- أولهما: عقيدتهم فيهم إجمالا
عقيدة أهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط، والتفريط، ووسط بين الغلو والجفاء في جميع مسائل الاعتقاد، ومن هذا عقيدتهم في أصحاب رسول الله - ﷺ - (^١). وكل ما أثبته الله - ﷿ - في كتابه - الكريم -، والنبي - ﷺ - في سنته المشرفة للصحابة حق يجب الأخذ به، وعدم العدول عنه عندهم من اعتقاد إخلاصهم في استحابتهم لله، ولرسوله - ﷺ -، وإيمانهم، وعدالتهم، وشرائهم أنفسهم ابتغاء مرضات الله، ورجاء رحمته، وحسن ثوابه، وهجرتهم، وجهادهم بأنفسهم، وبأموالهم، ونصرتهم للنبي - ﷺ - وحمايتهم له. مع شدة بأسهم على أهل الكفر والزيغ والفساد، ولين جانبهم لأهل الإيمان والحق والرشاد. واعتقاد خوفهم من الله - جل وعلا -، ودعائهم، أن يتقبل الله - تعالى - منهم، وأن يغفر لهم. واعتقاد أن الله - جل وعلا - قد رضي عنهم، ورضوا عنه، وعدّهم من المحسنين، آتاهم ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وبشرهم برحمة منه، ورضوان،
_________________
(١) وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٣/ ٣٧٥).
[ ١ / ٦٧ ]
وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا. واعتقاد أنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويعتمدون على الله - جل وعلا -. واعتقاد أن قرنهم خير قرون الناس أجمعين، وينزلونهم منازلهم بالعدل والإنصاف، ويحبونهم، ويوقرونهم، ويترضون عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون مناقبهم وفضائلهم، ولا يروون ما ينقل في معايبهم، وأخطائهم (^١)، وأن لهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر.
قال الشيخ الطحاوي (^٢): (ونحب أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من حب أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وطغيان) اهـ. واعتقاد أن الطعن فيهم، أو سبهم منهي عنه لا يجوز، وأن من سبهم فهو من أهل الزيغ، والضلال، ولازم قوله: الطعن في هذا الدين ورسوله، لأنهم أتباعه، ونقلته، وناشروه. قال البربهاري (^٣): (واعلم أنه من تناول أحدًا من
_________________
(١) خيار هذه الأمة هم الصحابة، ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة - من الأمة، وغيرها - أعظم اجتماعًا على الهدى والرشاد ودين الحق، ولا أبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف منهم. وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلًا من كثير. قالة شيخ الإسلام في منهاج السنة (٦/ ٣٦٤، ٣٦٦).
(٢) في عقيدته (ص/ ٢٣)، وانظر: شرح السنة للبربهاري (ص / ٧٦).
(٣) شرح السنة (ص/ ١٢٣) رقم النص/ ١٤٧.
[ ١ / ٦٨ ]
أصحاب محمد - ﷺ - فاعلم أنه إنما أراد محمدًا - ﷺ -، وقد آذاه في قبره) ا هـ. وقال - أيضًا - (^١): (وإذا رأيت الرجل يطعن علي أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه صاحب قول سوء، وهوى، ولقول رسول الله - ﷺ -: "إذا ذكر اصحابي فأمسكوا" وقوله: "ذروا أصحابي، لا تقولوا فيهم إلّا خيرا". ولا تحدّث بشيء من زللهم، ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدّث به؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت) اهـ. وقال ابن تيمية (^٢): (من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ - .. ويتبرؤن من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم. وطريقة النواصب الذين يوذون أهل البيت ويسكتون عما شجر بين الصحابة .. وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم) (^٣) ا هـ.
واعتقاد فضائلهم، ومناقبهم الثابتة عن النبي - ﷺ -، سواء ما ورد منها على وجه الإجمال، أو على وجه التفصيل، واعتقاد فضل الخلفاء الراشدين، وأنهم أفضل الخلق بعد النبيين، والمرسلين، وأن
_________________
(١) شرح السنة (ص / ١١٥) رقم النص / ١٣٣.
(٢) العقيدة الواسطية (٢/ ١٤٢ - ١٥١) - الهراس -، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣١ - ٤٣٣، ٤٣٤ وما بعدها).
(٣) وانظر: الرواة الثقات للذهبي (تحقيق: الموصلي) ص/ ٢٣ - ٢٤.
[ ١ / ٦٩ ]
ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. واعتقاد فضل المهاجرين، والأنصار، وحقوقهم، وحفظ وصايا الرسول - ﷺ - فيهم. واعتقاد فضل أهل بيت رسول الله - ﷺ -، والتقرب إلى الله - ﷿ - بموالاتهم، ومحبتهم، وصلتهم، وحفظ وصايا رسول الله - ﷺ - فيهم. واعتقاد فضل أمهات المؤمنين، وتعظيم قدرهن، ومعرفة فضلهن، وطهرهن، وشرفهن، ولا تُذكر إحداهنّ إلّا بخير، مع الإيمان بأنهن أزواج النبي - ﷺ - في الآخرة. والتمسك بما كانوا عليه، والاقتداء بهم، واعتقاد أن من حقهم - ﵃ أجمعين - على كل من جاء بعدهم من المؤمنين أن يدعو لهم، ويستغفر لهم، قال - تعالى - (^١): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
_________________
(١) الآيات: (٨ - ١٠)، من سورة: الحشر. وانظر: العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص / ٥٠١ - ٥٠٣)، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني (ص/ ٢٨٧ - ٢٩٤)، وشرح أصول الاعتقاد (١/ ١٥٦)، والعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام - مع شرح الهراس - (ص / ١٥٢ - ١٥٣)، - ومع شرح العثيمين - (٢/ ٢٤٧ - ٢٩٥)، ورسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرد على الرافضة، وعقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام للدكتور / ناصر الشيخ.
[ ١ / ٧٠ ]