وهي الرواية التي اعتمدها المصنف في كتابه هذا، وذكر أسانيده إليها
_________________
(١) من الدراسات المعاصرة ليحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ: دراسة قام بها الطالب محمد بن حسن شُرحبيلي قدّمها رسالة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية بجامعة القرويين بالمغرب، بعنوان: يحيى بن يحيى الليثي وروايته للموطأ، ونوقشت الرسالة سنة (١٩٧٨ م) أي قبل عشرين سنة، وطُبعت سنة (١٤١٦ هـ) (١٩٩٥ م). وقدّم لها بمقدمة ثم ذكر الباب الأول في ترجمة يحيى بن يحيى، وقسّمه عدة فصول، ثم الباب الثاني وهو الخاص برواية يحيى بن يحيى، وقسّمه عدة فصول أيضًا، الأول في ترجمة الإمام مالك، والثاني في الموازنة بين رواية يحيى الليثي، وثلاث روايات أخر، والثالث في أسانيد رواية يحيى وخصائصها وأسباب انتشارها في الغرب والمشرق، والفصل الرابع في المآخذ على رواية يحيى الليثي، ثم خاتمة. ولا شك أنَّه تناول موضوعات مهمة في رسالته، إلا أنني عند قراءتها تبيّن لي شدة القصور في المعلومات، والاكتفاء بالنقل عمّن تقدّم وتأخّر، وعدم الرجوع إلى المصادر الأصلية في البحث خاصة رواية يحيى، إذ اعتمد على ما في تنوير الحوالك للسيوطي، وكذا على طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (وسيأتي بيان رداءتها، وأنها غُيّرت عما كانت عليه رواية يحيى)، مع أنَّه ذكر في المقدمة نسخة نفيسة من رواية يحيى برواية عبيد الله عنه، نسخت سنة (٧٢٦ هـ)، وكذا عند ذكره للمآخذ اكتفى بالعزو إلى ابن عبد البر في التمهيد، أو السيوطي، واعتمد أصالة على ما كتبه محمد بن حارث الخشني في كتابه القيم أخبار الفقهاء والمحدّثين، حيث ذكر فصلا كاملا في الأخطاء التي وقع فيها يحيى بن يحيى، وتبعه الباحث في كل ما قال، وبعض تلك الأخطاء ليست من يحيى، فهي إما من مالك، أو من دونه، وبعضها مما توبع عليها يحيى، ولم يدرس الباحث تلك العلل دراسة مستوفية تؤدي إلى نتائج جيدة، وأهم من ذلك كلّه لم يبيّن ما هي الفروقات بين رواية عبيد الله عن أبيه يحيى، وبين رواية محمد بن وضاح، عن يحيى، وهي مسألة اعتنى بها شرّاح الموطأ، وسيأتي تفصيل الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٨٤ ]
في مقدمة الكتاب، وقال: "وأَبْنِيه على رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي القرطبي عنه، أقدّم ما رواه ممّا انفرد به أو شورك فيه، ثم أُتبع ذلك ما شذّ من سائر الروايات الواصلة إلينا" (^١).
• التعريف بصاحب الرواية:
هو الإمام يحيى بن يحيى بن كثير بن وَسْلاس، وقيل: وَسْلاسن بن شَمْلَل بن مَنْقايا المصمودي القرطبي أبو محمّد الليثي، أصله من البربر تولى بني ليث فنُسب إليهم، صاحب الرواية المشهورة عن مالك، ولد سنة (١٥٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٣ هـ)، وقيل: (٢٣٤ هـ).
تقييد بعض الأسماء الواردة:
وَسْلاس: بالواو مفتوحة، والسين الغفل ساكنة، ولام ألف، وآخره سين غُفل.
وشَمْلَل: بالضين معجمة مفتوحة، وميم ساكنة، ولامين أولهما مفتوح.
ومَنْقَايا: بميم مفتوحة، ونون ساكنة، وقاف معقودة، وألف بعده ياء مسفولة وألف (^٢).
_________________
(١) انظر: (ص: ٣ - قسم التحقيق).
(٢) انظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٨٨) ترجة: أحمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن يحيى بن كثير. وفي وفيات الأعيان (٢٨٧/ ٢) "وِسلاس: بكسر الواو وسينين مهملتين، الأولى منهما ساكنة، وبينهما لام ألف، ويزاد فيه نون فيقال: وسلاسن، ومعناه بالبربرية: سبقهم. وشَمّال: بفتح الشين العجمة، وتشديد الميم، وبعد الألف لام. ومنغايا: بفتح الميم، وسكون النون، وفتح الغين العجمة، وبعد الألف ياء معجمة باثنتين من تحتها، وبعدها ألف مقصورة، ومعناه عندهم: قاتل.".
[ ١ / ١٨٥ ]
• ثناء العلماء عليه:
قال ابن الفرضي: "قدم الأندلسَ بعلم كثير، فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه وقوله".
وقال أيضًا: "كالت إمامَ وقته، واحدَ بلده، وكان رجلًا عاقلًا" (^١).
وقال أحمد بن خالد: "لم يُعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر ما أُعطيه يحيى بن يحيى، وسمع منه مشايخ الأندلس في وقته" (^٢).
وقال أيضًا: "كان يحيى ﵀ من العقلاء … وكان عالمًا فاضلًا" (^٣).
وقال محمد بن عمر بن لبابة: "عاقلُ الأندلس من العلماء يحيى بن يحيى، وفقيهُها عيسى بن دينار، وعالمُها عبد الملك بن حبيب" (^٤).
