يقول الله - جل وعلا - (^١): ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وعن حميد بن زياد قال (^٢): قال يوما لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله - ﷺ - فيما كان بينهم؟ - وأردت الفتن -. فقال لي: (إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم، ومسيئهم). قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: (سبحان الله! ألا تقرأ قوله - تعالى -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى آخر الآية. فأوجب أن لجميع أصحاب النبي - ﵇ - الجنة، والرضوان ) اهـ، وتمام الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٣). قال أبو محمد اليمني (^٤) - معلقًا، وقد ذكر الآية -: (فذكر الله - ﷾ - أنه قد رضى عنهم، وأنه - ﷾ - يدخلهم الجنة، ولا يكون ذلك إلا من بعد غفرانه لمسيئهم ومحسنهم، وبعلمه السابق بما يكون منهم) اهـ.
_________________
(١) الآيتان: (٨٨ - ٨٩)، من سورة: التوبة.
(٢) كما في: تفسير الرازى (١٦/ ١٧١)، وروح المعاني (١١/ ٧ - ٨).
(٣) الآية: (١٠٠)، من سورة: التوبة.
(٤) عقائد الثلاث والسبعين فرقة (١/ ١٩٠ - ١٩١).
[ ١ / ٧٩ ]
قال الآجري (^١) - وقد ذكرهم -: (ووعدهم الجنة خالدين فيها أبدا. وأخبرنا أنه قد رضي عنهم، ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). وقال ابن حزم (^٢): (الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، قال الله - تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأن لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى، التي أثبتت لكل منهم الحسنى - وهى: الجنة -. فلا يتوهم أن التقييد بالإنفاق، والقتال فيها، وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف منهم بذلك؛ لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب، فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة، أو العزم) اهـ، وذكره عنه: السخاوي في فتح المغيث (^٣)، والسفاريني في لوامع الأنوار (^٤)، ولوائح الأنوار (^٥) وأقراه. وقال شيخ الإسلام (^٦):
_________________
(١) الشريعة (٤/ ١٦٣٣).
(٢) الإحكام (٥/ ٩٠ - ٩١)، وقال نحوه - أيضًا - في: الدرة (ص/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، والفصل (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣) (٤/ ٩٧).
(٤) (٢/ ٣٨٩).
(٥) (٢/ ١٠٣).
(٦) منهاج السنة (٦/ ٢٠٣).
[ ١ / ٨٠ ]
(نشهد لهم بالجنة) اهـ. وقال - مرة (^١)، وقد سئل عما شجر بين الصحابة، وبيّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة -: (وحينئذ فمن جزم في واحد من هولاء بأن له ذنبًا يدخل به النار قطعًا فهو كاذب مفتر. فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضة)؟ اهـ.
ولو تأمل الواحدُ ما ورد في الكتاب، والسنة من الشهادة لهم بالإيمان، والتصديق، والخيرية، والصلاح، والصدق، والنصرة، ورضى الله عنهم، والتوبة عليهم، والمغفرة لهم، ووعدهم سكنى الجنان لرأى أن ذلك حصل لجميع أصحاب رسول الله - ﷺ -، المتقدمين منهم والمتأخرين - دون استثناء -، وأنه قد وقع في أزمنة متعددة إلى أن قُبض النبي - ﷺ - ومما ورد في ذلك - على سبيل المثال لا الحصر -:
في أهل بدر قوله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد كفرت لكم) (^٢).
وفي غزوة الأحزابِ قوله - تعالى -: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ
_________________
(١) كما في: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣٢).
(٢) انظر: الأحاديث الواردة في فضائل البدريين، وأهل الحديبية، من هذا البحث.
[ ١ / ٨١ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (^١)، الآيات. وفي أهل الحديبية قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (^٢)، الآيات. وقوله - ﷺ -: (لن يَلج النار أحد شَهد بدرًا، والحديِبية) (^٣).
وفي من حضر غزوة حنين قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٤).
وفي من حضر غزوة تبوك قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥). وفيمن حبسه العذر حديث أنس - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: (إنَّ بِالمدِينةِ اقوامًا، ما سِرتمْ مسِيرًا، ولا قطعتُمْ وَاديًا
_________________
(١) الآيات: (٢٢ - ٢٥)، من سورة: الأحزاب.
