للصحابي في اصطلاح علماء الشريعة تعريف، ومفهوم يختلف باختلاف تخصصهم، ومجال بحثهم، فله تعريف عند أصحاب الحديث، وآخر عند الفقهاء، والأصوليين. وقد يختلف أصحاب هذه العلوم فيما بينهم، وقد تختلف عباراتهم، والمعنى واحد، وجملة الأقوال في تعريف الصحابي عندهم تعود إلى سبعة، أذكر أشهرها، وأصحها (^٣).
فالمشهور عند جمهور المحدثين أنه: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة (^٤) وهذا
_________________
(١) (ص/١٠٠).
(٢) انظر: العدة في صول الفقه لأبي يعلى الفراء (٣/ ٩٨٨)، والمستصفى لأبي حامد الغزالي (ص/ ١٩٠)، وجامع الأصول لابن الأثير (١/ ٣٤)، والبحر المحيط (٤/ ٣٠٢)، وتيسير التحرير (٣/ ٦٦).
(٣) وانظر: تحقيق منيف الرتبة للعلائي (ص/ ٣٠ - ٣٥)، وَ(ص/ ٣٩، وما بعدها)، وتدريب الراوي (٢/ ٢٠٨ - ٢١٣).
(٤) ذكر هذا، ومعناه جماعة من أهل العلم في كتبهم، انظر - مثلا -: صحيح البخاري (٧/ ٥)، والعدة لأبي يعلى (٣/ ٩٨٧ - ٩٨٨)، والإحكام لابن حزم (٥/ ٨٦٥)، وعلوم الحديث لابن الصلاح (ص/ ٢٥١ - ٢٥٥)، ومسلم الثبوت لابن عبد الشكور (٢/ ١٥٨)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (٢/ ٤٩١ - ٤٩٧)، وتحقيق منيف الرتبة (ص/ ٣٠ - ٣٢)، والمنهل الروي (ص/ ١١١)، والتقييد (ص/ ٢٥١ - =
[ ١ / ٥٨ ]
شامل يدخل فيه الرجال، والنساء، الأحرار، والموالي، ومن صحبه قليلا، أو كثيرا، ومن رآه، ولم يجالسه، وغير ذلك، حتى من كان ضريرًا منهم (^١) قال السيوطي في ألفيته (^٢):
حدّ الصحابي مسلما لاقى الرسول وإن بلا رواية عنه وطول
وشرطه الموت على دين ولو تخلل الردة
والمشهور عند جمهور الفقهاء، والأصوليين أن تعريفه كتعريف جمهور المحدثين مع اشتراط كثرة اللقاء وطول الصحبة، على اختلاف بينهم في المدة المعتبرة قلة، وكثرة (^٣).
_________________
(١) = ٢٥٢)، والفتح لابن حجر (٧/ ٦ - ٧)، والإصابة (١/ ٧ - ٨)، والغاية شرح الهداية للسخاوي (١/ ٣٧٨ - ٣٨٠)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٢/ ٤٦٥)، ولوائح الأنوار للسفاريني (٢/ ٨٩)، وصحابة رسول الله - ﷺ - (ص/ ٦٢).
(٢) شرح التعريف، وذكر محترزاته جماعة، منهم: ابن حجر في الإصابة، والسخاوي في فتح المغيث (٤/ ٧٨ - ٨٩)، والكبيسي في صحابة رسول الله - ﷺ -، وتقدمت الحوالة إليه وإلى كتاب ابن حجر. وانظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٣)، والغاية للسخاوي (١/ ٣٧٩).
(٣) (ص/ ٢١٥)، والبيتان غير متتاليين. وانظر: شرح ألفية السيوطي للشيخ محمد الأثيوبي (٢/ ١٧٩ - ١٨٢).
(٤) ذكر جماعة من الفقهاء، والأصوليين تعريف الصحابي عندهم، انظر - مثلًا -: التعريفات للجرجاني (ص/ ١٧٣)، والمستصفى للغزالي (١/ ١٦٥)، وكشف الأسرار للبزدوي (٣/ ٣٨٤)، والبحر المحيط (٤/ ٣٠١)، والتحرير لابن همام الدين (٣/ ٦٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (ص/ ٦٥).
[ ١ / ٥٩ ]
والتعريف الأول هو الصحيح، المعول عليه (^١)، يؤيده المعني اللغوي - المتقدم -، وهو ما دل عليه معني الصاحب في القرآن، كقوله - تعالى - في النبي - ﷺ -: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (^٣). وصح عن النبي - ﷺ - قوله في عدة أحاديث: (طوبى لمن رآني)، وقوله: (لا تمس النار مسلمًا رآني) (^٤) وهذه الأدلة في أدلة أخرى كلها تدل على مطلق الصحبة، والرؤية، ليست واردة في مقدار خاص منها - والله أعلم -.
والتعريف الثاني للصحابي تعريف مرجوح، اعتمد أصحابه على الاستعمال، والمعنى العرفي للصاحب - فيما يظهر - (^٥)، والله تعالى أعلم.
قال الإمام أحمد - ﵀ - في عقيدته (^٦): (كل من صحبه - سنة، أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه). ويقول شيخ الإسلام ابن تيميه (^٧): (والصحبة اسم جنس،
_________________
(١) انظر: قولي الإمام أحمد، والبخاري - رحمهما الله - في الكفاية للخطيب (ص/ ٩٩)، وانظر: صحابة رسول الله - ﷺ - (ص ٧١ - ٧٧).
(٢) من الآية: (٤٦)، من سورة: سبأ.
(٣) الآية: الثانية، من سورة: التكوير.
(٤) انظر الأحاديث ذوات الأرقام/ ٤٥ - ٥٤.
(٥) وانظر: التقييد (ص/ ٢٥٦)، ومسلم الثبوت (٢/ ١٥٨)، والبحر المحيط (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، ومحاضرات في علوم الحديث للتازي (١/ ١٣١).
(٦) كما في: شرح أصول الاعتقاد (١/ ١٦٠).
(٧) كما في: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٦٤).
[ ١ / ٦٠ ]
تقع على من صحب النبي - ﷺ - قليلًا، أو كثرًا، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك ) اهـ، ثم استدل بحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه (^١): (يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب النبي - ﷺ -)؟ وفي بعض ألفاظه الصحيحة: (هل فيكم من رأى رسول الله - ﷺ -)، ثم قال: (فقد علّق النبي - ﷺ - الحكم بصحبته، وعلق برؤيته، وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به) ا هـ. وقال - مرة - (^٢): (والنبي - ﷺ - لم يقيد الصحبة بقيد، ولا قدرها بقدر، بل علق الحكم بمطلقها، ولا مطلق لها إلا الرؤية )، إلى أن قال: (ولا ريب أن مجرد رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يقال قد صحبه، ولكن إذا رآه على وجه الاتباع له، والاقتداء به دون غيره، والاختصاص به. ولهذا لم يُعتد برؤية من رأى النبي - ﷺ - من الكفار والمنافقين ) ا هـ.
واختلف العلماء: هل الخلاف في تعريف الصحابي خلاف لفظي لا أثر له، أم أنه معنوي، له أثر وثمرة؟ على قولين، الصحيح منهما: أنه معنوي، له أثر في الرواية، وإثبات فضل الصحبة والعدالة، وغير ذلك (^٣).
* * *
_________________
(١) سيأتي برقم/ ٣٢.
(٢) منهاج السنة (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٣) انظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٩٢)، والتحرير (٣/ ٦٧)، وتيسيره (٣/ ٦٧).
[ ١ / ٦١ ]