وقال ابن عبد البر: "كان إمامَ أهل بلده، والمُقتدَى به فيهم، والمنظورَ إليه والمُعوَّلَ عليه، وكالت ثقةً عاقلًا، حسنَ الهَدي والسَّمت، كان يُشبَّه في سَمْتِه بسَمت مالك بن أنس ﵀، ولم يكن له بصرٌ بالحديث" (^٥).
وقال الحميدي: "إليه انتهت الرياسةُ بالفقه بالأندلس، وبه انتشر مذهبُ مالك هناك" (^٦).
_________________
(١) تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦، ١٧٧).
(٢) تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦، ١٧٧).
(٣) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٥٨).
(٤) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٥٨).
(٥) الانتقاء (ص: ١٠٩).
(٦) جذوة المقتبس (ص: ٣٦٠).
[ ١ / ١٨٦ ]
وقال الخليلي: "ثقة" (^١).
وأخبار يحيى كثيرة، وذكر جملةً منها محمد بن حارث الخشني في كتابه أخبار الفقهاء والمحدّثين، ثم قال في آخر ترجمته: "وأخبارُ يحيى بن يحيى كثيرة غزيرةٌ، لو ذهبتُ إلى تقصِّيها واستيعابها لطال بها الكتاب طولًا يخرج عن حَدِّ ما بُني عليه من معرفة العلماء" (^٢).
• سماعه للموطأ:
طلب يحيى بن يحيى الليثي العلمَ بالأندلس عند زياد بن عبد الرحمن شبطون، راوية مالك بن أنس، ثم رحل إلى المشرق وهو ابن ثمان وعشرين سنة، فسمع من مالك بن أنس الموطأ، غير أبواب من كتاب الاعتكاف، شك في سماعها فأثبت روايتَه فيها من زياد بن عبد الرحمن شبطون.
ثم التقى يحيى بعبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، فسمع منه المسائل التي دوّنها ابن القاسم عن مالك، فنشط يحيى للرجوع إلى مالك ليسمع منه تلك المسائل، فرحل إليه رحلة ثانية، فألفى مالكًا عليلًا، فأقام عنده إلى أن توفي ﵀، وحضر جنازته (^٣).
وقال القاضي عياض: "كان لقاؤه لمالك سنة تسع وسبعين (أي ومائة)، السنة التي مات فيها مالك" (^٤).
_________________
(١) الإرشاد (١/ ٢٦٥).
(٢) أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ٣٦٧).
(٣) انظر: أخبار الفقهاء والمحدّثين للخشني (ص: ٣٥٩، ٣٦٥)، تاريخ العلماء (٢/ ١٧٦)، الانتقاء (ص: ١٠٦).
(٤) ترتيب المدارك (٣/ ٣٨٠).
[ ١ / ١٨٧ ]
وعليه يكون يحيى بن يحيى سمع من مالك في أواخر حياته ﵀، وقد كتب الله لروايته القبول، وعكف عليها العلماء شرحًا لمعانيها وفقهها، وتعريفًا برجالها وأسانيدها، وغير ذلك مما صُنِّف حول الموطأ، وعوَّل عليها كثير من علماء السلمين في دراستهم لموطأ مالك، خاصة المغاربة منهم، كابن عبد البر والباجي وابن الحذاء وابن العربي، وغيرهم، فصارت روايته أشهر الروايات، وأصبحت في وقتنا المعتمدة عند الإطلاق.
وكان ليحيى بن يحيى في روايته فوت أبواب من كتاب الاعتكاف، وهذا هو الشهور، وذكر ابن ناصر الدين عن هبة الله بن الأكفاني أنه ذكر في كتابه تسمية رواة الموطأ عن مالك أنَّه بقي عليه كتاب أو كتابان.
قال ابن ناصر الدين: "وذكر غير ابن الأكفاني أن يحيى الليثي شك في أيوب (كذا، والصواب: أبواب) من كتاب الاعتكاف، وهي خروج المعتكف إلى العيد، وباب: قضاء الاعتكاف، وباب: النكاح في الاعتكاف، هل سمع ذلك من مالك أم لا؟ فأخذه عن زياد بن عبد الرحمن شبطون عن مالك" (^١).
_________________
(١) انظر: إتحاف السالك (ص: ١٣٧). وقال أحمد بن خالد المعروف بابن الجباب: "وقع في باب من تلك الأبواب غلط من إسناد حديث رواه يحيى بن يحيى عن زياد بن عبد الرحمن عن مالك بن أنس عن الزهري، ورواه أصحاب مالك كلهم عن يحيى بن سعيد عن عمرة. قال أحمد: فأردت أن أتثبّت وأعرف إن كان الغلط من زياد بن عبد الرحمن أو من يحيى بن يحيى، فسألت بعض آل زياد فأخرج إليَّ الكتاب الدي رواه زياد عن مالك، فوجدت الورقة التي فيها تلك الأبواب قد نُزعت من كتاب زياد، فتأوّلتُ أن زيادًا فعل ذلك إعظامًا ليحيى بن يحيى لئلا يشركه أحد في روايته عنه". أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ٣٤٨، ٣٤٩).
[ ١ / ١٨٨ ]
• منزلته في الرواية عن مالك:
تقدّم قول ابن عبد البر ﵀: "ولم يكن له بصر بالحديث".
قال الذهبي: "نعم، ما كان من فرسان هذا الشأن، بل كان متوسِّطًا فيه ﵀" (^١).
قلت: فلذا أُخذ عليه في روايته للموطأ أوهام نبّه عليها كثيرٌ من العلماء كابن عبد البر، وابن الحذاء، وأبي العباس الداني، وغيرهم.
وقال محمد بن حارت الخشني: "وذكر بعضُ الناس أنّه كان ليحيى بن يحيى في موطأ مالك بن أنس ﵀، وفي غيره تصحيف، فأما إبراهيم بن محمد بن باز (^٢) فكان يُكثر على يحيى في ذلك ويقول: غلط يحيى في الموطأ في نحو من ثلاثمائة موضع، فذُكر ذلك لأحمد بن خالد فقال: لا ولا، هذا كلّه الذي صح من ذلك نحو ثلاثين موضعًا.
