١ - أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي (^٧)، اختلف عليه فيها على وجهين، الوجه الأول: من لم يذكر لفظة: وجنبوه السواد"، وهم: يحيى بن يحيى (^٨)، وعمرو بن خالد الحنظلي (^٩)، والحسن بن موسى
_________________
(١) ثقة. التقريب (٤٥٧٥).
(٢) السنن (٨/ ٥٦٩، ٥٢٥٧).
(٣) المستدرك (٣/ ٢٤٥، ٥٠٦٩).
(٤) تاريخ دمشق (٣٤/ ٢٤١).
(٥) تعريف أهل التقديس ص ٤٤، الطبقة الثالثة.
(٦) التقريب (٥٧٢٥)، وتعريف أهل التقديس ص ٥١، الطبقة الرابعة.
(٧) ثقة، ثبت. التقريب (٢٠٤٢).
(٨) صحيح مسلم (٣/ ١٦٦٣، ٢١٠٢).
(٩) المعجم الكبير (٩/ ٣٠، ٨٣٢٧).
[ ٢٩ ]
الأشيب، وأحمد بن عبد الملك الحراني (^١).
والوجه الثاني: من ذكر لفظة" وجنبوه السواد" وهو إبراهيم بن إسحاق بن مهران (^٢)، ولو طبقنا قواعد ترجيح الروايات لقلنا بأن رواية الأكثر والأوثق هي الأرجح، وهم الذين لم يذكروا لفظة "وجنبوه السواد" عن شيخهم أبي خيثمة، لكن هذه القاعدة ستلزمنا بترجيح رواية الأكثر والأوثق عن أبي الزبير وهم الذين أثبتوا لفظة وجنبوه السواد، والخلاصة أن الكفتين متعادلتان ففي كل مجموعة رواة ثقات فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ومما يزيد الأمر إشكالًا هو ما جاء عند أحمد (^٣)، بلفظ: "قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي الزُّبَيْرِ: أَقَالَ جَنِّبُوهُ السَّوَادَ؟ قَالَ: لَا، بينما جاء عند أبي داود الطيالسي (^٤) أنَّ أبا خيثمة زهير بن معاوية سأل أبا الزبير أَحَدَّثَكَ جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي قُحَافَةَ: «غَيِّرُوا، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» فَقَالَ: لَا، فنفى التغيير بأكمله، وبهذا يتبين لنا جليًّا أن الإشكال من
_________________
(١) أخرجه أحمد عنهما في المسند (٢٣/ ١١، ١٤٦٤١).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٠٣٦).
(٣) المسند (٢٣/ ١١، ١٤٦٤١).
(٤) المسند (٣/ ٣١٠، ١٨٦٠).
[ ٣٠ ]
أبي الزبير نفسه، فتارة يثبتها، وأخرى ينفيها، فنحتاج إلى مرجحٍ خارجي، وذلك من خلال النظر في الأحاديث الأخرى وسأذكرها تِبَاعًا، والتي ترجح صحة لفظ (وجنبوه السواد)، والله أعلم بالصواب (^١).
* * *
١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْتَضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ".
أولًا: التخريج: أخرجه أبو داود (^٢)، والنسائي (^٣)، وأحمد (^٤) من طرق عن عبيد الله بن عمرو الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري (^٥)،
_________________
(١) وللتوسع في ذكر الشواهد وتخريجها، ومناقشة الأدلة، وذكر الآثار عن الصحابة والحكم عليها، يراجع: تحريم الخضاب بالسواد للشيخ مقبل بن هادي، وموسوعة أحكام الطهارة للدبيان (٣/ ٤١١ وما بعدها)، وكتاب تجلية المراد في اجتناب خضب الشيب بالسواد للبهلال.
(٢) السنن (٤/ ٨٧، ٤٢١٢) عن أبي توبة.
(٣) السنن (٨/ ٥١٤، ٥٠٩٠) عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي.
(٤) المسند (٤/ ٢٧٦، ٢٤٧٠) عن أحمد بن عبد الملك، وحسين بن محمد المروذي.
(٥) أخطأ ابن الجوزي ﵀ فظنه ابن أبي المخارق فضعف الحديث بسببه وأودعه كتابه الموضوعات (٣/ ٥٥)، وتعقبه الحافظ ابن حجر ﵀ في القول المسدد ٣٩ بقوله: "وأخطأ في ذلك فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح".