(٢) الآيات: (١٨ - ٢٠)، من سورة: الفتح.
(٣) انظر: الأحاديث الواردة في فضائل أهل بدر، والحدبيية.
(٤) الآيات: (٢٥ - ٢٧)، من سورة: التوبة.
(٥) الآية: (١١٧)، من سورة: التوبة.
[ ١ / ٨٢ ]
إلَّا كانُوا معكُم)، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهمْ بالمدينة، حِبَسَهمْ العُذْر) (^١). وفي الثلاثة الذين خُلّفوا قوله - تعالى -: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢).
وفي المهاجرين، والأنصار قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٣). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤). وقولَه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).
_________________
(١) سيأتي برقم/ ٧٧٥.
(٢) الآية: (١١٨)، من سورة: التوبة.
(٣) الآية: (٧٢)، من سورة: الأنفال.
(٤) الآية: (٧٤ - ٧٥)، من سورة: الأنفال.
(٥) الآيات: (٨ - ١٠)، من سورة: الحشر.
[ ١ / ٨٣ ]
وفيهم، وفي الأولين، والآخِرين من سائر الأصِحاب قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^١).
وفي من أنفق من قبل الفتحِ وقاتل، أو أنفق من بعده وقاتل قوله - تعالى -: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٢)، الآيات.
وفي المجاهدين، والقاعدين، والمعذورين قولهِ - تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٣). وهَذَا شامل لجميعهم، وقد قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^٤)، أي: عن النار - أبعدنا الله عنها -.
وفيهم جميعًا - أيضًا - قوله - تعالى -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (^٥). وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ
_________________
(١) الآية: (١٠٠)، من سورة: التوبة.
(٢) الآية: (١٠)، من سورة: الحديد.
(٣) الآية: (٩٥)، من سورة: النساء.
(٤) الآية: (١٠١)، من سورة: الأنبياء.
(٥) الآية: (١٠٣)، من سورة: آل عمران.
[ ١ / ٨٤ ]
الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^١). وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (^٢). وقوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٣). وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤).
وقُبيل وفاة النبي - ﷺ - بثلاثة أشهر - تقريبًا - امتن الله عليه، وعلى أصحابه بإكمال الدين لهم، وإتمام النعمة عليهم، ورضائه لهم دين الإسلام في قوله - تعالى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٥).
_________________
(١) الآية: (١١٠)، من سورة: آل عمران - أيضا -.
(٢) الآيات: (٣٢ - ٣٥)، من سورة: فاطر.
(٣) الآية: (٨٨)، من سورة: التوبة.
(٤) الآية: (٢٩)، من سورة: الفتح.
(٥) من الآية: (٣)، من سورة: المائدة.
[ ١ / ٨٥ ]
وقد قال - ﷺ - فيما تواتر عنه: (خير الناس قرني) (^١). وقوله: (المرء مع من أحب) (^٢) وقد كانوا - ﵃ - من أصدق الأمة حبًا لرسولها - ﷺ -.
ومع ورود هذا كله - وغيره كثير جدًّا في الكتاب والسنة - من النصوص القطعيّة يأتي أُناس من شر أهل الأرض، ومن أشقى الخوالف، أصحاب عقول وقلوب توالف، فيردون ما ورد في الكتاب والسنة فيهم، ويطعنون عليهم، ويتنقصون أعمالهم، والله منتقم لنفسمه، ولرسوله، ولأصحاب رسوله منهم؛ إنه يمهل ولا يهمل، قال الله - جل ثناؤه - (^٣): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وأخرج ابن مردويه (^٤) عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلا نال من عثمان - ﵁ -، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾، الآية (^٥). قال: من هولاء أنت؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية (^٦). قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجوا أن
_________________
(١) انظر: ما ورد في أن خير الناس القرن الذي كان فيه النبي - ﷺ -، وأصحابه.
(٢) انظر: ما ورد في فضل من آمن برسول الله - ﷺ -، وصحبه.
(٣) الآية: (٥٧)، من سورة: الأحزاب.
(٤) كما في الدر المنثور (٨/ ١١٣ - ١١٤).
(٥) رقم: (٨)، من سورة: الحشر.
(٦) رقم: (١٠)، من السورة نفسها.
[ ١ / ٨٦ ]
أكون منهم. قال: لا، والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان لي قلبه الغل عليهم.