قال محمد (أي الخشني): قال لي يعلى بن سعيد: حصَّل محمد بن وضاح ذلك الغلط كله فأصاب ستة وثلاثين موضعًا.
قال محمد: وقرأت تلك المواضع كلها في كتاب محمد بن عبد الملك بن أيمن، وإنَّما هي في الإسناد ليس في متون الأحاديث". اهـ.
ثم ذكرها محمد بن حارث الخشني حديثًا حديثًا، وتكلَّم على غلط يحيى ووهمه، وبعضها مما توبع عليه يحيى، وسيأتي ذكر بعضها في هذا الكتاب (^٣).
_________________
(١) السير (١٠/ ٥٢٣).
(٢) هو أحد رواة الموطأ عن يحيى بن يحيى عن مالك، كما سيأتي.
(٣) انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٣٤٩ - ٣٥٨)، وقد جمعتها في جزء مفرد، يسَّر الله إخراجه.
[ ١ / ١٨٩ ]
وبالرغم من تلك الأوهام كان يحيى الليثي من أحسن أصحاب مالك نقلا لموطئه، قال ابن عبد البر: "ولعمري لقد حصلت نقله عن مالك، وألفيته من أحسن أصحابه نقلًا، ومن أشدّهم تخلّصًا في المواضع التي اختلف فيها رواة الموطأ، إلا أنَّ له وهمًا وتصحيفًا في مواضع فيها سماجة" (^١).
وقال أيضًا: "وأُخذ عليه في روايته في الموطأ، وحديث الليث أوهام نُقلت، وكُلّم فيها فلم يغيّر ما في كتابه، واتَبعه الرواة عنه، وقد عرفها الناس، وبيّنوا صوابها، وأما ابن وضاح فإنَّه أصلحها ورواها الناس عنه على الإصلاح" (^٢).
هذه مكانة يحيى الليثي في الرواية عن مالك، فروايته رواية متقنة إلا في مواضع يسيرة - إن شاء الله - سيأتي التنبيه عليها في ثنايا هذا الكتاب (^٣).
• الرواة عن يحيى بن يحيى الليثي:
أخذ الموطأ عن يحيى بن يحيى الليثي أكثر من واحد، واشتهرت رواية رجلين، وهما ابنه عبيد الله، وكان آخر من أخذ عن يحيى الليثي، والثاني محمد بن وضاح، وروى عن يحيى غيرهما (^٤)، إلَّا أنَّ روايتهما أشهر
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٠٢).
(٢) ترتيب المدارك (٣/ ٣٨١)
(٣) وقد تقدَّم ذكر بعض أوهامه ومواضعها (١/ ١٣٦ - ١٣٨).
(٤) وممّن روى أيضًا عن يحيى بن يحيى: إبراهيم بن محمد بن باز يُعرف بابن القزاز، أبو إسحاق القرطبي، توفي سنة (٢٧٤ هـ)، كان فقيها عالمًا زاهدًا ورعًا. انظر: تاريخ العلماء (١/ ١٨)، وروايته للموطأ في فهرست ابن خير (ص: ٧٧، ٧٩، ٨٠).
[ ١ / ١٩٠ ]
وعليهما عوَّل كلُّ من سمع الموطأ من بعدهما (^١).
فأمَّا عبيد الله:
فهو مُسنِد قرطبة عبيد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير أبو مروان الليثي مولاهم الأندلسي، ولد سنة (٢١٠ هـ)، وقيل: (٢١٧ هـ)، وتوفي ﵀ في رمضان سنة (٢٩٩ هـ)، وقيل (٢٩٨ هـ).
قال محمد بن حارث الخشني: "كان عاقلًا وقورًا، وافرَ الحرمة، عظيمَ الجاه، بعيدَ الاسم، تامَّ المروءة، عزيزَ النفس، عزيزَ المعروف، نهَّاضًا بالأثقال، مشَاوَرًا في الأحكام" (^٢).
وقال ابن الفرضي: "روى عن أبيه علمًا كثيرًا، ولم يسمع بالأندلس من غيره … وكان رجلًا عاقلًا كريمًا، عظيمَ المال والجاه، مقدَّمًا في المشاورة في الأحكام، مقدَّمًا برئاسة البلد غير مدافَع" (^٣).
وكان عبيد الله يروي عن أبيه الموطأ لفظًا، لا يغيّر شيئا من حروفه،
_________________
(١) انظر: الأسانيد المتصلة بعبيد الله ومحمد بن وضاح عن يحيى بن يحيى الليثي في: - التمهيد (١/ ١١). - الفهرست لابن خير (ص: ٧٧ - ٨٣). - مقدّمة المصنف (٢/ ٩). - فهرس ابن عطية (ص: ٦٣ - ٦٤)، (ص: ٧٨ - ٨٠)، (ص: ٩١، ٩٧، ١٠٧، ١٠٩، ١٣٠). - الغنية للقاضي عياض (ص: ٢٩ - ٣٢) (ص: ١٠٦). - صلة الخلف (ص: ٣٣ - ٣٥).
(٢) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ٢٢٩).
(٣) تاريخ العلماء بالأندلس (١/ ٢٩٢)، وانظر: جذوة المقتبس (ص: ٢٥٠)، السير (١٣/ ٥٣١).
[ ١ / ١٩١ ]
وبهذا امتازت روايته على رواية ابن وضاح.
وأما ابن وضاح:
فهو محمّد بن وضّاح بن بزيع - بالباء الموحدة والزاي ثم ياء فعين مهملة - مولى الإمام عبد الرحمن بن معاوية، القرطبي أبو عبد الله.
