لم يكن الناس على عهد النبي - ﷺ - يحصون أنفسهم، ويعدونها، كما يوجد في بعض مجتمعات اليوم وقد دخل في الإسلام بعد فتح مكة خلق كثير، قال الله - تعالى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (^٢). وقال كعب بن مالك (^٣) - ﵁ - في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: (والمُسلِمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد: الديوان -) ا هـ. قال العراقي (^٤): (هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف يُجمع من رآه مسلما)! وسئل أبو زرعة (^٥) عن عدة من روى عن النبي - صلى الله عليه
_________________
(١) وقع في المطبوع: (الإلباس)، وهو تحريف، يختلّ به النظم.
(٢) الآيتان: (١، ٢)، من سورة: النصر.
(٣) صحيح البخاري (٧/ ٧١٧) رقم الحديث/ ٤٤١٨.
(٤) التقييد (ص/ ٢٦٥).
(٥) كما في: علوم الحديث لابن الصلاح (ص/ ٢٦٣).
[ ١ / ١٠٣ ]
وسلم -، فقال: (ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي - ﷺ - حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا)!
قال العسقلاني (^١): (وأما عدة أصحابه - ﷺ - فمن رام حصر ذلك رام أمرا بعيدا، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله - تعالى -؛ لكثرة من أسلم من أول البعثه إلى أن مات النبي - ﷺ -، وتفرقهم في البلدان والنوادي) اهـ.
ومع هذا، قال الشافعي (^٢) - ﵀ -: (قبض رسول الله - ﷺ - عن ستين ألفًا، ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفًا في قبائل العرب، وغيرها) اهـ. وقال أبو زرعة الرازي (^٣): (قبض رسول الله - ﷺ - عن مئة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة) اهـ.
قال العراقي (^٤): (وفي هذا التحديد بهذا العدد المذكور نظر كبير، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك، مع تفرق الصحابة في البوادي، والقرى. والموجود عن أبي زرعة بالأسانيد المتصلة إليه ترك التحديد في
_________________
(١) المواهب (٧/ ٣٦).
(٢) كما في: التقييد (ص/ ٢٦٤).
(٣) كما في: علوم الحديث (ص/ ٢٦٣).
(٤) التقييد (ص / ٢٦٣ - ٢٦٤).
[ ١ / ١٠٤ ]
ذلك، وأنهم يزيدون على مئة ألف) اهـ. ويروى أنه شهد معه حجة الوداع مئة ألف، وأربعة عشر ألفًا (^١).
ولا شك أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كان عددهم كثيرًا، لا سيما بعد أن دخلت قبائل الجزيزة العربية بعد الفتح في الإسلام.
ولكن كل ما تقدم من التحديد بأرقام معينة لا يمكن الجزم بشيء منه جزما قاطعًا، لأننا نعلم أنه لم يحص أحد أصحابَ النبي - ﷺ - عند وفاته؛ ولأن هذا من الأمور الصعبة ذلك الوقت؛ بعد انتشار الإسلام. وظهوره، وتفرق أهله في البوادي، والحواضر ومن ذكر شيئًا من ذلك إما أن يكون قوله اجتهادًا منه لتقدير أعدادهم، وإمّا أن يكون مبلغ علمه - ونحو ذلك - وفوق كل ذي علم عليم (^٢).
وهذا الحافظ ابن حجر - ﵀ -، ما ذكر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة - وهو أوسع الكتب المصنفة في بابه - سوى خمسة عشر ألفًا، واثنين وخمسين صحابيًا، وصحابية - بالمكرر - (^٣) مع كونه يذكر من توفي في حياته - ﷺ -، ومن عاصره وهو مسلم ولم يره، والمختلف في صحبتهم، ومن مات النبي - ﷺ - وهو صغير، وغير ذلك ممن قد تثبت صحبته، أو لا (^٤)!
_________________
(١) انظر: التدريب (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٢) وانظر: ألفيه العراقي وشرحها فتح المغيث (٤/ ١٠٧ - ١١١).
(٣) حسب ترقيم الطبعة المغربية، نشر: دار إحياء التراث (بيروت).
(٤) وانظر: المعرفة لأبي نعيم (١/ ١٤٣ - ١٤٥).
[ ١ / ١٠٥ ]