الافتاء إخبار عن الله - ﷿ -، وعن رسوله - ﷺ - في الحلال، والحرام، وأمره ليس بالأمر الهين يقول الشاطبي (^٣): (المفتي قائم في الأمة مقام النبي - ﷺ - )، إلى قال: (وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر ) إلخ. والصحابة - ﵃ - تحقق عنهم بالتواتر الجدّ في الامتثال، والمتابعة، وكانوا مثالًا حيًا لاتباع العلمِ العملَ قال ابن مسعود - ﵁ - (^٤): (كنا إذا تعلمنا من النبي - ﷺ - عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه) - يعني: من العلم -. وحفظوا عن رسول الله - ﷺ -، وبلغوا عنه، ما علموه، وحفظوه إلى من بعدهم. وكان الناس يتوجهون إليهم للتعلم منهم، وللأخذ عنهم، واستفتائهم وحُفظت
_________________
(١) [١/ ج] كما في لوائح الأنوار للسفاريني وحاشية محققه (٢/ ٩٣).
(٢) وانظر: إعلام الموقعين (٤/ ١١٨ وما بعدها).
(٣) الموافقات (٤/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٤) كما في: السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ١ / ٩٢ ]
الفتوى عن سبعة وأربعين ومئة صحابي، المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة - أم المؤمنين -، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت - ﵃ أجمعين -. ذكره ابن حزم في الإحكام (^١)، وقال: (يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هولاء مجلد ضخم) اهـ. ثم قال (^٢): (ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون، وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة) اهـ. ثم قال: (ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير). ثم قال: (وفي الصحابة نحو من مئة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا تروى عن الواحد منه إلا المسألة، والمسألتان والثلاث كأُبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد )، ثم سرد الباقين، وفي بعضهم نظر، قاله: السخاوي (^٣). ثم قال ابن حزم بعد سرده لهم: (ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير) اهـ. وأكثرهم فتيا -
_________________
(١) (٥/ ٨٦٨)، وانظر: جوامع السيرة (ص / ٣١٩ - ٣٢٣)، وعلوم الحديث لابن الصلاح (ص/ ٢٦٢).
(٢) (٥/ ٩٢ - ٩٣)، وانظر: جوامع السيرة (ص / ٣١٩ - ٣٢٣).
(٣) فتح المغيث (٤/ ١٠٤).
[ ١ / ٩٣ ]
على الإطلاق -: عبد الله بن عباس - ﵄ -، وكان كبار الصحابة يحيلون عليه فيها (^١).