[ ١ / ٧ ]
الحمدُ لله يخلق ما يشاء ويختار اختيارا، خلق الإنسان وأوسعه جودًا وإكراما، وفضله على كثير من المخلوقات عدلا واقتدارا، قال جل من قائل تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (^١)، وفاضل بين بني آدم فجعلهم رتبا وأقدارا، قال جل من قائل عليما: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ (^٢)، وجعل رسله وأنبياءه أفضلهم درجة وارتقاء، وفاضل بينهم بحكمته انتخابًا وانتقاء، قال - ﵎ -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (^٣). وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، صلاةً وسلامًا تستمد الشمس ظاهر سناهما، ويستعير المسك عاطر شذاهما، أسمى الأنبياء درجة وأكثرهم أتباعا، وأفضلهم وأشرفهم أصحابا، هدى الله من تقدم من الأمة بخُبره، ومن تأخر بخَبره، ميمون النقيبة، مبارك الصحبة، عدّ الله - تعالى - أصحابه أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل استخلاصًا واصطفاء، قال - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٤)، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
_________________
(١) الآية: (٧٠)، من سورة: الإسراء.
(٢) الآية: (٢١)، من السورة المتقدمة نفسها.
(٣) من الآية: (٢٥٣)، من سورة: البقرة.
(٤) من الآية: (٣٢)، من سورة: فاطر.
[ ١ / ٩ ]
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^١)، وفاضل بحكمته بينهم منوهًا ومشيدا، فقال جل من قائل خبيرا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٢) أما بعد:
فيقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الهذلي - ﵁ - (^٣): (إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه) اهـ.
وقال - مرة - (^٤): (لا يقلدنّ أحدكم دينه رجلًا فإن آمن آمن، وإن كفر كفر. وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت؛ فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة) اهـ.
_________________
(١) من الآية: (١١٠)، من سورة: آل عمران.
(٢) من الآية: (١٠)، من سورة: الحديد.
(٣) هذا مختصر من أثر رواه جماعة، منهم: الإمام أحمد (٦/ ٨٤) ورقمه / ٣٦٠٠ عن أبى بكر عن عاصم عن زر بن حبيش عن ابن مسعود به وهذا إسناد حسن؛ فيه عاصم (وهو: ابن أبى النجود) حسن الحديث (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ٣٢٠ - ٣٢١، وتهذيب الكمال ١٣/ ٤٧٣ ت / ٣٠٠٢). وأبو بكر في الإسناد هو: ابن عياش.
(٤) رواه جماعة منهم: الطبراني في معجمه الكبير (٩/ ١٥٢) ورقمه/ ٨٧٦٤ - واللفظ له -، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٩٣) ورقمه/ ١٣٠ بسنديهما عن أبى الأحوص (واسمه: عوف بن مالك)، واللالكائي - مرة اخرى - (ورقمه/ ١٣١) بسنده =
[ ١ / ١٠ ]
وقال - مرة - (^١): (من كان مُستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تُؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد - ﷺ - كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ -، وإقامة دينه. فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) اهـ.
وقال ابن عباس - ﵄ - (^٢): (أصحاب محمد - ﷺ - كانوا على أحسن طريقة، وأقصد هداية. معدن العلم، وكنز الايمان، وجُند الرحمن) ا هـ.
_________________
(١) = عن مسروق، وابن حزم في الأحكام (٦/ ٢٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١١٦) بسنديهما عن عبدة بن أبى لبابة، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٧) ورقمه / ١٨١٠ بسنده عن قتادة، جميعًا عن ابن مسعود به. وهو صحيح عن ابن مسعود، ذكره الهيثمى في مجمع الزوائد (١/ ١٨٠) عن الطبراني، ثم قال: (ورجاله رجال الصحيح) اهـ.
