تقدم في التعريف الاصطلاحى المختار للصحاب أنه: مَن لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة. وتقدم - أيضا - في تعريفه اللغوي أنه ليس بمشتق من قدر مخصوص من الملازمة، واللقي، ومنهم من سمع قليلا، ومنهم من سمع كثرا من النبي - ﷺ -، والصحابة - ﵃ - أعلم الناس بكتاب الله، وسنة رسول الله - ﷺ -، وأكثرهم كان فقيهًا عالمًا؛ لنزول القرآن بلغتهم، ورسولهم - ﷺ - منهم، ولأنهم عاشروا رسول الله - ﷺ -، ورأوا هديه، واهتدوا به، ونظروا قضاءه، وحكمه فيما اختلف الناس فيه. وشهدوا أخلاقه، وأدابه، وأحواله، وتصرفه في السلم والحرب، والمعاهدات وأمور الدنيا والآخرة. واستقى كل بقدر استعداده من ينبوع الفيض الرباني، وانعكس ذلك كله على عقولهم، وعلى أرواحهم، علمًا، وعملًا، وتبليغًا (^١). وكل فضل، وخير، وعلم، وجهاد، ومعروف عمل في هذه
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٥)، ومقدمة محمد الحافظ التيجاني للكفاية (ص/ =
[ ١ / ٨٧ ]
الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أجلّ، ونوالهم منه أجزل؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وفتحوا أبوابه، ونقلوا معالم الدين، وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم (^١).
والناظر في كتب الحديث - على اختلاف أغراض وطرق تدوينها -، وما ذكره أهل العلم فيما لكل صحابي من الحديث عن رسول الله - ﷺ -، يلحظ أن منهم المكثر، ومنهم المقل، ولهذا أسبابه، ومنها:
أولًا: تفاوتهم في مقدار ما تحملوه عن النبي - ﷺ - لتفاوتهم في مقدار صحبتهم له، وسماعهم منه، وحفظهم لحديثه. ثانيًا: تفاوت أعمارهم طولا، وقصرا. ثالثًا: خوف بعضهم من الغلط على رسول الله - ﷺ -، واتهامهم لحفظهم الجيد عنه وهذا من تورعهم - ﵃ -. رابعًا: تولي بعضهم الخلافة، أو ولايات للمُسلِمين، وانشغالهم بتدبير أمور المُسلِمين، وتصريف أحوالهم، ورعاية شئونهم. خامسًا: اشتغال بعضهم بالعبادة، وانصرافهم إليها. سادسًا: اشتغال بعضهم بالجهاد في سبيل الله ولم يتفرغ هذان الصنفان للتحديث لعلمهم أن غيرهم قام مقامهم في تبليغ ما عندهم من علم (^٢).
_________________
(١) = ١٤).
(٢) تحقيق منيف الرتبة (ص/ ٧٥).
(٣) وانظر: محاضرات التازى (١/ ١٥٨)، والسنة ومكانتها في التشريع (ص ٧٥ - =
[ ١ / ٨٨ ]
قال الإمام أحمد (^١): (وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة)، وزاد ابن كثير (^٢) عبد الله بن عمرو، وأبا سعيد، وابن مسعود. قال ابن الصلاح (^٣): (أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله - ﷺ -: أبو هريرة. روي ذلك عن سعيد بن أبي الحسن، وأحمد بن حنبل) اهـ.
وذكر جماعة من المصنفين في الصحابة عدد ما لكل واحد من الحديث، وغالبهم اعتمد على ما ذكره ابن حزم في أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد، أو ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر، اعتمادا على ما وقع لكل منهم في مسند بقي بن مخلد (ت / ٢٧٦ هـ)؛ لأنه من أجمع المسانيد، ورتبه على طريقة مبنية على الإكثار، أو الإقلال في الرواية عن رسول الله - ﷺ -، فذكر أولًا أصحاب الألوف، ثم أصحاب الألف، ثم أصحاب المئين، وهكذا إلى أن ذكر من
_________________
(١) = ٧٧)، وَصحابة رسول الله - ﷺ - (ص / ١٣٥ - ١٣٧).
(٢) كما في: اختصار علوم الحديث لابن كثر (٢/ ٥٠٧)، وانظر: فتح المغيث (٤/ ١٠٢ - ١٠٣)، والغاية (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٣) كتابه المتقدم (٢/ ٥١٢).
