كان لأبي العباس الداني عناية بلقاء المشايخ والأخذ عنهم، ورحل في ذلك، إلَّا أنَّ أعظمَ شيخٍ لازمه وسمع منه الكثير من الكتب والروايات، بل سمع منه في مختلف المدن الأندلسية شيخُه أبو علي الصدفي، وأكثر أيضًا عن شيخيه أبي داود المقرئ وأبي علي الجياني.
وقمتُ بجَرْد بعض كتب التراجم الأندلسية فظفرتُ بقائمة لا بأس بها من مشايخه، وسأذكرهم مرتَّبين على حروف المعجم، منبِّهًا على شيءٍ من سيرتهم وفضائلهم ومكانتهم باختصار، ومكانة المصنف عندهم أيضًا، فمنهم:
_________________
(١) انظر: التمهيد (٢٤/ ٢٧٧).
[ ١ / ٥٥ ]
١ - حسين بن محمد بن أحمد الغسّاني رئيس المحدّثين بقرطبة، أبو علي الجيّاني (ت: ٤٩٨ هـ).
أكثر عنه المصنف، وسمع منه بالمرية وقرطبة، وأفاد منه عدة فوائد في هذا الكتاب، من ضبط لأسماء، وبيان لنسب ورواة (^١).
قال القاضي عياض: "شيخ الأندلس في وقته، وصاحب رحلتهم، وأضبط الناس لكتاب وأتقنهم لرواية، مع الحظ الوافر من الأدب والنسب والمعرفة بأسماء الرجال وسعة السماع … ورحل إليه الناس من الأقطار، وحملوا عنه، وألّف كتابه على الصحيحين المسمى تقييد الهمل وتمييز المشكل، وهو كبير الفائدة" (^٢).
وقال ابن بشكوال: "كان من جهابذة المحدّثين، وكبار العلماء السندين، وعُني بالحديث وكتبه وروايته وضبطه، وكان حَسنَ الخطِّ، جيِّدَ الضَّبط، وكان له بصر باللغة والإعراب، ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب، وجمع من ذلك كلّه ما لم يجمعه أحد في وقته، ورحل الناس إليه وعوّلوا في الرواية عليه" (^٣).
٢ - حسين بن محمد بن فِيرُّه -بالتثقيل والضم- بن حَيّون بن سُكَّرة الصدفي، من أهل سَرَقُسْطَة، أبو علي المُرْسِي، استشهد في وقعة قُتَنْدَة
_________________
(١) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠ / ص: ٢٦٣).
(٢) الغنية (ص: ١٣٨).
(٣) الصلة (١/ ١٤١)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٢٦٥)، السير (١٩/ ١٤٨).
[ ١ / ٥٦ ]
بثغر الأندلس سنة (٥١٤ هـ)، وهو ابن ستين سنة ﵀.
أكثر عنه أبو العباس الداني، وكان من أكابر أصحابه وجِلَّتهم، وسمع منه وقرأ عليه عدَّةَ كتب في مدن مختلفة كما تقدّم (^١).
قال القاضي عياض: "كان عارفًا بالحديث، قائمًا به، حافظًا لأسماء الرجال، عارفًا بقَويِّهم من ضعيفهم، ذا دِين مَتين وخُلق حَسَنٍ وصيانةٍ، مِن أجَلِّ من لقيناه" (^٢).
وقال ابن بشكوال: "رحل الناس من البلدان إليه وكثر سماعهم عليه، وكان عالمًا بالحديث وطرقه، عارفًا بعلله وأسماء رجاله ونقلته، يبصر المعدَّلين منهم والمجرَّحين، وكان حَسَنَ الخطِّ، جيّد الضبط، وكتب بخطِّه علمًا كثيرًا وقيّده، وكان حافظًا لمصنفات الحديث، قائمًا عليها، ذاكرًا لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سِفر، وصحيح مسلم في سِفر، وكان قائمًا على الكتابين مع مصنف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلًا ديِّنًا متواضعًا حليمًا وقورًا عاملًا عالمًا" (^٣).
٣ - خلَف بن محمد بن خلَف، أبو القاسم، يُعرف بالغرناطي (٥٠٨ هـ).
سمع منه بأوريولة، قال ابن الأبّار: "حدّث عنه أبو العباس الداني
_________________
(١) الغنية (ص: ١١٨)، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ١٥)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) الغنية (ص: ١٣٠).
