبًا مجردًا (^٣)، وإنما هو وسيلة للتدريب على الشجاعة والقتال، مع ما في ذلك من تأليف القلوب، وبيان سماحة الإسلام، ولهذا لما أراد عمر -﵁- أن ينكر عليهم قال له رسول الله -ﷺ-: «دعهم يا عمر» (^٤).
قال ابن رجب: «فيه جواز اللعب بآلات الحرب في المساجد؛ فإن ذلك من باب التمرن على الجهاد فيكون عبادة» (^٥).
٢ - قال الحافظ ابن حجر: «استنبط منه جواز المثاقفة (^٦) لما فيها من
_________________
(١) عزاه إليه الضياء في المختارة ٥/ ٦١.
(٢) سنن النسائي الكبرى ٢/ ٤٧٩ ح (٤٢٥٠)، وقد وقع عنده: (سليمان بن ثابت) والصواب المثبت.
(٣) قال الزين بن المنيِّر: «سماه لعبًا، وإن كان أصله التدريب على الحرب، وهو من الجد لما فيه شبه اللعب؛ لكونه يقصد إلى الطعن، ولا يفعله، ويوهم بذلك قِرنه ولو كان أباه أو ابنه» فتح الباري ٢/ ٤٤٣.
(٤) فتح الباري لابن حجر ١/ ٥٤٩ و٢/ ٤٤٥، طرح التثريب ٧/ ٥٥.
(٥) فتح الباري لابن رجب ٦/ ٧٤.
(٦) المثاقفة: هي الملاعبة بالسلاح، وهي محاولة إصابة الغرة في المسايفة. ينظر: أساس البلاغة للزمخشري ص ٨٩، والمسايفة: التضارب بالسيوف والتدرب على استعمالها. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٤٦٨.
[ ٣٣٦ ]
تمرين الأيدي على آلات الحرب» (^١).
وتمارس هذه اللعبة اليوم بصورة آمنة في الغالب؛ إذ يرتدي اللاعبون أقنعة واقية للرأس، ولباسًا متينًا، كما أن السيف المستخدم فيها آمن؛ إذ له مقدمة أو رأس غير حاد، ويسمى: «الشيش» (^٢)، ويكفي للظفر بنقاط في المبارزة لمس الخصم بمقدمة السيف حيث يسجل الحكام النقاط؛ اعتمادًا على مساعدة جهاز الحاسوب (^٣).
٣ - ينبغي أن يعلم بأن أهمية الحراب والمثاقفة قد تضاءلت، أو انعدمت في الحروب الحديثة، حيث حلت الأسلحة النارية محلها، وقلما يوجد من بين أسلحة الجيوش الآن سلاح الحربة أو السيف، وإنما استبدلت بالبنادق، والرشاشات، ونحوها، فتأخذ أحكام الحربة والسيف (^٤).
٤ - ربما قاس بعضهم ما يسمى بـ: (العرضة الشعبية) على اللعب بالحراب، وهذا قياس فيه نظر، فقد نص أهل العلم على أن اللعب بالحراب إنما هو للتدريب على الشجاعة والقتال، وهذا ما لا يقصد في العرضة، لكن يجوز فعل العرضة في مثل الأعياد وشبهها، شريطة أن تخلو من المحرمات؛ كترك صلاة، أو استعمال معازف، أو اختلاط، أو إسراف، أو إثارة عصبية، أو نحو ذلك، وقد قال العلامة ابن عثيمين: «العرضة الشعبية إذا لم يكن لها سببٌ فإنها من العبث واللهو، وإذا كان لها سببٌ كأيام العيد فإنه لا بأس بها، لا بأس أن يلعب الناس بالسيوف والبنادق وما أشبهها، وأن يضربوا بالدف، أما الطبل، والزير، والأغاني التي تتضمن الهجاء والسب فهي محرمة، ولا يجوز للإنسان أن يحضر مثل هذه العرضات، ويجب النهي عنها ونصيحة الناس بعدم حضورها» (^٥).
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عنها، فأجابت: «إذا كان واقع العرضة
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
(٢) المعجم الوسيط ١/ ٤٩.
(٣) الألعاب الرياضية ص ١١٢.
(٤) بغية المشتاق ص ١١٥ - ١١٦.
(٥) لقاءات الباب المفتوح ٣/ ١٣٨.
