أفضل الناس وأنبلهم، وأنبههم ذِكرًا، وأظهرهم فضلًا، وأبعدهم صيتًا وغاية في مراتب الدين، وشرف الدنيا عند الله - تعالى - بعد أنبيائه، ورسله: أصحابُ رسول الله - ﷺ -، اختارهم لصحبة نبيه، والاقتداء به، وضبط الشريعة، وحفظها، والصدق في تبليغها، والجهاد لإظهارها، ونشرها. نوّه بدرجاتهم الرفيعة، وأقدارهم الشريفة في القرآن، والتوراة، والإنجيل. وسبق لهم على لسان رسوله - ﷺ - من المزايا وَالرُّتب ما ليس لأحد بعدهم؛ لإخلاصهم، وقوة إيمانهم، ولسابقتهم الجليلة في الدين والهجرة، والجهاد والنصرة، والإبلاغ والمتابعة، وسلامة أحوالهم، وبراءتهم من المغامز، والمطاعن.
يقول ابن عبد البر (^١): (إنما وضع الله - ﷿ - أصحاب رسوله - ﷺ - بالموضع الذي وضعهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة، لتقوم الحجة على أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة، وسنة، فصلى الله عليه، ورضي عنهم أجمعين، فنعم العون كانوا له على الدين، في تبليغهم عنه إلى من بعدهم من المُسلِمين) اهـ (^٢). ويقول
_________________
(١) التمهيد (١/ ٧).
(٢) ومما يروى لعلي بن أبي طالب - ﵁ - من الشعر (كما في: الأمالي الخميسية ١/ ١٤٣): =
[ ١ / ٥٣ ]
ابن القيم (^١) - ﵀ -: (فلا ريب أنهم كانوا أبرّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا لما خصهم الله - تعالى - به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته .. وحسن القصد، وتقوى الرب - تعالى -) اهـ (^٢).
فمحبتهم، وتوقيرهم، ونشر مناقبهم، وبثّ محاسنهم، وإذاعة خصائصهم، وفضائلهم، وحميد سيرتهم، والتعريف بهم، وبحقوقهم، وما يجوز فيهم، وما لا يجوز، والحث على الاقتداء بهم دين، وإيمان، وعلامة من علامات أهل السنة والجماعة، المتمسكين بكتاب الله - ﷿ -، وسنة رسوله - ﷺ - على وفق فهم السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -.
_________________
(١) = الله أكرمنا بنصر نبيه وبنا أقام دعائم الإسلام وبنا أعز نبيه وكتابه وأعزه بالنصر والإقدام في كل معترك تطير سيوفنا فيها الجماجم عن فراخ الهام ينتابنا جبريل في أبياتنا بفرائض الإسلام والأحكام فنكون أول مستحل حلَّه ومحرم لله كل حرام نحن الخيار من البرية كلها وزمامها وزمام كل زمام
(٢) إعلام الموقعين (٤/ ١٤٨ - ١٤٩)، وله في إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) قصيدة لامية جيدة في وصف أحوال الصحابة - ﵃ -، والحض على اتباع سبيلهم. ونقلها عنه السلمان في: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص/ ٦٨٧).
(٣) وانظر: الاعتصام للشاطبي (٢/ ٢٦٣).
[ ١ / ٥٤ ]
ولذا اتجه كثير من أهل العلم المتقدمين، والمتأخرين إلى الكتابة عن الصحابة - ﵃ - فكتبوا فيهم المؤلفات الدائرة، والتصانيف السائرة، وسلكوا لذلك سبلا متعددة، وأنتجت جهودهم عددًا من الكتابات، أو المؤلفات، والمصنفات - الكبيرة، والصغيرة - في حدهم ومعرفتهم، وعدالتهم. وما تعرف به صحبتهم، وطبقاتهم، وما ورد في فضائلهم الفاخرة، ومراتبهم السّنِيّة، وأقوال بعضهم في بعض، والرد على من طعن فيهم، أو في بعضهم، أو أبغضهم وشتمهم، وغير ذلك من الجوانب البحثية المتعلقة بهم (^١).
ولذا سوف أكتفي بهذه الورقات تمهيدًا مختصرًا عن الصحابة - ﵃ -، ودراسة لبعض المسائل فيهم، أقدّم بها بين يدي ما ورد من فضائلهم على وجه الإجمال، أو التفصيل عن صاحبهم الذي اتبعوه، وحفظوه: النبي - ﷺ -، في كتب نطاق البحث، إذ إن تفصيلها ليس هذا مكانه، ومن أراد الاستزادة والبسط، فليعد إلى مصادر، ومراجع ما قيدت.
وبالله أستعين لما قصدت، ومنه العون، وإياه أسأل بلطفه ورأفته الإعانة والهداية والتوفيق والصون؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة والإسعاف جدير.
_________________
(١) وانظر: معجم ما ألف عن الصحابة وأمهات المؤمنين وآل البيت - ﵃ - لمحمد بن إبراهيم الشيباني. وانظر ما سيأتي من كتابتي في المؤلفات فيهم.
[ ١ / ٥٥ ]