إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١)
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣)
أما بعد:
فالإنسان يمر بمراحل من عمره، فيبدأ طفلًا، ثم مرحلة
_________________
(١) سورة آل عمران (١٠٢).
(٢) سورة النساء (١).
(٣) سورة الأحزاب (٧٠ - ٧١).
[ ٥ ]
الشباب، ثم مرحلة الشيخوخة، فالهرم إن لم يمت قبل ذلك، ومن نعم الله علينا أن جعلنا مسلمين، ومن شمولية الإسلام أنه بيّن ما يحتاج إليه المسلم في كل مرحلة من عمره من أحكام، فللطفولة أحكام، وكذا الشباب، والشيخوخة، والهرم، وأيضًا لكل مرحلة عمرية علامات يتميز بها، ومن ذلك ظهور الشيب، فهو في الغالب علامة على انتهاء مرحلة الشباب، وبداية مرحلة الشيخوخة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (^١)، وظهوره نذير بطول العمر ودنو الأجل، على قولٍ (^٢) في تفسير قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (^٣)، وطول العمر مع حسن العمل صفة حسنة، وفضيلة عظيمة، قد امتدحها ﷺ عندما سئل أي الناس خير فقال: " مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ" (^٤)، وظهور الشيب يكرهه كثير من الناس، ويحاربه إما بنتفه،
_________________
(١) سورة الروم (٥٤).
(٢) يروى عن ابن عباس وعكرمة وقتادة وسفيان بن عيينة، وقيل المراد به الرسول ﷺ انظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٥٥٦).
(٣) سورة فاطر (٣٧).
(٤) أخرجه الترمذي في الجامع (٤/ ٥٦٥، ٢٣٢٩)، وأحمد (٢٩/ ٢٢٦، ١٧٦٨٠) من حديث عبد الله ابن بسر، وإسناده صحيح، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٣٦).
[ ٦ ]
أو تغييره بالسواد، وهذا من الجهل بالسنة، حيث جاءت ببيان فضله، وأنه نور المسلم، كما جاءت بالنهي عن نتفه، بل بإكرامه بصبغه بغير السواد، ولأهمية هذا الموضوع جمعت الأحاديث الواردة في هذا الباب، وعنونت للبحث
(الأحاديث الواردة في ذكر أحكام الشيب وبيان فضله) جمعًا ودراسةً