[ ٣٣٧ ]
على ما ذكر في السؤال، من المزامير ونحوها، ومن غلو شعرائها في شعرهم بما يرفع الوضيع ويضع الرفيع؛ طمعًا في كسب المال، ومن التبذير في الأموال، ومن الرقص والتمايل والخيلاء، وتصوير من يقومون بالعرضة، وما جرى منهم فيها والمتفرجين عليها لعرضها مستقبلًا على شتى الوجوه، وفي مختلف الأماكن، ومن اطلاع النساء على ما يجري في العرضة من المنكرات من فوق السطوح وغيرها، ومن استمرار العرضة إلى نصف الليل مثلًا، مما قد يفضي إلى تضييع أداء صلاة الفجر في وقتها على جميع الحاضرين، أو بعض من حضر العرضة -فهي حرام؛ لما اشتملت عليه من المنكرات، بل بعض هذه المنكرات كافٍ في الحكم عليها بالتحريم، وليس في مثل هذه العرضة شيءٌ من الرجولة والشجاعة والكرم، بل فيها المجون، والكذب، وإيغار صدور من حط من قدرهم، وإغواء من تجوز الحد في مدحهم، والسفه والتبذير بإنفاق الأموال في غير وجهها، وضياع الوقت- ونشر الفساد في الأرض، والتزام عادات جاهلية تقليدًا للآباء والأجداد على غير بصيرة، واتباعًا للهوى وإشباعًا للشهوات، وإيثارًا لذلك على ما جاء في شريعة الإسلام، من مكارم الأخلاق والسِّير الحميدة.
أما ما كان من الحبشة فهي عرضةٌ حربيةٌ، فيها تدريبٌ على أعمال الحرب، وتمرينٌ على استعمال أسلحته، وكان ذلك منهم يوم عيد دون أن يشغلهم عن أداء فريضة عن وقتها، فهذا هو الذي فيه الرجولة والبطولة، والمران على الجهاد دون أن يضيع وقتًا، أو يفوت ما هو أولى منه» (^١).
قاس بعضهم (^٢) اللُّعَب الاستعراضية بالسيف والسكين (^٣) -التي تقام
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة ١٩/ ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) ينظر: ألعاب بهلوانية في ميزان الشريعة الإسلامية ص ٤٧.
(٣) ومن هذه العروض: إلقاء رأس السكين بشكل عامودي على بطن رجل مستلق. أن يأتي اللاعب مستور العينين، ومعه السيف مسلولًا، فيضرب به تفاحة تكون فوق رأس رجل أمامه، ثم يقسم التفاحة نصفين، دون أن يصيب رأس الرجل. أن يستلقي الرجل على بطنه، ثم يجعل نحره على حد السيف مسلولًا، ثم يأتي آخر، فيلقي حجرًا ثقيلًا من الإسمنت -بُلُكَّة- على ظهره لتنكسر، فإن اهتز نحره -ولو بسيطًا- أصابه حد السيف. ينظر: ألعاب بهلوانية ص ٦.
[ ٣٣٨ ]
في زماننا- على لعب الجيوش بالحراب، فأجازها، وهو قياس بعيد جدًّا؛ لأمور:
١ - أن العلماء تتابعوا على أن اللعب بالحراب وسيلة للتدريب على الشجاعة والقتال، وليس في هذه اللُّعَب الاستعراضية شيءٌ من ذلك البتَّة.
٢ - أن الإشارة بالسلاح على المسلم لا تجوز، حتى ولو كانت على سبيل اللعب، فقد أخرج مسلم (^١) من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
قال الطِّيْبي: «قوله: «وإن كان أخاه» تتميمٌ لمعنى الملاعبة، وعدم القصد في الإشارة، فبدأ بمطلق الأخوة، ثم قيده بالأخوة بالأب والأم؛ ليؤذن بأن اللعب المحض المعرَّى عن شائبة القصد إذا كان حكمه كذا، فما ظنك بغيره؟» (^٢).
٣ - أنه قد حصل من جرَّاء هذه اللُّعَب أن جُرح بعض من فعلت معه (^٣)، وقد أخرج البخاري (^٤)، ومسلم (^٥) من حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار».
ومن القواعد المقررة شرعًا أن كل ما يوصل إلى الحرام فهو حرام (^٦).
٤ - أن فيها تشبهًا بأفعال السحرة والمشعوذين (^٧)، وإذا كان بعض
_________________
(١) صحيح مسلم ح (٢٦١٦).
(٢) تحفة الأحوذي ٦/ ٣١٨.
(٣) ينظر: ألعاب بهلوانية ص ٦.
(٤) صحيح البخاري ح (٧٠٧٢).
(٥) صحيح مسلم ح (٢٦١٧).
(٦) البحر المحيط ٤/ ٣٨٥، إعلام الموقعين ٣/ ١٥٣.
