بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾.
- والآخر: عقيدتهم في عدالتهم بخاصة
العدالة مَلَكة تحمل المرء على ملازمة التقوى، والمروءة (^١). والصحابة - رضوان الله عليهم - كلهم عدول، مأمونون بنص كتاب الله - ﷿ -، وسنة نبيه - ﷺ -، بما جاء فيهما من حسن الثناء عليهم، ووصفهم بأحسن الأوصاف، وما أعدّ لهم في الآخرة من الخير العظيم، والخلود المقيم في جنات النعيم هذا قول السلف، وأجمع عليه من يعتد به في الإجماع ممن بعدهم (^٢) قال الله - عز رجل (^٣) -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وقال (^٤): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ
_________________
(١) انظر: نزهة النظر (ص/ ١٨)، والكفاية (ص/ ١٣٦ - ١٤٤، ١٦٠ - ١٦٧)، وتفسير القرطبي (٣/ ٣٩٦)، والتحرير لابن الهمام (٣/ ٤٤ - ٤٥)، وتيسيره لأمير بادشاه (٣/ ٤٤، وما بعدها)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص/ ٤١٣ - ٤١٤)، والتوقيف للمناوي (ص/ ٢٩٦).
(٢) ذكر الإجماع: ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٩)، والخطيب في الكفاية (ص/ ٩٦)، وابن الصلاح في علوم الحديث (ص/ ٢٦٠)، والنووي في شرح مسلم (١٥/ ١٤٩)، وابن كثير في اختصار علوم الحديث (٢/ ٤٩٨)، والزركشي في البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، والسخاوي في الغاية (١/ ٣٨٢)، والسفاريني في لوائح الأنوار (٢/ ١٩٠)، وغيرهم. وانظر: السنن الأبين (ص/ ١٢٠)، وتحقيق منيف الرتبة (ص/ ٧٨).
(٣) الآية: (١٤٣)، من سورة: البقرة.
(٤) الآية: (١١٠)، من سورة: آل عمران.
[ ١ / ٧١ ]
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقال (^١): ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾، وقال (^٢): ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال (^٣): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾، وفي نصوص القرآن الشاهدة بذلك كثرة وعدد جمّ يكثر إيراده، ويطول تعداده.
كما أن في النصوص الصحيحة المسندة إلى النبي - ﷺ - الدالة على عدالتهم كثرة متسعة، استفاضت، وتواترت في هذا المعنى، والسنة مبينة للقرآن، قال - تعالى - (^٤): ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذه النصوص مذكورة بأسانيدها، ومتونها في بحثي هذا، انظر فيه - مثلًا -: ما ورد في فضل مَن رأى النبي - ﷺ - وصحبه، وما ورد في أن خير الناس القرن الذي كان فيه النبي - صلى الله
_________________
(١) الآيتان: (١٤٧ - ١٤٨)، من السورة المتقدمة.
(٢) الآية: (٦٢)، من سورة: الأنفال.
(٣) الآية: (٧٤)، من السورة المتقدمة.
(٤) الآية: (٤٤)، من سورة: النحل.
[ ١ / ٧٢ ]
عليه وسلم -، وما ورد في النهي عن سبهم، وغير هذا مما وردت فيه فضائلهم العامة، والخاصة.
قال ابن حبان (^١): (كلهم أئمة، سادة، قادة، عدول، نزه الله - ﷿ - أقدار أصحاب رسول الله - ﷺ - عن أن يلزق بهم الوهن. وفي قوله - ﷺ -: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول، وليس فيهم مجروح، ولا ضعيف وكفى بمن عدله رسول الله - ﷺ - شرفًا) اهـ.
وقال الخطيب في ترجمة أحد أبواب الكفاية (^٢): (باب ما جاء في تعديل الله، ورسوله - ﷺ - للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم)، ثم قال: (لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن). وقال ابن عبد البر (^٣): (فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله - ﷿ - عليهم، وثناء رسوله - ﷺ -، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه - ﷺ -، ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل
_________________
(١) في صحيحه (الإحسان ١/ ١٦١).
(٢) (ص/ ٩٣)، وانظره (ص / ٩٦ - ٩٧).
(٣) الاستيعاب (١/ ٢).
[ ١ / ٧٣ ]
منها)، إلى أن قال (^١): (إنما وضع الله - ﷿ - في الموضع الذي وصفهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة وسنة). وقال ابن تيمية (^٢): (الصحابة كلهم ثقات باتفاق أهل العلم بالحديث، والفقه). وقال ابن حجر (^٣): (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) ا هـ (^٤).
ومع ثبوت عدالة الصحابة الكرام - ﵃ - ثبوتًا قطعيًا فأهل السنة، والجماعة - بحمد الله - ليسوا ممن يغلون فيهم، ولا يدّعون لهم العصمة، بل هم بشر كسائر البشر، يجوز عليهم الذنب، والخطأ، والنسيان، والعصمة إنما هي للأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة، والسلام - وإن ثبت على أحد من الصحابة شيء من ذلك فهو مغمور في سعة رحمة الله بما ثبت لهم من الفضائل، والمحامد التي لا يسع صاحب دين، أو لبّ أن يكتمها، ويدفنها.
وهذا خلاف لمن تجاوزوا الحد، وكانوا على طرفي نقيض في أصحاب رسول الله - ﷺ - في أحدهما من يكفرهم، وبغير الحق يذكرهم، وفي الآخر من رفع بعضهم فوق المنزلة الي قررها لهم الكتاب،
_________________
(١) (١/ ٧).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٤٥٧).
(٣) الإصابة (١/ ١٠).
(٤) وانظر: أضواء البيان (١/ ٤٠٠).
[ ١ / ٧٤ ]
والسنة الثابتة، فنقلوهم من حيز الصحبة إلى حيز الإلهية والربوبية، وادعو فيهم العصمة والحفظ، واتبعوا كل ما ورد عنهم من غير نظر وتمحيص، لم يراعوا الصحة من الخطأ، ولا الثابت عنهم من غير الثابت، وهذا حقيقته العبادة لهم من دون الله - ﷿ -، وإن لم يقربها من صنع ذلك - نسأل الله الهداية، ونعوذ به من الغواية -.