ووقع عند ابن الفرضي بزيغ بالغين المعجمة وهو تصحيف.
قال محمد بن حارث الخشني: "قال لي أحمد بن عبادة: كان ابن وضاح منتجبًا (كذا بالجيم، ولعله منتخِبًا) للرجال لا يأخذ شيئًا من روايته إلا عن الثقة، وأدخل الأندلس علمًا عظيمًا، وسمع منه من أهلها بشَرٌ كثير.
قال محمد: كان ابنُ وضاح شيخَ الأندلس" (^١).
قال ابن الفرضي: "كان عالمًا بالحديث، بصيرً بطرقه، متكلمًا على عللِه، كثيرَ الحكاية عن العبّاد، وَرِعًا زاهدًا فقيرًا متعفِّفًا … " (^٢).
وكان ابنُ وضّاح رحمه الله تعالى ممن يغيّر في رواية يحيى الليثي، ويصلح الخطأ - في نظره - بحسب معرفته، أو اعتمادًا على الروايات الأخرى عن مالك.
_________________
(١) أخبار الفقهاء والمحدثين (ص: ١٢٢)، وذكر في ترجمته أسماء من روى عنهم ابن وضاح من أهل الأمصار.
(٢) تاريخ العلماء بالأندلس (٢/ ١٧)، وانظر: جذوة المقتبس (ص: ٨٧)، السير (١٣/ ٤٤٥). وفضائله ومناقبه كثيرة، وقد كُتبت رسالة علمية "الماجستير" بعنوان: محمد بن وضاح القرطبي مؤسِّس مدرسة الحديث بالأندلس، بدار الحديث الحَسَنية بقدم: د- نوري معمّر، ونشرتها مكتبة المعارف بالرباط سنة (١٤٠٣ هـ)، ومن الغريب أنّ الباحث لم يُعرّج على ذكر رواية ابن وضاح لموطأ مالك، وإصلاحه للخطأ، وقد انتقد عليه ذلك كما سيأتي.
[ ١ / ١٩٢ ]
وتقدّم قول ابن عبد البر: "وأما ابن وضاح فإنَّه أصلحها ورواها الناس عنه على الإصلاح".
قلت: إصلاحه لرواية يحيى كان موفَّقا في بعض المواطن دون بعض، وقد كره العلماء التصحيح دون تنبيه، وكان من شأن الحذّاق التنبيه على الوهم بالتضبيب لا بإصلاحه وحذف ما سواه.
قال القاضي عياض: "الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرواية كما وصلت إليهم وحمعوها، ولا يغيّرونها من كتبهم، حتى أطردوا ذلك في كلمات من القرآن استمرت الرواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها، ولم يجئ في الشاذ من ذلك في الموطأ والصحيحين وغيرها حماية للباب، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة وفي حواشي الكتب، ويقرؤون ما في الأصول على ما بلغهم.
ومنهم من يجسر على الإصلاح، وكان أجرأَهم على هذا من المتأخرين القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوَقَّشي، فإنَّه لكثرة مطالعته وتفننه، كان في الأدب واللغة وأخبار الناس وأسماء الرجال وأنسابهم وثقوب فهمه وحدّة ذهنه، جسر على الإصلاح كثيرا، وربّما نبّه على وجه الصواب، لكنه ربما وهم وغلط في أشياء من ذلك، وتحكَّم فيها بما ظهر له أو بما رآه في حديث آخر، وربما كان الذي أصلحه صوابًا، وربما غلط فيه وأصلح الصواب بالخطأ، وقد وقفنا له من ذلك في الصحيحين والسير وغيرها على أشياء كثيرة، وكذلك لغيره ممن سلك هذا المسلك.
[ ١ / ١٩٣ ]
وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع، وينبّه عليه، ويذكر وجه الصواب، إما من جهة العربية، أو النقل، أو وروده كذلك في حديث آخر، أو يقرؤه على الصواب، ثم يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا، أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي ﷺ ما لم يقل" (^١).
وقال القاضي أيضًا في مقدمة كتابه مشارق الأنوار: "كثر في المصنفات والكتب التغيير والفساد، وشمل ذلك كثيرًا من المتون والإسناد، وشاع التحريف، وذاع التصحيف، وتعدى ذلك منثور الروايات إلى مجموعها، وعمَّ أصول الدواوين مع فروعها، حتى اعتنى صبابة أهل الإتقان والعلم - وقليل ما هم - بإقامة أودها، ومعاناة رمدها، فلم يستمر على الكافة تغييرها جملة لما أخبر ﵇ عن عدول خلف هذه الأمة، وتكلَّم الأكياس والنقاد من الرواة في ذلك بمقدار ما أوتوه، فمن بين غال ومقصر، ومشكور عليم، ومتكلِّف هجوم، فمنهم من جسر على إصلاح ما خالف الصواب عنده، وغيّر الرواية بمنتهى علمه وقدر إدراكه، وربما كان غلطه في ذلك أشدّ من استدراكه؛ لأنه متى فتح هذا الباب لم يوثق بعد بتحمل رواية، ولا أنِس إلى الاعتداد بسماع، مع أنَّه قد لا يُسلّم له ما رآه، ولا يُوافق على ما أتاه، إذ فوق كل ذي علم عليم … فأمَّا الجسارة فخسارة، فكثيرا ما رأينا من نبّه بالخطأ على الصواب فعكس الباب، ومن
_________________
(١) الإلماع (ص: ١٨٥، ١٨٦)، وانظر: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (ص: ١٧٥).
