إذا ورد الحديث عن الصحابي فإما أن يكون رفعه إلى النبي - ﷺ - صريحًا، كان يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، أو يفعل. أو يقول: قال رسول الله - ﷺ -، أو حدثنا، أو نهانا، ونحو ذلك. وهذا لا خلاف بين أهل العلم في إضافة ما ورد فيه إلى النبي - ﷺ -.
وإما أن يكون رفعه إلى النبي - ﷺ - غير صريح، كأن يقول: أمرنا بكذا، أو من السنة كذا، أو كنا نفعل كذا ونحو ذلك. أو مال التابعي عن الصحابي: ينمي الحديث، أو يبلغ به، أو نحو ذلك، ومثل هذه الألفظ بعضها محل خلاف عند أهل العلم: هل يحكم لها بالرفع إلى النبي - ﷺ - أم لا؟ والصواب: التفصيل، بناء على النظر في ألفُظ صيغ أداء هذه الأحاديث، ومدلولاتها والنظر يقتضي تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص/ ٢٦١)، والخلاصة للطيبي (ص/ ١٢٤)، وفتح المغيث (٤/ ١٠٣ - ١٠٤)، وانظر: تسمية فقهاء الأمصار من الصحابة فمن بعدهم للنسائي، وإجمال الإصابة للعلائي (ص/ ٩٤ - ٩٧).
[ ١ / ٩٤ ]
القسم الأول: قولهم: (كنا نقول)، أو (نفعل) كذا، ونحوهما. سواء أضافه إلى زمن النبي - ﷺ - أم لا فإن أضافه إلى زمن النبي - ﷺ - فالجمهور على أنه مسند، خلافًا للإسماعيلي. وإن لم يضفه فمحل خلاف. والراجح أنه مسند - أيضا - (^١).
والقسم الثاني: قولهم: (أُمرنا)، أو (من السنة) كذا، ونحوهما والراجح في هذا القسم: أن لهما حكم المرفوع، إذا صدرا من معروفي الصحبة (^٢). ونفى البيهقي (^٣) الخلاف فيه؛ فإنه قال: (لا خلاف بين أهل النقل أن الصحابي - رضي الله تعالى عنه - إذا قال: أمرنا، أو نهينا، أو من السنة كذا أنه يكون حديثًا مسندًا) اهـ. وقد خالف فيه فريق منهم: الإسماعيلي، وأبو الحسن الكرخي (^٤). وحكى الحاكم (^٥) الإجماع على أن قول الصحابي: "سُنّة" أنه حديث مسند.
_________________
(١) انظر: الكفاية (ص/ ٥٩٣ - ٥٩٦)، وعلوم الحديث لابن الصلاح - وشرحه التقييد للعراقي - (ص/ ٥١ - ٥٢).
(٢) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح - وشرحه التقييد للعراقي - (ص/ ٥١ - ٥٣)، والنكت للحافظ ابن حجر (٢/ ٥١٥ - ٥٢١)، والتدريب (١/ ١٨٥ - ١٩٠).
(٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح - وشرحه التقييد للعراقي - (ص/ ٥١ - ٥٣)، والنكت للحافظ ابن حجر (٢/ ٥١٥ - ٥٢١)، والتدريب (١/ ١٨٥ - ١٩٠).
(٤) انظر: النكت (٢/ ٥٢٠).
(٥) المستدرك (١/ ٣٥٨).
[ ١ / ٩٥ ]
والقسم الثالث: قول التابعي - وقد ذكر صحابي الحديث -: (ينميه)، أو (يرفعه)، أو (رواية)، أو نحوها، كله مرفوع متصل بلا خلاف (^١).
ومن فروع هذه المسألة - أيضًا -: ما قاله الصحابي مما ليس للرأي، والاجتهاد مجال فيه كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وقصص الأنبياء، أو عن الأمور الآتية من البعث، وصفة الجنة، أو عن ثواب الأعمال، وعقابها، أو عن ما يكفر به الإنسان، أو يفسق، أو نحو ذلك هذا له حكم المرفوع - على القول الصحيح - إن لم يعرف الصحابي بالأخذ عن الإسرائيليات، وأن هذا منها (^٢).
ومن فروعها - أيضًا -: ما فسّر به الصحابي القرآن والصحيح فيها: أن ما كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب، وسبب النزول، فهو تفسر مسند متصل. وما سواه لا يجزم برفعه؛ لقوة الاحتمال (^٣). ومنها - كذلك - ما قاله في صفة النبي - ﷺ - على رأي بعض أهل العلم (^٤). ومنها: ما شرح به حكمًا عن النبي - ﷺ - يحتاج إلى شرح، سواءً أكان من روايته أم لا
_________________
(١) انظر: العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠٠٠)، والكفاية (ص/ ٥٨٨ - ٥٩٣)، وعلوم الحديث، وشرحه (ص ٥٣ - ٥٤).
(٢) انظر: النكت (٢/ ٥٣١)، وسلالة الفوائد للدكتور عبد الرحمن السديس (إمام المسجد الحرام) ص/ ٧٦ - ٧٧.
(٣) انظر: علوم الحديث (ص/ ٥٣)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٥٣ - ١٥٥)، والنكت (٢/ ٥٣٠ - ٥٣٣).
(٤) انظر: حجية الموقوف للدكتور: عبد الله أبو السعود (ص ٣٧ - ٤٤).
[ ١ / ٩٦ ]
والتحقيق أنه لا يجزم بكون جميع ذلك يحكم برفعه، بل الاحتمال فيه واقع، فيحكم برفع ما قامت القرائن الدالة على رفعه، وإلا فلا (^١).
* * *