عاصر أبو العباس الداني ﵀ قيامَ عدّة دوَلٍ، فبعد انهيار الدولة الأموية وانتهاء حكمها في الأندلس سنة (٤٢٢ هـ) قامت عدّةُ دولٍ وطوائف يمثِّل كلَّ طائفة منها رئيسٌ أو ملكٌ، استقلَّ كلُّ واحد منهم بناحيةٍ مِن نواحي الأندلس، واستبدّ كلُّ رئيس منهم بتدبير ما تغلَّب عليه من الجهات.
وكانت هذه الدول الصغيرة متخاصمةً متنابذةً فيما بينها، لا تربطها صلةٌ ولا تجمع مصلحتها كلمةٌ، عُرفت بدول الطوائف، ويُعرف رؤساؤها بملوك الطوائف، وتَسمَّى كلُّ واحد منهم بألقاب مختلفة كالمقتدر والمعتمد وغير ذلك.
وأبلغُ وصفٍ لحال الأندلس في عهد ملوك الطوائف ما قاله أبو الحسن بن رشيق القيرواني:
ممّا يزهِّدني في أرض أندلس … تلقيبُ معتضد فيها ومعتمد
ألقابُ مملكة في غيرِ موضعِها … كالهرِّ يحكي انتفاخًا صَولة الأسَد (^١)
وقال ابن حزم الأندلسي: "فضيحةٌ لم يقع في العالم إلى اليوم مثلُها، أربعةُ رجالٍ في مسافة ثلاثة أيَّام في مثلها كلُّهم يَتسمَّى بأمير المؤمنين، ويُخطب لهم بها في زمن واحد … " (^٢).
_________________
(١) نفح الطيب (١/ ٢١٤).
(٢) رسائل ابن حزم (٢/ ٩٧).
[ ١ / ٣١ ]
وكان لاختلاف عناصر المجتمع الأندلسي وتعدُّد طوائفه مِن عرَب وبرْبَرٍ وصقالبة أثره في اختلاف أجناس القيادات السياسية بين الممالك، فكان في القيادة أربعُ فئات: العربُ، والبربرُ، والفتيانُ العامريون، وموالي الأمويين.
وكان على مدينة دانية في أوَّل هذه الفتنة الفتيانُ العامريون بزعامة مجاهد العامري، خرج إلى دانية وضبطها وجميع أعمالها وتَسمَّى بالموفّق بالله، وأخذ كذلك الجزائر الثلاث (ميورقة ومنورقة ويابسة)، وغزا غيرها من بلاد الروم كسردانية.
وكان من أهل العفاف والخير وامتاز على ملوك الطوائف بالأنباء البديعة كالعلم والمعرفة والأدب والشجاعة وحُسن السياسة، فكانت مملكتُه أبعدَ مملكةٍ مِن الحروب الأهلية القائمة بين دول الطوائف، وذلك لموقعها المنعزل الحصين، وكانت رياستُه تمتدُّ عبر البحر، فغلبت على المدينة صفتُها البحرية على الصفة البرية، وكان لمجاهد أعظمُ أسطولٍ بحريٍّ في الأندلس (^١).
وقصده العلماء والفقهاء من الشرق والغرب وألّفوا له التواليف المفيدة في سائر العلوم، وكان محبًّا لعلوم القرآن حتى صار أهل دانية أقرأَ أهلِ الأندلس (^٢).
ثمَّ ولي مِن بعده ابنُه بعد وفاة أبيه سنة (٤٣٦ هـ) عليُّ بن مجاهد إقبال الدولة، وكان على سيرة أبيه، صيِّنًا عفيفًا مؤثرًا للعلوم الشرعية (^٣).
_________________
(١) انظر: البيان المغرب (٢/ ١٥٦)، ودول الطوائف (ص: ١٨٨ - ١٩٠).
(٢) انظر: البيان المغرب (٢/ ١٥٦)، معجم البلدان (٢/ ٤٣٤).
(٣) المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: ١٢٧).
[ ١ / ٣٢ ]
ثم غزاه أحدُ بني هود وهو أحمدُ بن سليمان بن هود المقتدر بالله صاحبُ سرَقسطة، واستولى على مدينته دانية، وضيَّق عليه، ثمَّ بادر عليُّ بن مجاهد فأسلمه مُلكَه، ونزل له عن قصره فأمر أحمدُ بن سليمان برفع القتال عنه، وخرج عليُّ بن مجاهد مِن دانية سنة (٤٦٨ هـ) إلى سرقُسطة، وأقطع له أحمد بن سليمان فيها إقطاعًا لمؤنة عيشه.
وفي أواخر دولة علي بن مجاهد وُلد المصنِّف سنة (٤٦٧ هـ) كما سيأتي.
فبايع أهلُ دانية ومَن حولها أحمدَ بن هود، فأقام بها مدّةً ينظر في أمرها.
وكان في أيَّام ابن هود وقائع بينه وبين الروم، واتفقت على يديه فتوحاتٌ عظيمة، ثمَّ لم يزل ابنُ هود يَضعُفُ والرومُ يتقوّون عليه، وفي آخر أيّامه أصابته علّةٌ في جسمه أذهبت حسَّه وعقلَه إلا أن توفي سنة (٤٧٥ هـ) (^١).
ثمَّ تولّى مِن بعده ابنُه المنذرُ بن هود.