[ ١ / ١٩٤ ]
ذهب مذهب الإصلاح والتغيير فقد سلك كل مسلك في الخطأ، ودلاه رأيه بغرور، وقد وقفت على عجائب في الوجهين، وسننبه من ذلك على ما توافيه العبر، وتحقق من تحقيقه أن الصواب مع من وقف وأحجم، لا مع من صمم وجسر، وتتأمل في هذه الفصول ما تكلمنا عليه وتكلَّم عليه الأشياخ فيما أصلحه أبو عبد الله بن وضاح في الموطأ على رواية يحيى بن يحيى فيمن تقدّم" (^١).
فابن وضاح ﵀ كان مِمَّن جسر على رواية يحيى الليثي، وأصلح ما ظنَّه خطأ، فوقع فيما أنكره العلماء، والأمثلة فيما أصلحة وكان الصواب في تركه كثيرة جدا كما سيأتي.
لذا قال مؤرخ الأندلس المحدّث أحمد بن محمّد بن عبد البر (^٢): "وله خطأٌ كثيرٌ محفوظٌ عنه، وأشياء كان يغلط فيها" (^٣).
وقال محمد بن حارث الخشني: "لم يشك الناس أن محمد بن وضاح كان غاية في الصدق والثقة، غير أنَّه حُفظت عليه زلَّات، كان محمد بن قاسم يعددها عليه، فحضرت محمد بن أحمد الأشبيلي وقد استفرغ في ملامة محمد بن قاسم من أجل ما كان يذكر في ابن وضاح، فسكت محمد بن قاسم عما كان يصف من ذلك" (^٤).
_________________
(١) مشارق الأنوار (ص: ٣، ٤).
(٢) يكنى أبا عبد الملك، كان بصيرًا بالحديث متصرِّفًا في فنون العلم، توفي سنة (٣٣٨ هـ). تاريخ العلماء (١/ ٥٠).
(٣) تاريخ العلماء بالأندلس (٢/ ١٧).
(٤) أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ١٣٠)، وذكر الخشني جملة من أوهامه في الأحاديث.
[ ١ / ١٩٥ ]
وذكر ابن عبد البر حديث عروة بن الزبير وقول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: "كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن". وزاد فيه ابن وضاح الركن الأسود، وزعم أن يحيى سقط له الأسود، قال ابن عبد البر: "وقد صنع ابن وضاح مثل هذا أيضًا في موطأ يحيى في قول مالك: سعمت بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن اليماني أن يضعها على فِيه، فأمر ابن وضاح بطرح اليماني من رواية يحيى، وهذا مما تسور فيه على رواية يحيى، وهي أصوب من رواية يحيى (كذا)، ومن تابعه في هذا الموضع، وكذلك روى ابن وهب، وابن القاسم، وابن بكير، وأبو مصعب وجماعة في هذا الموضع عن مالك: أنَّه سمع بعض أهل العلم يستحب إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده من الركن اليماني أن يضعها على فيه، زاد ابن وهب: من غير تقبيل، وقالوا كلهم: الركن اليماني، والعجب من ابن وضاح -وقد روى موطأ ابن القاسم، وفيه اليماني- كيف أنكره.
وقد روى القعبي عن مالك في ذلك قال: سمعت بعض أهل العلم يستحبون إذا رفع الذي يطوف بالبيت يده عن الركن الأسود أن يضعها على فيه. هكذا قال القعنبي: الركن الأسود، وأظن ابن وضاح إنما أنكر اليماني في رواية يحيى، لأنَّه رأى رواية القعنبي، أو من تابع القعنبي على قوله الأسود، فمن هنا أنكر اليماني، على أن ابن وضاح لم يرو رواية القعنبي، وروى موطأ ابن القاسم وموطأ ابن وهب، وفيهما جميعا اليماني، كما روى يحيى، وهي بأيدي أهل بلدنا في الشهرة كرواية يحيى، ولكن الغلط لا يسلم منه أحد، وأما إدخاله في حديث عبد الرحمن بن عوف:
[ ١ / ١٩٦ ]
"الأسود"، فكذلك رواه أكثر رواة الموطأ، فابن وضاح في هذا معذور، ولكنه لم يكن ينبغي له أن يزيد في رواية الرجل، ولا يردّها إلى رواية غيره" (^١).
ومع هذا التنبيه من ابن عبد البر فقد تبع ابن وضاح في بعض ذلك فأخطأ كخطئِه، ذكر المصنف في (ل: ٢٢٤ / ب) مرسل الزُّبير بن عبد الرحمن بن الزَّبير، فقال: "قيّد ابن وضاح: الزَّبير بفتح الزاي في الاسمين معا، والجد والد عبد الرحمن لا خلاف أنَّه كذلك، وأما الزُّبير بن عبد الرحمن راوي الحديث فهو عند يحيى بن يحيى بضم الزاي، وهكذا قيّده ابنه عبيد الله، وكذا هو في رواية ابن بكير عن مالك، وهو قول البخاري، وصوّبه الدارقطني، وغيره.
وقال محمد بن يحيى الحذّاء في كتاب التعريف برجال الموطأ (^٢) له: عبد الرحمن بن الزُّبير الأول - يعني بالذكر - بضم الزاي، والثاني بالفتح، هكذا رويناه، وهكذا قاله لي عبد الغني بن سعيد، وقال لي: هكذا قال لي علي بن عمر الدارقطني، وهكذا نقله البخاري في التاريخ.
قال الشيخ أبو العباس ﵁: وزعم أبو عمر بن عبد البر أنهما معا بفتح الزاي، تابع ابن وضاح في ذلك، وغيّرا رواية يحيى بن يحيى على طريق الإصلاح بزعمهما، ولم يأتيا بشيء". اهـ.
_________________
(١) التمهيد (٢٢/ ٢٥٨، ٢٥٩)، وانظر مثالا آخر (٢/ ٣٣٨)، وسيأتي ذكر بعض الأمثلة في ذلك عند المصنف.
