قرر الله - ﷿ - في كتابه، والنبي - ﷺ - في سنته التفاضل بين المخلوقات، وأنها على مراتب، وأقدار، بله كل جنس ونوع فيما بين عناصره، وأفراده، وأنهم على درجات بعضها فوق بعض وأصل التفضيل بين أصحاب النبي - ﷺ -، كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -. قال - تعالى - (^١): ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وروى الشيخان (^٢) وغيرهما من حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله - ﷺ -: إلا كسبوا أحدًا
_________________
(١) الآية: (١٠)، من سورة: الحديد.
(٢) خرجته من كتابيهما وغيرهما في فصل النهي عن سب أصحاب النبي - ﷺ -، من الباب الأول، ورقمه/ ٣٤، ١٠١.
[ ١ / ٧٥ ]
من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه). وفي هذا دليل على فضل السابقين الأولين على من جاء بعدهم. قال القرطبي في تفسيره (^١) - وقد ذكر ما قيل في التفاضل بين الأنبياء -: (وهكذا القول في الصحابة - إن شاء الله تعالى - اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل، بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك، مع أن الكل شملتهم الصحبة، والعدالة، والثناء عليهم) اهـ. وذكر شيخ الإسلام (^٢) أن التفضيل يثبت إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا، وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب التفضيل على الغير.
والسلف الصالح يقدمون المهاجرين على الأنصار، ولأهل العقبتين من الأنصار مزية عندهم، ويفضلون من أنفق قبل صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل. وأفضلهم من الرجال: الخلفاء الأربعة - وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة - (^٣)، ثم سائر العشرة المبشرين بالجنة، ثم
_________________
(١) (٣/ ٢٦٤).
(٢) كما في: مجموع الفتاوى (٤/ ٤١٤ - ٤١٥)، وانظر تتمة كلامه.
(٣) يقول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩): (والسنة محبة عثمان، وعلى جميعًا، وتقديم أبي بكر، وعمر عليهما - ﵃ -؛ لما خصهما الله به من الفضائل إلى سبقا بها عثمان، وعليًا جميعا. وقد نهى الله في كتابه عن التفرق، والتشتت، وأمر بالإعتصام بحبله. فهذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه، ويعتصم بحبل الله؛ فإن السنة مبناها على العلم، والعدل، والإتباع لكتاب الله، وسنة رسوله - صلى =
[ ١ / ٧٦ ]
البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان هذا الصحيح المشهور عندهم (^١).
قال أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدة له في الآداب والسنة (^٢):
وتولَّ أصحاب النَّبي وآله وأَذِع محاسنهم جميعًا وانشرِ
وامنحهمُ محض الوداد وقدم الـ ـعمرين في كلّ الفضائل وابدرِ
_________________
(١) = الله عليه وسلم -). وقال المحب الطبري في الرياض النضرة (٢/ ١٨٠ - ١٨٢): (وقد أجمع أهل السنة من السلف، والخلف من أهل الفقه والأثر أن عليًا أفضل الناس بعد عثمان، هذا مما لم يختلف فيه، وإنما اختلفوا في علي وعثمان )، ثم ذكر أن الأمر استقر عندهم على تقدم عثمان على علي - رضوان الله عليهما -. وانظر: قول الإمام أحمد المنقول في طبقات الحنابلة (١/ ٣٠). ويقول ابن القيم في الكبائر (ص / ٤٠٣): (وأجمعت علماء السنة أن أفضل الصحابة العشرة المشهود لهم. وأفضل العشرة: أبو بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب - ﵃ أجمعين -. ولا يشك في ذلك إلا مبتدع، منافق، خبيث) ا هـ.
(٢) انظر: السنة للخلال (ص/ ٣٧١ - ٤١٠)، وعقيدة السلف للصابوني (ص/ ٢٨٩)، وشرح أصول الاعتقاد للالكائى (١/ ١٥٩، ١٥٥، ١٥٢ - ١٧٦، ١٦٧، ١٦٠ - ١٦٨)، و(٨/ ١٣٦٣ وما بعدها)، والاعتقاد للبيهقي (ص/ ١٩٢)، والمدخل لابن بدران (ص / ١٨)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢)، وشرح مسلم (١٥/ ١٤٨)، والتقريب (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) كلاهما للنووى، والعقيدة الواسطية - مع شرح العثيمين - (٢/ ٢٥٣ - ٢٧٢)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ وما بعدها)، والمنهل الروي (ص / ١١٢)، والخلاصة للطيبي (ص/ ١٢٤)، ولوائح الأنوار (٢/ ٩٩ - ١٠٠)، ومعارج القبول للحكمي (٣/ ١١٢٦ وما بعدها).
(٣) (ص/٥٧ - ٥٨).
[ ١ / ٧٧ ]
ويليهما عثمانُ ثم علي الـ بطل المسوّم في الحروب الشَّمري
خلفاء صدق وطّدوا دين الهدى وارَوا معالمه عيونَ النُّظَّرِ
والسّتّة الأعلام من شركائهم بحراء في اليومِّ الأغرِّ الأشهرِ
واذكرهمُ بالسبق واشهد فيهمُ ولهمْ بما شهد الرّسول وأخبرِ
واذكر سواهم بالجميل ولا تكن بمقدِّم فيهم ولا بمؤخرِ
فجميعهمْ للبرِّ أهلٌ والتقى قَمِنٌ بها وبكلّ صالحة حري
وقال ابن الجزري في الهداية (^١):
وهمْ بالإجماع عدولٌ اجمع أفضلهم فالخلفء الأربع
فستَّة فأهل بدر فأحد فبيعة الرضوان
وأما أفضل نسائهم: فالتوقف في التفضيل المطلق بينهن أولى، وهو أعدل الأقوال؛ لأن الأفضلية على الإطلاق لا يعلمها إلّا الله، ولا نص، وكل واحدة ممن قيل إنها الأفضل، والأشرف باعتبار النظر في بعض الأدلة لها فضل تفوق به سائر النساء (^٢).
_________________
(١) (١/ ٣٨١).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وبدائع الفوائد (٣/ ١٦١ - ١٦٣)، وصحابة رسول الله - ﷺ - للكبيسي (ص/ ٢٤٥ - ٢٥١).
[ ١ / ٧٨ ]