(٧) أفعال بهلوانية ص ٣٥.
[ ٣٣٩ ]
الفقهاء ذكر أن من شرب الماء وغيره من المباحات، بلهو وطرب، على هيئة الفسقة، فإنه فعل محرمًا (^١)، فكيف بهذا الفعل الذي توافرت الأدلة على تحريمه؟
وقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء بتحريم مثل هذه الأعمال (^٢).
٥ - دل حديث عائشة على جواز اللعب بالحراب في المسجد.
قال ابن حجر: «وحكى ابن التين، عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخٌ بالقرآن والسُّنَّة.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
وأما السُّنَّة فحديث: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم» (^٣).
وتعقب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريحٌ بما ادعاه، ولا عرف التاريخ، فيثبت النسخ» (^٤).
ولكن ينبغي أن يعلم بأن للعب في المسجد شروطًا، وهي ألا يكون بصفة دائمة بحيث يتخذ المسجد ملعبًا، وألا يؤذي به أحدٌ من المصلين، أو الذاكرين، أو حلقات العلم، وألا يكون فيه سب وشتم ونحو ذلك مما يذهب معه وقار المسجد (^٥).
بوب النسائي على الحديث، فقال: «نظر النساء إلى اللعب» (^٦)، وقال: «إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب» (^٧)، وبوب ابن حبان، فقال:
_________________
(١) حاشية ابن عابدين ٩/ ٥٣٥.
(٢) فتاوى اللجنة ٢٦/ ٢٦٩، ٢٧٠ و٢٧/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٣) أخرجه ابن ماجه ح (٧٥٠) من حديث واثلة بن الأسقع، وفيه الحارث بن نبهان: متروك، كما في التقريب (١٠٥١)، وله شواهد لا تخلو من ضعف، ينظر: سنن البيهقي ١٠/ ١٠٣، والعلل المتناهية ١/ ٤٠٣، ونصب الراية ٢/ ٤٩٢.
(٤) فتح الباري ١/ ٥٤٩.
(٥) منحة العلام للشيخ عبد الله الفوزان ٢/ ٤٨٩، وأحكام المساجد في الشريعة الإسلامية للدكتور إبراهيم الخضيري ٢/ ٣٢٣.
(٦) سنن النسائي الكبرى ١/ ٥٥٣.
(٧) سنن النسائي الكبرى ٥/ ٣٠٧.
[ ٣٤٠ ]
«ذكر الإباحة للحرة النظر إلى لعب الحبشة الذي وصفناه وإن كان لها زوج» (^١).
قلت: نظر المرأة إلى لعب الرجال مبنيٌّ على مسألة نظر المرأة إلى الرجل، هل يجوز أم لا؟
وهذا بيان هذه المسألة:
- اتفق أهل العلم على أن المرأة إذا كانت تنظر إلى الرجل بشهوة؛ فإنه يحرم النظر (^٢).
- أما إذا كان النظر دون شهوة، ولا ريبة فقد اختلف أهل العلم في ذلك، والأقرب جوازه، وهو مذهب الحنفية (^٣)، والصحيح من مذهب المالكية (^٤)، وقول في مذهب الشافعية (^٥)، ورواية عند الحنابلة (^٦)، وقد بوب البخاري: «باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة» (^٧).
واستدلوا بما يلي:
أولًا: نظر عائشة إلى أهل الحبشة، وهم يلعبون، كما في أحاديث المبحث.
واعترض عليه بما يلي:
١ - قال النووي: «ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمد النظر إلى البدن، وإنما وقع النظر بلا قصد صرفته في الحال» (^٨).
ويجاب عنه: أن من لازم النظر إلى اللعب النظر إلى أصحابه، ولا يتصور انفكاكهما.
_________________
(١) صحيح ابن حبان ١٣/ ١٧٧.
(٢) شرح مسلم للنووي، النظر في أحكام النظر لابن القطان ص ٣٥٦.
(٣) المبسوط ١٠/ ١٤٨.
(٤) القوانين الفقهية ص ٤١.
(٥) روضة الطالبين ٧/ ٢٥.
(٦) الإنصاف ٨/ ٢٥.
(٧) بوب في صحيحه على ح (٤٩٣٨).
(٨) شرح مسلم ٦/ ١٨٤.
[ ٣٤١ ]
٢ - قال ابن عبد البر: «يجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب» (^١)، وقال النووي: «لعل هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر» (^٢).
ويجاب عنه بما قال ابن حجر: «وَرُدَّ بأن قولها: «يسترني بردائه» دالٌّ على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب» (^٣).
