أثنى على كتاب أبي العباس الداني ابنُ الأبَّار ومِن قبله شيخُ أبي العباس أبو عليٍّ الصدفي، قال ابن الأبَّار: "كتاب الإيماء ضَاهَى به كتابَ أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، وعَرَضَه على شيخِه أبي عليٍّ الصدفي فاستَحسَنَه وَأَمَر بِبَسْطِه، فزاد فيه" (^١).
وحكى المراكشي هذا القول، وزاد: "وَقفتُ عليه وكان في كتبي، ثمَّ خرجت عنه" (^٢).
ومن النَّص الذي ذكره ابن الأبّار نستخلص أنَّ المصنِّف ضاهى في تصنيفه أطراف الصحيحين لأبي مسعود الدِّمشقي، والناظر في كتاب أبي مسعود يجده لا يقتصر على إيراد الأحاديث وبيان مواضعها في الصحيحين فحسب؛ بل يذكر بعضَ عِلَل الأحاديث، ببيان المحفوظ منها والشاذ، وإن كانت تعليقاتُه يسيرة.
وأمّا المصنِّف فقد علَّق على أحاديث الموطأ، ببيان علَلِها وفوائدِها الإسنادية والمتنية (^٣).
ثم إنَّ أبا العباس الداني صنَّف هذا الكتاب، وعَرضه على شيخِه المحدِّث أبي علي الصدفي - وهي عادة مَن سلَفه كما فعل مسلم بصحيحه
_________________
(١) التكملة (١/ ٤٣).
(٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١)، وممّن وقف على الكتاب أيضًا ابنُ فرحون كما في الديباج (ص: ٤٥).
(٣) سيأتي ذكر ذلك في البحث الخاص ببيان منهج المصنف في الكتاب.
[ ١ / ١١٥ ]
مع أبي زرعة الرازي - فلما رآه شيخُه استحسنَ عمَلَه، وأمره أن يبسطه بين الناس ويحدِّث به، فزاد فيه المصنِّف بعد وصية شيخِه، فخرج في هذه الحُلّة، وفيه من الفوائد والعوائد الشيء الكثير.
ويمكن أن نستخلص تلك الفوائد في النقاط التالية:
١ - ترتيب الكتاب على الأطراف - مسانيد الصحابة - يسهّل الرجوع إلى أحاديث الموطأ بيسر وسهولة.
٢ - أنَّ الكتاب يُعتبر نسخةً موثَّقة مِن نسخ موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، على اختلاف الروايتين عنه، وخاصة من ناحية الأسانيد.
٣ - يُعدُّ الكتابُ جامعًا لروايات الموطأ المختلفة، وذلك ببيان أوجه الفرق بين رواية يحيى بن يحيى الليثي، والروايات الأخرى، سواء كان الاختلاف في السند أو المتن.
٤ - ويُعتبر أيضًا نسخة من الروايات الأخرى، خاصة ما اندثر منها وفُقد، وذلك بالنظر إلى القسم الرابع من هذا الكتاب، حيث ذكر فيه المؤلف الأحاديث الزائدة على رواية يحيى بن يحيى الليثي من الموطآت الأخرى، وقد وقعت له أربع عشرة رواية نقل منها مباشرة، وروايات أخرى نقل منها بالواسطة، كما ذكره في بداية القسم الرابع.
٥ - ذكر المصنّف الكثير من أقوال أهل العلم ممّا لا وجود له إلَّا في هذا الكتاب، وذلك واضح في نقولاته عن الإمام الدارقطني والبزار وأبي مسعود الدمشقي وغيرهم، كما سيأتي ذكرهم في مصادر المصنف، وكثير من هذه الأقوال المنقولة لا توجد إلا في هذا الكتاب، وذلك إمّا لفقدان
[ ١ / ١١٦ ]
كتب هؤلاء الأئمة أو للنقص في نسخ كتبهم الموجودة بين أيدينا المطبوعة والمخطوطة.
٦ - تجرّد المصنِّف من التقليد واستعمل منهج النقد، ممّا جعل كتابه ينال منزلةً ساميةً، خاصة في نقله لرواية يحيى بن يحيى الليثي، وردّه على إمام الأئمة في هذا الشأن وهو ابن عبد البر، ومثال ذلك الحديث الأول من هذا الكتاب، وغيره (^١).