ولم تزل هذه الدولُ قائمةً بالأندلس وحالُها يضعف وثغورُها تختلُّ ومُجاورُوها مِن الروم تشتدُّ أطماعُهم ويقوى تشوُّفُهم، حتى بدأت بعض دوَلهم تتساقطُ في أيدي النَّصارى.
وفي سنة (٤٧٩ هـ) جاز المعتمدُ على الله أحد ملوك الطوائف البحرَ قاصدًا مدينةَ مرَّاكش بالمغرب إلا يوسفَ بن تاشفين أمير المسلمين
_________________
(١) انظر: البيان المغرب (٣/ ٢٢٨، ٢٢٩).
[ ١ / ٣٣ ]
مستنصرًا به على الروم، فأسرع أميرُ المسلمين إجابته إلى ما دعاه، فأخذ في أُهبة العبور إلى جزيرة الأندلس، فعبر البحرَ بعسكرٍ ضخمٍ، وتوجّه نحو شرق الأندلس مجاهدًا العدوَّ، ولقي في طريقه ملوكَ الأندلس، فاجتمع له مِن جيشه وما انتدب من النَّاس عشرون ألفَ مقاتل، واجتمع النَّصارى في عدد كبير بقيادة الأدفنش، ووقعت بينهم وقعةُ الزلَّاقة المشهورة التي انتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزَّرًا، أعزَّ الله فيه دينَه وأعلى كلمتَه، وقطع طمعَ الروم عن الجزيرة الخضراء، ثمَّ رجع يوسف بن تاشفين إلى قاعدة ملكه مرَّاكش، وتركَ جندًا من جنوده على الثغور مرابطين في سبيل الله.
وفي سنة (٤٨٦ هـ) استولى الطاغية لذريق النصراني على بلنسية، واشتدّ حالُ أهلها، وعظم أمرُهم وبلاؤُهم، فاستصرخوا بأمير المسلمين ابن تاشفين مرةً أخرى، فجدَّ في أمرهم وأمر قوَّادَه وعمَّالَه على بلاد الأندلس بنصرهم.
وفي سنة (٤٨٧ هـ) تغلّب العدوُّ على بلنسية، واشتدَّ جزعُ المسلمين بدانية، وحميت بها الفتنةُ، واشتدّت المحنُ، وغلت الأسعار، وانتشر الوباء والأمراض، فخاطب الناسُ أميرَ المسلمين مستصرخين معلمين بفساد الشرق وإشراف الأمَّة على الهلاك، فتحرّك أمير المسلمين وجنَّد الأجناد، ففتح الله بلاد بلنسية على يد المرابطين بعد حين.
ثمَّ بعدها بدأ ابن تاشفين يوجّه أمراءَه وقوَّادَه إلى أنحاء الأندلس، فأخذ بعضَ الجهات، ثمَّ استولى على المدن العظيمة كإشبيلية وغيرها، ثمَّ لم يزل يطوي تلك الممالك مملكةً مملكةً حتى دانت له جميع الأندلس، فأظهر النِّكايةَ بالعدوَ والدِّفاعَ عن أهل الأندلس، فأحبَّه أهل الأندلس، واشتدَّ خوفُ الروم منه، وتَسمَّى هو وأصحابه بالمرابطين.
[ ١ / ٣٤ ]
وتوفي أميرُ المسلمين سنة (٥٠٠ هـ)، ثمَّ تولى بعده ابنه عليُّ بن يوسف بن تاشفين، وكان زاهدًا متبتِّلًا، يؤثر أهلَ الفقه والدين، ولا يبتُّ في صغير ولا كبير من أمر الدولة إلَّا بمحضر أربعةٍ مِن الفقهاء، وكانت في وقته وقعاتٌ بين المسلمين والروم.
وفي سنة (٥٢٠ هـ) بدأت تتواتر أخبارُ ابن تومرت المدعي بالمهدي في المغرب وتَسمَّى هو وأصحابُه بالموحِّدين، وصارت بينه وبين علي بن تاشفين حروبٌ عدّة، ومحاصرةٌ لمرَّاكش، وكان على إمرة الأندلس ابنه تاشفين بن علي، عُرف بالجهاد والنكاية بالعدو، إلى أن استدعاه أبوه إلى مرَّاكش.
وبعد سنة (٥٣٠ هـ) بدأ تاشفين في قتال الموحدِّين، ثمَّ توفي أبوه علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين سنة (٥٣٧ هـ).
فهذه معظم الأحداث السياسية التي عاصرها المصنِّف في بلاد الأندلس والمغرب، -إذ كانت له رحلةٌ إلى المغرب كما سيأتي-، وتوفي سنة (٥٣٢ هـ) في عهد المرابطين، ومجمل ذلك أنَّه عاصر عهد ملوك الطوائف.
- علي بن مجاهد العامري (٤٣٦ هـ- ٤٦٨ هـ).
- أحمد بن سليمان بن هود المقتدر (٤٦٨ هـ - ٤٧٤ هـ).
- المنذر بن هود (٤٧٤ هـ - ٤٨٣ هـ).
ثم دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين، ومن بعده ولده علي بن يوسف بن تاشفين (^١).
_________________
(١) انظر تاريخ دول الطوائف والمرابطين في: المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (٤/ ٣١ - ٩٦)، المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص: ١٤٧ - ٢٤١)، دول الطوائف (ص: ٣١٤ - ٣٧٣)، الحلل السندسية (٣/ ٣٧ - ٦٠).
[ ١ / ٣٥ ]