(٢) انظره: في رجال الموطأ (ل: ٢٥ / أ).
[ ١ / ١٩٧ ]
وبناء على هذا، فإن أصح الروايات عن يحيى بن يحيى رواية ابنه عبيد الله، فهي أسلم من رواية ابن وضاح، فقد يغيّر ابن وضاح، ويخطئ في تغييره، ويأتي من بعده فينسب الوهم فيه ليحيى أو مالك.
• نسخ الموطأ برواية يحيى الليثي:
لرواية يحيى الليثي عدة نسخ في مكتبات العالم، وغالب تلك النسخ متأخرة النسخ (^١)، وقد وقفت على ثلاث نسخ للكتاب من رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى عن مالك (^٢)، اثنتان منها من محفوظات المكتبة المحمودية بالمدينة النبوية، والثالثة من محفوظات مكتبة شستربتي، والنسخ في غاية الجودة والإتقان، وعليها تكون الإحالات في تحقيق هذا الكتاب عند مخالفتها للمطبوع من رواية يحيى.
النسخة الأولى:
وهي من محفوظات المكتبة المحمودية -وضُمّت الآن إلى مكتبة الملك عبد العزيز- بالمدينة النبوية، تحت رقم: (٤٦٩)، ولديّ صورة منها، وتقع في (١٥٧ لوحة).
وجاء في آخر ورقة منها ما نصه:
_________________
(١) انظر: تاريخ التراث العربي لسزكين (١/ ٣/ ١٣٢).
(٢) وقد وقفت أيضًا على بعض النسخ المتأخرة، إلَّا أنَّ نُسَّاخها لم يبيّنوا سند الرواية هل هي من طريق ابن وضاح، أم من طريق عبيد الله، لذا تركت الكلام عليها، والعزو إليها، وفي ظني أن معرفة الراوي عن يحيى بن يحيى الليثي من أهم ما ينبغي أن يتحراه من أراد تحقيق نص هذه الرواية، أعني رواية يحيى بن يحيى عن مالك.
[ ١ / ١٩٨ ]
سمع هذا الكتاب من أوله إلى آخره، وهو جميع موطأ مالك بن أنس رحمة الله عليه على الشيخ الفقيه الإمام الفاضل العالم المحدّث أبي محمد عبد الله بن عبد الجبار بن عبد الله العثماني بسنده المذكور في أوله عن شيخه (^١): سيّدُنا القاضي الأجل الفقيه العالم الإمام الأوحد الأمين عفيفُ الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن سبأ، والفقيه الأجل الأمين أبو حفص عمر بن محمد بن داود الرمادي العروف بالأصاني، والفقيه الأجل الأمين يحيى بن علي المسمى بحيدرة والتميمي، والشيخُ الأجل الأمين بدر الدين بن عبد الله المالكي، وذلك بقراءة كاتب هذا السماع: محمد بن عبد الله المالكي، وذلك في مجالس عدة آخرها الثالث عضر من شهر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستمائة، بمسجد الله تعالى يُعرف بالسمسار في مدينة عدن - حماها الله تعالى -.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الجبار المسمع: أنبأني به الشيخ الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السِّلفي (^٢)، قال: كتب إليَّ به أبو عبد الله محمد بن عتّاب بالسند المذكور إلى مالك بن أنس مؤلفه ﵀.
صح ذلك، وقد أجزت لهم أحسن الله توفيقهم أن يرووا عنِّي جميع ما رويته سماعًا وقراءةً وإجازةً ومناولةً على شرط الإجازة عند علماء الأثر، وكتب: [أبو محمد عبد الله بن عبد الجبّار العثماني] (^٣).
_________________
(١) الذي يظهر أنّ أول النسخة فُقد؛ إذ ليس فيها السماع المذكور، وإنما ذُكرت فيها كتب الموطأ فقط.
(٢) كُتب فوقها: نسبٌ ومذهبٌ.
(٣) ما بين المعقوفين عليه كشط، وبعض حروفه ظاهر.
[ ١ / ١٩٩ ]
ومن هذا السماع يظهر عدة أمور:
أنَّ صاحب هذه النسخة من علماء الحديث المشهورين، وهو عبد الله بن عبد الجبار العثماني المتوفى سنة (٦١٤ هـ).
- أنّ النسخة مكتوبة بيده فيما يظهر لتشابه خطها بخطه وما كتبه في آخرها.
- أنّها مكتوبة قبل سنة (٦١٤ هـ).
- أنَّها من أصول الحافظ شيخ الإسلام أبي الطاهر السِّلفي.
- أنّ أصلها من المغرب، كتبها شيخ الإسلام محمد بن عتّاب المحدّث المتقن لأبي الطاهر السِّلفي، والناظر في الفهارس والأثبات يجد أنّ معظم الطرق المتصلة برواية يحيى الليثي مدارها على محمد بن عتّاب، فهو شيخ أبي علي الجيّاني، وغيره، وقد رواها عن عدد جمّ من شيوخه (^١)، فبهذه الاعتبارات تُعتبر هذه النسخة من أصح النسخ لرواية يحيى الليثي، وهذه النسخة من رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه، وإن كنت لم أقف على سند النسخة الذي كان أصله في الورقة الأولى وقد فُقد، إلَّا أنّه يدل على ذلك:
١ - وجود ما وقع فيه يحيى الليثي من الأخطاء في هذه النسخة، ولم تُغيّر.
٢ - أنّ الناسخ أو غيره اعتنى ببيان الفروقات بين رواية عبيد الله وابن وضاح، فكتب في غير موضع في الهوامش: لابن وضاح كذا، وقال ابن
_________________
(١) انظر: مثال ذلك في الغنية للقاضي عياض (ص: ٢٩).