(٢) ذكره عنه جماعة كثيرة من أهل العلم كالبغوى في تفسيره (٢/ ٥٠٤)، وشيخ الإسلام (كما في: مجموع الفتاوى ٣/ ١٢٦)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ١٥٩). ورواه: أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥) بسنده عن عمر بن نبهان عن الحسن عن ابن عمر به، بنحوه. وعمر بن نبهان ضعيف (انظر: المجروحين ٢/ ٩٠، وتهذيب الكمال ٢/ ٥١٥ ت / ٤٣١٣). والحسن هو: البصرى، لم يسمع ابن عمر (انظر: جامع التحصيل ص / ١٦٣). والأشبه أن نحوه من قول الحسن نفسه، رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٤٦) ورقمه / ١٨٠٧ بسنده عنه به.
(٣) ذكره عنه: البغوى في تفسيره (٢/ ٥٠٤).
[ ١ / ١١ ]
فهؤلاء الصحابة الكرام - ﵃ وأرضاهم - هم أعظم من حقق توحيد الله، والإيمان به، والجهاد في سبيله، والاصلاح في الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، قاموا بذلك علمًا، وعملًا، واعتقادًا، وهم الصفوة المختارة، وخير هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ -، وأعلمهم به وبدينه، وأجداهم وأنفعهم للدين، اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ -، فاقتدوا به، واهتدوا بهديه، واستنوا بسنته، وكان لهم من الإيمان واليقين ما لا يشركهم فيه أحد عقبهم (^١)، ومن الفضل والشرف ما لا يعدله شيء، ولا مطمع فيه لمن جاء بعدهم، (أجمعوا حميعًا على محبة الله - ﷿ -، ومحبة رسوله - ﷺ - وعلى المعاونة على نصرته، والسمع والطاعة له على العسر واليسر، والمنشط والمكره، لا تأخذهم في الله لومة لائم) (^٢)، رضيهم الله لنصرة نبيه - ﷺ -، وإقامة دينه، (فأعزوا دين الله - ﷿ -، وأذلوا أعداء الله - ﷿ -، وسنوا للمُسلِمين السنن الشريفة، وكانوا بركة على جميع الأمة) (^٣)، ووصفهم الله في كتابه بأبهج وصف، ونعتهم بأبهى نعت، فهم ليوث الشرى، وغيوث الندى، ومصابيح الدجى، وغيظ العدى، يبتغون فضلًا من الله ورضوانا، أدوا عن رسول الله - ﷺ - ما أدى إليهم، ومضوا على منهاجه، اتبعوا كتاب الله - ﷿ -، وسنة
_________________
(١) وانظر: منهاج السنة (٦/ ٢٢٣)، والاعتصام للشاطبي (٢/ ٢٥٢).
(٢) الشريعة للآجري (٤/ ١٦٣٣).
(٣) المصدر المتقدم (٤/ ١٦٣٧).
[ ١ / ١٢ ]
نبيه - ﷺ -، قوم سموا إلى المكارم والمفاخر، وارتقوا في ذرى المجد، ذووا آثار رفيعة، ومعالي سامقة، ومواضع نفيسة، وأعراض نقية، وفضائل شريفة (^١)، ومناقب جليلة في كتاب الله - ﷿ -، وفي سنة نبيه - ﷺ -، وفي أقوال بعضهم في بعض، وفي أقوال التابعن، ومن تبعهم بإحسان وهذه النصوص الدالة على فضائلهم العالية، ومناقبهم الشريفة دائمة لهم، ومستمرة في حقهم، ليست خاصة بوقت دون وقت، أو زمان دون زمان (^٢).
_________________
(١) والفضائل: جمع فضيلة، وهى الخصلة الجميلة إلى يحصل لصاحبها بسببها شرف، وعلو منزلة إما عند الحق، وإما عند الخلق. والثاني لا عبرة به إلا إن أوصل إلى الأول. عن القرطبي (كما في: الفتح ٧/ ٤١).