[ ٣١ ]
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وإسناده صحيح، وقد اختلف على عبيد الله بن عمرو في رفعه، ووقفه، فالأكثر على رفعه (^١)، ومنهم: أبو توبة الربيع بن نافع، وعبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، وحسين بن محمد المروزي، وأحمد بن عبد الملك، وخالفهم عبد الجبار بن عاصم الرقي فرواه عنه موقوفًا (^٢)، والقول قول الأكثر والأوثق، ولو صح الموقوف فله حكم الرفع، فمثله لا يقال بالرأي كما قال ابن حجر (^٣)، والحديث جوَّده العراقي (^٤)، والهيثمي (^٥)، وقوَّاه ابن حجر، وصححه الألباني (^٦).
_________________
(١) توسع صاحب أنيس الساري (٩/ ٦٧٦٢) في تعدادهم، وأوصلهم إلى أحد عشر راويًا.
(٢) ناسخ الحديث لابن شاهين (٦١٨).
(٣) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).
(٤) المغني عن حمل الأسفار (٤).
(٥) مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٨، ٨٧٩٣).
(٦) صحيح الترغيب (٢/ ٤٨٣، ٢٠٩٧)، وتمام المنة ص ٨٥.
[ ٣٢ ]
ثانيًا: شرح ألفاظ الحديث:
قوله: (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْتَضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ): يختضبون: أي يغيرون لون شعرهم، والمقصود يغيرون الشيب بالسواد (^١).
قوله: (كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ): الحواصل: الصدور، وإن كانت الحوصلة المعِدة، ومعناه كحواصل الحمام في الغالب؛ لأن حواصل بعض الحمام ليست بسود (^٢).
قوله: (لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ): لا يريحون: أي لا يشمون ولا يجدون رائحة الجنة، والمراد به التهديد، أو محمول على المستحل، أو مقيد بما قبل دخول الجنة من القبر، أو الموقف أو النار (^٣).
* * *
١٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ، فَرَآهُمْ بِيضَ اللِّحَى، فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تُغَيِّرُونَ؟ " فَقِيلَ: إِنَّهُمْ
_________________
(١) لسان العرب (١/ ٣٥٧)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٣٣، ٤٤٥٢).
(٢) شرح المشكاة (٩/ ٢٩٣٣، ٤٤٥٢).
(٣) عون المعبود (١١/ ١٧٨).
[ ٣٣ ]
يَكْرَهُونَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَكِنَّكُمْ غَيِّرُوا، وَإِيَّايَ وَالسَّوَادَ.
التخريج: أخرجه الطبراني (^١)، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة ضعيف (^٢)، قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن " (^٣)، وقال الألباني بعد إيراده لكلام الهيثمي: "وبالجملة فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد" (^٤).
قال النووي ﵀: "ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح وقيل يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم لقوله ﷺ واجتنبوا السواد هذا مذهبنا" (^٥).
وقال ابن القيم ﵀: " والصواب أن الأحاديث فِي هَذَا الباب، لا اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبيّ ﷺ منْ تغيير
_________________
(١) المعجم الأوسط (١/ ٥١، ١٤٢).
(٢) التقريب (٣٥٦٣).
(٣) مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٧، ٨٧٨٩).
(٤) جلباب المرأة المسلمة ص ١٩١.
(٥) المنهاج (١٤/ ٨٠).
[ ٣٤ ]
الشيب أمران: أحدهما: نتفه. والثاني: خضابه بالسواد، والذي أذن فيه هو صبغه، وتغييره بغير السواد، كالحنّاء، والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة ﵃، قَالَ الحكم بن عمرو الغفاري ﵁: دخلت أنا، وأخي رافع عَلَى عمر ابن الخطّاب ﵁، وأنا مخضوبٌ بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فَقَالَ عمر ﵁: هَذَا خضاب الإسلام، وَقَالَ لأخي: هَذَا خضاب الإيمان، وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة منْ أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لما تقدّم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قَالَ: إي والله. وهذه المسألة منْ المسائل التي حلف عليها، وَقَدْ جمعها أبو الحسن (^١)، ولأنه يتضمّن التلبيس، بخلاف الصفرة، ورخّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر، وفي ثبوته عنهم نظر (^٢)، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ، وسنّته أحقّ بالاتّباع، ولو خالفها منْ خالفها" (^٣).
_________________
(١) المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد لأبي الحسين بن أبي يعلى ص ٣٢.
(٢) وهذا الذي توصل إليه الشيخ البهلال جزاه الله خيرًا في تخريجه لهذه الآثار في كتابه تجلية المراد في اجتناب خضب الشيب بالسواد.
(٣) تهذيب سنن أبي داود (٣/ ١٩٤٣).
[ ٣٥ ]