[ ١ / ٢٠٠ ]
وضاح كذا (^١)، وهذا ما يدل أنّ النسخة من رواية عبيد الله، وقد وافقَتْ في الغالب ما يذكره المصنِّف في هذا الكتاب من الاختلافات بين الروايات.
وقد اعتمدت علي هذه النسخة ووصفتها بالمحمودية (أ).
النسخة الثانية:
وهي أيضًا من محفوظات المكتبة المحمودية برقم: (٤٦٨)، ولديّ سورة منها، وتقع في (٢٧٤ لوحة).
اسم ناسخها: أبو بكر الشامي الحنفي.
تاريخ النسخ: جمادي الآخرة من سنة ست وثمانين وثمانمائة.
وفي اللوحة الثانية منها سند النسخة ينتهي إلي عبيد الله بن يحيي بن يحيي عن أبيه يحيي بن يحيي، عن مالك، واعتمدت علي هذه النسخة، ورمزت لها بالمحمودية (ب).
النسخة الثالثة:
وهي من محفوظات مكتبة شستربيتي بإيرلندا (^٢)، ولديَّ صورة منها.
وهي قطعة من موطأ يحيى برواية ابنه عبيد الله، وتشتمل على بعض كتاب الحج إلي كتاب البيوع، وهي نسخة متقنة لولا النقص الذي فيها، وكذا بعض الطموسات في مواضع منها، وفي هوامشها تصحيحاتٌ، وذِكرٌ لكلام ابن وضاح والفرقِ بين روايته ورواية عبيد الله، وذكر لأقوال بعض
_________________
(١) انظر مثاله في: (ل: ١١ / ب)، (٢٨/ ب)، (٥٨ / ب)، وغيرها.
(٢) تاريخ التراث (١/ ٣/ ١٣٢).
[ ١ / ٢٠١ ]
أهل العلم في ضبط وتصحيح رواية يحيي وسائر روايات الموطأ.
وخطّها جميل، وجاء في آخر الورقة من المخطوط تاريخ نسخها سنة (٢٧٧ هـ)، وهذا مستبعد لحداثة الخط عن ذلك العصر، ولعل الناسخ نقل هذه النسخة من نسخة كُتبت في ذلك العصر، والله أعلم.
وعند العزو إليها في التحقيق ذكرتها باسم: نسخة شستربتي.
المطبوع من رواية يحيي الليثي:
طُبع كتاب الموطأ برواية يحيي الليثي عدة طبعات، بالأسانيد، ومجرّدة عن الأسانيد، وبعضها مع شروحات الأئمة كالتمهيد، والنتقي، وتنوير الحوالك، وغيرها.
ومن أبرز تلك الطبعات التي انتشرت بين العلماء وطلاّب العلم في المشرق والمغرب، طبعة بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، وقد طُبعت عدة مرات، ويكون كلامي منصبًا علي هذه النسخة لشهرتها وتداولها بين الناس.
ذكر المحقق في مقدمة الكتاب طريقته في التحقيق فقال:
"جمعت بين يديّ من نسخ الموطأ النسخ الآتية:
ثم ذكر ستة نسخ كلّها مطبوعة، وآخرها المطبوعة بشرح الزرقاني، ثم قال:
فكنت أقارن نصوص بعضها ببعض، فما اتفق الجميع عليه، وأيقنت أنه الصواب أثبته، وما اختُلف فيه رجّحت الجانب الذي به شرح الزرقاني، والنسخة المطبوعة في الهند عام (١٣٠٧ هـ) بعد أن أرجع إلى معاجم اللغة
[ ١ / ٢٠٢ ]
وكتب الحديث والرجال، فخلصتْ لي من هذه النسخ حميعها نسخة ما آلوت جهدًا أن تكون أصح ما أخرجته المطابع الإسلامية في العالم الإسلامي" (^١).
قلت: ومن كلامه هذا يتبيّن ما يلي:
١ - أنه لم يعتمد علي أيِّ نسخة مخطوطة للموطأ مع توافرها وكثرتها.
وهذا العمل جعله يُسقط من طبعته بعض الأحاديث التي قد تكون سقطت من الأصول التي اعتمدها، مثاله حديث يحيي بن سعيد المرسل: "أنّ النبي ﷺ كُفّن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة). وسيذكره المصنف في (ل: ٢٥٧ /ب)، وهو ثابت في النسخة المحمودية (أ) (ل: ٣٧ / ب)، وسقط أيضًا من شرح الزرقاني علي الموطأ!
٢ - لم يبيّن ما هي الرواية المعتمدة، هل هي رواية ابن وضاح، أم هي رواية عبيد الله عن أبيه، وبينهما من الفروق ما تقدّم، فهو تارة يوافق عبيد الله، وتارة ابنَ وضاح، وتارة يخالفهما!
٣ - أنَّه يصحح بالرجوع إلي كتب التراجم والحديث وغيرها، فبالتالِي يصلح الخطأ الذي وقع فيه يحيي بن يحيي مثلًا، وتصير روايتُه تابعةً لرواية غيره عن مالك، فينتفي ما يذكره العلماء عنه من الأخطاء التي وقع فيها؛ لذا لا يكاد يوجد في هذه الطبعة ما يذكره المصنِّف من الأخطاء التي وقع فيها يحيي إلا نادرًا، ولو أصلح المحقق ذلك وبيّن لَهَانَ الأمرُ، لكنَّه يصلح
_________________
(١) انظر: المقدمة (ص: ١٩، ٢٠).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ويسكت، وقد تقدّم في كلام أهل العلم نقض هذه الطريقة.