(٢) قالِ الله - تعالى - في سورة الفتح، الآية (١٨): ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقالَ في سَورَة التَوبة، الآية (١٠٠): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فهولاء الأصحاب أخبرنا الله - ﷿ - أنه علم ما في قلوبهم، وأنزل السكينة عليهم، ورضي عنهم، والرضى من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدا، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، ولا الشك فيهم البتة. وقد بين في آية التوبة أنه رضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان، ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان، وكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، لا يدخل النار لتعذيب، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه، وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء والمدح عليه، فلو علم أنه يتعقب ذلك ما يسخط الرب. لم يكن من أهل ذلك. وقد وعدهم سكنى الجنة، خالدين فيها أبدا ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [من الآية: (٢٠)، من سورة: الزمر]. ولقد خاب، وخسر من ردَ حكمَ ربه - ﷿ -، ووعده. - نظر: الفصل لابن حزم (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، والصارم المسلول =
[ ١ / ١٣ ]
وما ورد، وتقرّر لهم من هذه الفضائل العالية المنيفة، الدالة على وجوب محبتهم وإكرامهم، وتقديرهم وإجلالهم على لسان النبي - ﷺ - له أهميته الثمينة، ومكانته الجليلة، وقد اهتمّ به علماء السلف من وقت مبكر، وألّفوا فيه؛ فرواية فضائلهم، ونشرها من هديهم، وأمارة بارزة من أماراتهم، ومنارة نيّرة من أصول دينهم واعتقاداتهم. وهذه الأحاديث الواردة في فضائلهم كثيرة جدًّا، متفرقة في المصنفات الحديثية على اختلاف أنواعها، وأحجامها، والمطبوع منها، وغير المطبوع؛ ولذلك يصعب حصرها، ولم ينظم شملها كتاب لأحد من أهل العلم (^١)، ولم يحص عددها، ولم يعرف حدها.
_________________
(١) = لشيخ الإسلام (٣/ ١٠٦٧ - ١٠٦٩)، والرياض النضرة للمحب الطبرى (١/ ٦)، والفوائد لابن القيم (ص / ٣٥ - ٣٦).
(٢) قال شيخ الإسلام (كما في: مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٠) - وقد ذكر بعض الأحاديث في فضائل الصحابة -: ( وهذه الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن، والسنة) اهـ. وقال في منهاج النبوة (٨/ ٢٥١) - وقد ذكر فضائل الصحابة أيضًا -: (دلّت عليها تلك النصوص الكثيرة المتواترة)، وانظر: الوصية الكبرى له (ص / ١٠٢). وقال ابن القيم في الكبائر (ص / ٤٠٣): (وأما مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر) اهـ. وقال السخاوى في فتح المغيث (٤/ ١١٩) - وقد ذكر بعض المؤلفات في فضائل المحابة -: (والتأليف في هذا الباب لا انتهاء له) اهـ، يشير - في الأظهر - إلى كثرة الأحاديث في ذلك، وصعوبة حصرها في مؤلف واحد. وقال الأمام محمد بن عبد الوهاب في رسالته في الرد على الرافضة (ص / ٢٦ - ٢٧): (وقد تواتر عنه - ﷺ - ما يدل على وجوب تعظيمهم، وإكرامهم). وقال الشوكافي في قطر الولي =
[ ١ / ١٤ ]