(٤) علوم الحديث (ص/ ٢٦١).
[ ١ / ٨٩ ]
روى عنه حديثان، ثم من روي عنه حديث واحد - وهم الأغلب - (^١).
ولبعضهم (^٢):
صحب النبي ذو الآلاف عدتهم قل سبعة نجب بالفضل قد رأسوا
أبو هريرة عبد الله عائشة وجابر وابن عباس كذا أنس
وأبو سعيد روى ألفًا ويتبعها سبعون مع مئة يجلى بها الغلس
رذكر ابن حزم في كتابه المتقدم في أصحاب الآلاف (^٣): أربعة. وفي أصحاب الألف (^٤): ثلاثة. وفي أصحاب المئين (^٥): أحد عشر. وفي أصحاب المئة (^٦): عشرين. وفي أصحاب العشرات (^٧): ثمانية وثمانين. وفي أصحاب التسعة عشر (^٨): اثنين. وفي أصحاب الثمانية عشر (^٩): ستة. وفي أصحاب السبعة عشر (^١٠): ثلاثة. وفي أصحاب الستة عشر (^١١): ثلاثة.
_________________
(١) وانظر: فتح المغيث (٤/ ١٠٢ - ١٠٣)، والباعث الحثيث (٢/ ٥٠٩ - ٥١٢).
(٢) كما في: الغاية للسخاوى (١/ ٣٨٥).
(٣) (ص/ ٣٧ - ٣٩).
(٤) (ص/ ٤٠ - ٤٢).
(٥) (ص/ ٤٢ - ٤٩).
(٦) (ص/ ٥٠ - ٦٣).
(٧) (ص/٦٤ - ١٢٤).
(٨) (ص/١٢٤ - ١٢٥).
(٩) (ص/١٢٦ - ١٣٠).
(١٠) (ص/ ١٣١ - ١٣٢).
(١١) (ص/ ١٣٣ - ١٣٤).
[ ١ / ٩٠ ]
وفي أصحاب الخمسة عشر (^١): أربعة. وفي أصحاب الأربعة عشر (^٢): تسعة. وفي أصحاب الثلاثة عشر (^٣): سبعة. وفي أصحاب الاثني عشر (^٤): ثمانية. وفي أصحاب الأحد عشر (^٥): تسعة. وفي أصحاب العشرة (^٦): أربعة عشر. وفي أصحاب التسعة (^٧): اثني عشر. وفي أصحاب الثمانية (^٨): عشرين. وفي أصحاب السبعة (^٩): ثمانية وعشرين. وفي أصحاب الستة (^١٠): ستة وعشرين. وفي أصحاب الخمسة (^١١): ثمانية وعشرين. وفي أصحاب الأربعة (^١٢): تسعة وأربعين. وفي أصحاب الثلاثة (^١٣): ثمانية وسبعين. وفي أصحاب الاثنين (^١٤): ثلاثة وعشرين ومئة. وفي أصحاب الواحد (^١٥): ثلاثة وستين وأربعمائة فهولاء: ثمانية عشر وألف صحابي.
_________________
(١) (ص/ ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) (ص/ ١٣٧ - ١٤٢).
(٣) (ص/ ١٤٢ - ١٤٦).
(٤) (ص/ ١٤٦ - ١٥٠).
(٥) (ص/ ١٥٠ - ١٥٥).
(٦) (ص/ ١٥٥ - ١٦٢).
(٧) (ص/ ١٦٣ - ١٦٩).
(٨) (ص/ ١٧٠ - ١٨٠).
(٩) (ص/ ١٨٠ - ١٩٥).
(١٠) (ص/ ١٩٦ - ٢٠٩).
(١١) (ص/ ٢٠٩ - ٢٢٣).
(١٢) (ص/ ٢٢٤ - ٢٥٠).
(١٣) (ص/ ٢٥١ - ٢٩٠).
(١٤) (ص/ ٢٩١ - ٣٤٩).
(١٥) (ص/ ٣٥٠) إلى آخر الكتاب.
[ ١ / ٩١ ]
قال الذهبي في التجريد (^١): (ولعل الرواة عنه نحو الألف وخمس مئة، لا يبلغون ألفين أبدًا) اهـ.