في آخر كلامه ما يبيّن أنَّ نسخته هذه ملفّقة من عدَّة نسخٍ ومصححة من عدة كتب، فلم تعُد لها صلة بنسخة يحيي الليثي، لذلك وقع المحقق في أخطاء جسيمة كوصل ما يرسله يحيي، ورفع ما يوقفه (^١).
وعلي هذه النسخة عدَّةُ ملحوظات سوي ما تقدّم، منها:
١ - السقطُ والتصحيفُ، وأمثلتُه كثيرةٌ، وسيأتي ذكرُ بعضها في ثنايا الكتاب.
٢ - ذِكر الكتب والتبويب، وقد انتهج المحقق في ذلك نهجًا غريبًا،
_________________
(١) مثال ذلك:
(٢) وقع في الموطأ -رواية يحيي بن يحيي- (٢/ ٣٥٨ / رقم: ٩): عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهي عن قتل النساء والصبيان). كذا هو في المطبوع موصولًا. وهذا خطأ؛ لأن رواية يحيي لهذا الحديث عن مالك عن نافع مرسلة لم يذكر فيها ابن عمر،. وانظر: نسخة المحمودية (أ) (ل: ٥٦/ ب). وقال ابن عبد البر: "هكذا رواه يحيي عن مالك عن نافع مرسلًا". التمهيد (١٦/ ١٣٥). والحديث أورده المصنف أبو العباس الداني في مرسل نافع (ل: ٢٢٩/ أ).
(٣) وقع في الموطأ (١/ ٣٣٦/ رقم: ٢٤٤) عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولي عبد الله بن عباس، عن ابن عباس: "أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ بامرأة وهي في محفّتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بضبعي صبي، فقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم ولك أجرط. كذا ورد الحديث موصولًا في الطبعة. وورد في نسخة المحمودية (أ) (ل: ٧٥/ ب)، و(ب) (ل: ١٠٦/ أ)، ونسخة شستربتي (ل: ٢٢/ ب)، عن كريب مولي عبد الله بن عباس: (أن رسول الله ﷺ …)، مرسلًا. وذكره المصنف في مرسل كريب (ل: ٢٢٥/ ب).
[ ١ / ٢٠٤ ]
حيث غيّر تبويبات مالك وذِكر كتبه، وكما قيل: فقهُ البخاري في تبويبه، فكيف بمالك شيخ شيوخ البخاري.
ومثلُ ذلك كتاب الجامع آخر الموطأ، فمالكٌ وضع كتابًا جامعًا، جمع فيه أحاديث عدة، في مواضيع مختلفة، بوّب عليها تبويباتٍ عدّة تدل على فقه الحديث ومعناه، فالجامع كتابٌ واحدٌ، مبوَّب إلي عدَّة أبواب، لكنَّ المحقق تجاسر وغيّر، فذكر كتبًا في الجامع وبوّب تلك الكتب، وذكر تحتها الأحاديث حسب ما اتفق، فالناظر فيها يجد أنّها لا توافق الترتيب الذي وضعه مالك، فذكر أولًا كتاب الجامع وتحته الأبواب التعلّقة بفضائل المدينة فقط.
ثم ذكر كتاب القدر، وذكر الأبواب وفيها الأحاديث المتعلقة بالقدر.
ثم كتاب حسن الخلق، وذكر فيه عدة أبواب متعلقة بحسن الخلق، وعدم المهاجرة.
ثم كتاب اللباس، وذكر الأبواب المتعلقة بذلك.
ثم كتاب: صفة النبي ﷺ، فذكر حديثًا وبابًا واحدا في صفته ﷺ، ثم بابًا في صفة عيسي ﵇ والدَّجَّال، ثم الأحاديث المتعلقة بالفطرة، والأحاديث المتعلقة بالنهي عن الأكل بالشمال، وبابًا في المساكين، وما جاء في مِعَى الكافر، والنهي عن الشراب في آنية الفضة، والشرب قائما، وغير ذلك، وهذه لا علاقة لها بكتاب صفة النبي ﷺ!
وفي آخر هذا الكتاب ذكر بابًا في ما جاء في نزع المغاليق والجرس من العنق، وهذا الحديث لا تعلّق له بصفة النبي ﷺ، بل هو في العين كما قال
[ ١ / ٢٠٥ ]
مالك، ومن الغريب أنّه ذكر بعد هذا الباب كتاب العين!
وفي هذا الكتاب ذكر الأبواب المتعلقة بالمريض وعيادته!
ثم ذكر كتاب الشعر، وتحته بابًا في ما جاء في المتحابين في الله!، وآخر فيما يؤمر به من التعوّذ!.
وذكر كتاب الاستئذان، وفيه: ما جاء في أكل الضب!، وما جاء في أمر الكلاب!، والغنم!، وهكذا يذكر كتبًا من عنده وتحتها أبوابًا لا صلة لها بالكتاب المذكور، ومالكٌ أجَلُّ من أن يفعل ذلك، وهذا لا شكَّ فيه إساءةٌ للموطأ.
والغريب في ذلك أنّ المحقق لم يكتف بما في شرح الزرقاني، فالزرقاني لم يذكر إلّا كتاب الجامع، وتحت هذا الكتاب عدة أبواب في قضايا مختلفة كما وضعه مالك رحمة الله عليه، والله أعلي وأعلم.
ومن هذا العرض الوجز حول رواية يحيي بن يحيي الليثي، تبيّن لي أنّ هذا الكتاب لم يُخدم خدمة تليق به من حيث إخراج نصِّه كما رواه يحيي عن مالك، مع التنبيه علي الأخطاء والمواضع التي زلَّ فيها وخالف الرواة عن مالك -وإن كانت يسيرة- فأسأل الله تعالي أن يسخِّر من يقوم بذلك، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
[ ١ / ٢٠٦ ]