وقد جمع بعض المتقدمين، والمتأخرين منها نزرًا يسيرًا، وغيضًا من فيض، مما وقعت لهم رواياته، أو وصل إليهم بأسانيده ومتونه، ولم يقصدوا الاستيعاب والاستقصاء، وقد أوردوا ذلك دون جمع ودراسة اختلاف ناقليه، والمختار في درجاته تبيينًا وتعليلًا، على وجه كافٍ، وشاف. ولم تخدم عند المتأخرين - فيما أرى - الخدمة الحديثية اللائقة بها، والمحتاجة إليها. ولم يتصد للمطبوع من كتب فضائل الصّحابة - فيما يبدو - أحد من المختصين في علم الحديث الشريف، ولم يُبيّن في الغالب من أحاديثها الثابت، وما لم يثبت، ولم تورد فيها الأحاديث ذوات المعاني المتعددة، أو الواحدة في فضائلهم على وجه العموم، أو على وجه الخصوص إيرادًا واحدًا. وهى جهود كلها مشكورة، وأحسب أنها أعمال مبرورة، قام بها جماعة من أهل العلم والمشتغلين به على حسب أغواضهم
_________________
(١) = (ص/ ٢٩٤) - وقد ذكر الصحابة، ﵃ -: (الذين لهم المزايا التي لا يحيط بها حصر، ولا يحصيها حدّ، ولا عدّ) اهـ. ويقول الشيخ حافظ حكمي في سلم الوصول: (وذكرهم لي سنة المختار قد سار سير الشمس في الأقطار)، وقال في شرحه (معارج القبول بشرح سلم الوصول ٣/ ١١٩٦ - ١٢٠٤): ("وذكرهم" بالمناقب الجمة، والفضائل الكثيرة "في سنة المختار" محمد - ﷺ - عمومًا، وخصوصًا، من الأحاديث الصحاح وَالحسان "قد سار" انتشر وأعلن "سير الشمس في الأقطار" تمثيلا لشهرة فضائلهم، ووضوحها، لا تحصيها الأسفار الكبار) اهـ. وقال المزى في تهذيب الكمال (١٥/ ٢٨٤) في ترجمة أبى بكر - ﵁ -: (ومناقبه، وفضائله كثيرة جدًا، مدوّنة في كتب العلماء) اهـ، وقال الإدريسى في إتحاف ذوي التشوّق (١/ ١٣٢) - وقد ذكر فضائل أبى بكر -: (قد جاء في فضله، ومناقبه ما لا يحصى).
[ ١ / ١٥ ]
ومقاصدهم، ورصفوا بها الطريق لمن جاء بعدهم، وسلك مسلكهم، والله المسؤول أن يجزيهم عن الأمّة خيرًا وأن يتقبل منهم أعمالهم.
ولمّا رأيت أنه لم ينظم شملها، ولم يجمع شتاتها، ولم يدرس أسانيدها ومتوفا دراسةً حديثية علمية أحدٌ من أهل العلم بالحديث عقدت عزمي، وأبرمت أمري، وصرفت عنايتي إلى التعمق في البحث عنها، والإمعان في الفحص والتفتيش في المظان وغيرها، والنظر في أسانيدها، ومتونها، ودراستها على وفق منهج علمى دقيق مطرد، وترتيبها ترتيبًا حسنًا، وتقسيمها تقسيمًا أصيلًا؛ وما ذلك إلا لإرادة حصرها - حسب الاستطاعة -، وليكون الكلام عليها سالمًا علميًا، ومطردًا منهجيًا، وأثرها ناميًا، وتمرتها ناضجة دانية، ومطلبها سلسًا، ويأخذها الطالب من كثب.
ولكن لكثرة هذه الأحاديث، وأعدادها الجمة ولتحديد مدد الرسائل العلمية الجامعية بأزمان وقتية ابتداء وانتهاء رأيت أن أقتصر على الأحاديث الواردة في هذا المعنى في المصنفات الحديثية المشهورة، التي عليها - في الغالب - مدار حديث رسول الله - ﷺ -، وأكثرها تداولًا، ونظرًا: الكتب التسعة، ومسندي أبي بكر البزار، وابي يعلى الموصلي، والمعاجم الثلاثة (الكبير، والأوسط، والصغير) لأبي القاسم الطبراني.
فطالعتها، وناظرتها، وأخذت ما فيها على وجه الاستيعاب، والاستقصاء، ودرستها، وخرجتها، ورتبتها على وفق خطة علمية، ومنهج مؤصل - سيأتي تفصيلهما إن شاء الله تعالى -، وأرجو أن أكون وصلت بهما إلى حد معقول، يصلح به العمل، غير متجاوز في ذلك، ولا مقصر.
[ ١ / ١٦ ]
وأسأل المولى - جل ثناؤه - أن يهيء لي أسباب التوفيق، وطرق الرشاد، وله الحمد، والمنة، هو صاحب العون، والفضل في الأول والآخر، بلغت نعمه، وآلاؤه، وأتت من وراء ما ترنوا إليه الأبصار، وتتطلع إليه الآمال.