٣ - قال ابن عبد البر: «إن عائشة كانت ذلك الوقت غير بالغة؛ لأنه نكحها صبية بنت ست سنين أو سبع، وبنى بها بنت تسع» (^٤)، وقال النووي: «أنها كانت صغيرة قبل بلوغها فلم تكن مكلفة» (^٥).
ويجاب عن هذا بما قال ابن حجر: «قولها: «أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي» مشعرٌ بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر أرادت الفخر عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وجاء في رواية ابن حبان (^٦): أن ذلك وقع لما قدم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة». اهـ. بتصرف (^٧).
٤ - قال ابن عبد البر: «مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون» (^٨).
ويجاب عنه هذا بأن هذا يقوي القول بجواز نظرها إلى الرجل بلا شهوة، وتحريمه إذا كان بلا شهوة.
ثانيًا: حديث فاطمة بنت قيس لما طلقت، فقال لها النبي -ﷺ-: «اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» (^٩).
قال القرطبي: «فيه دليل على أن المرأة يجوز لها أن تطَّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة؛ كالرأس، ومُعلَّق القرط، ونحو ذلك. فأمَّا العورة فلا» (^١٠).
_________________
(١) التمهيد ١٩/ ١٥٧.
(٢) شرح مسلم ٦/ ١٨٤.
(٣) فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
(٤) التمهيد ١٩/ ١٥٧.
(٥) شرح مسلم ٦/ ١٨٤.
(٦) صحيح ابن حبان ١٣/ ١٨٦.
(٧) فتح الباري ٢/ ٤٤٥.
(٨) التمهيد ١٩/ ١٥٧.
(٩) أخرجه مسلم ح (١٤٨٠).
(١٠) المفهم ٤/ ٢٧٠.
[ ٣٤٢ ]
قلت: ومما يقوي جواز نظر فاطمة -﵁- ا -إليه إذا كان بلا شهوة- أنه لو كان مجرد النظر محرمًا؛ لبين لها النبي -ﷺ- ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ خاصة وأنها ستمكث عنده زمن العدة، وهو زمن ليس بالقصير.
ثالثًا: قال الغزالي: «لسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه؛ بل هو كوجه الأمرد في حق الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا؛ إذ لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعن من الخروج» (^١). وقال ابن حجر: «ويقوي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلَّا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب؛ لئلا يراهم النساء، فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين» (^٢).
ويرد على قول من أجاز نظر المرأة إلى الرجل آية وحديث.
أما الآية فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ويجاب عنها بأنها مخصصة بالأحاديث المبيحة، فمعنى: (من) هو التبعيض (^٣).
وأما الحديث فهو حديث أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله -ﷺ-، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم -وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب- فدخل علينا، فقال النبي -ﷺ-: «احتجبا منه»، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي -ﷺ-: «أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!» (^٤).
ويجاب عنه بأجوبة منها:
١ - ضعف الحديث (^٥).
_________________
(١) إحياء علوم الدين ٢/ ٤٩.
(٢) فتح الباري ٩/ ٣٣٧.
(٣) تفسير القرطبي ١٥/ ٢١٢.
(٤) أخرجه أبو داود ح (٤١١٢)، والترمذي ح (٢٧٧٨).
(٥) فقد تفرد به عن أم سلمة مولاها نبهان القرشي، وقد قال الإمام أحمد كما في المغني: «قال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين -يعني: هذا الحديث وحديث: «إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه»، وكأنه أشار إلى ضعف حديثه؛ إذ لم يرو إلا هذين الحديثين المخالفين للأصول»، وقال ابن عبد البر عن نبهان في التمهيد ١٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧: «ليس بمعروف بحمل العلم، ولا يعرف إلا بذلك الحديث وآخر»، وله شاهد من حديث أسامة، وهو ضعيف جدًّا، ينظر: إرواء الغليل ٦/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٣٤٣ ]
٢ - مخالفته لحديث فاطمة بنت قيس، وهو حديثٌ صحيحٌ، لم يتكلم فيه أحدٌ من أهل العلم، فيقدم حديث فاطمة (^١).
٣ - على تقدير صحته، فذلك تغليظٌ منه -ﷺ- على أزواجه لحرمتهنَّ، كما غلَّظ عليهن أمر الحجاب (^٢).
_________________
(١) الاستذكار ٦/ ١٦٩.
(٢) سنن أبي داود ح (٤١١٢)، التمهيد ١٩/ ١٥٦، المفهم ٤/ ٢٧١.
[ ٣٤٤ ]