(٣) الصلة (١/ ١٤٤)، وانظر: تاريخ دمشق (١٤/ ٣٢١)، بغية اللتمس (ص: ٢٦٩)، المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ٥)، السير (١٩/ ٣٧٦)، ونفح الطيب (٢/ ٩٠).
[ ١ / ٥٧ ]
بالتلقين للقاضي عبد الوهاب، وقرأت ذلك بخطه" (^١).
٤ - خلف بن فتْحون، أبو القاسم الأوريولي.
سمع منه أبو العباس الداني بأوريولة (^٢).
وفي الرواة: خلَف بن محمد بن خلَف بن سليمان بن خلف بن محمد بن فتحون، أبو القاسم، من أهل أوريولة، وُلد سنة (٤٩٥ هـ)، وتوفي سنة (٥٥٧ هـ). وأظنّه المعنيَّ، وإن كان المصنِّف أكبر منه، وتوفي قبله، فتعدُّ روايته من باب رواية الأصاغر عن الأكابر، والله أعلم.
قال ابن الأبار: "كان من قضاة العدل، صارمًا في أحكامه، مَهيبًا وَقورًا، معروف السلف بالنباهة والعلم" (^٣).
٥ - سليمان بن أبى القاسم نجاح مولى المؤيّد بالله هشام بن الحكم، أبو داود المقرئ المتوفى (٤٩٦ هـ).
سمع منه المصنف بدانية، وأكثر عنه، ومما سمع منه الموطأ وغيره (^٤).
قال ابن بشكوال: "من جِلّة المقرئين وعلمائِهم وفضلائهم وخيارهم، عالمًا بالقراءات ورواياتها وطرقها حَسَن الضبط لها، وكان فاضلًا ثقة فيما
_________________
(١) التكملة (٤/ ٢٢١)، وانظر: (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠)، ونفح الطيب (٢/ ٥١٢).
(٢) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٣) التكملة (١/ ٢٤٧).
(٤) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣).
[ ١ / ٥٨ ]
رواه، وله تواليف كثيرة في معاني القرآن وغيره، وكان حسن الخط، جيّد الضبط، ووى عنه الناس كثيرًا، وأخبرنا عنه حماعة من شيوخنا ووصفوه بالعلم والفضل والدِّين" (^١).
٦ - عبد العزيز بن عبد الملك بن شَفيع المقرئ، أبو الحسن، من أهل المَرِيَّة (ت: ٥١٤ هـ).
سمع منه أبو العباس الداني بالمرية، ومن مسموعاته عليه موطأ الإمام مالك وسيأتي ذكر إسناده في مقدّمة الكتاب (^٢).
قال ابن بشكوال: "أقرأ الناسَ القرآنَ بجامع المريّة -صانه الله-، وكان شيخًا صالحًا مجوّدًا للقرآن، حسن الصوت به، وسمع الناسُ منه بعضَ روايته، وسمعتُ صاحبَنا أبا عبد الله القطان يُثني عليه يُصَحِّح سماعَه من أبي عمر بن عبد البر، وقد أخذ عنه بعضُ أصحابنا، وتكلّم بعضُهم فيه وأنكرَ سماعَه من ابن عبد البر" (^٣).
٧ - عبد القادر بن محمد الصدفي القروي أبو محمد، يُعرف بابن الحنّاط، أصله من القيروان، ونزل المريّة (ت: ٥٠٧ هـ).
_________________
(١) الصلة (١/ ٢٠٠)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٠٣)، المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ٣٠٢)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٦٨)، والدراسة الوافية التي قام بها الشيخ أحمد شرشال في دارسته وتحقيقه: مختصر التبيين لهجاء التنزيل لأبي داود المقرئ (رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية عام ١٤١٢ هـ).
(٢) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠ / ص: ٢٦٣).
(٣) الصلة (١/ ٣٥٥)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٨٦).
[ ١ / ٥٩ ]
سمع منه أبو العباس بالمريّة (^١).
قال ابن بشكوال: "نزل المريّة وسمع منه جماعة من أهل الأندلس وأصله من القيروان، وكان رجلًا فاضلًا زاهدًا، معنيًا بالعلم والرواية" (^٢).
٨ - أبو محمد عبد الله بن العسّال الطليطلي (ت: ٤٨٧ هـ).
سمع منه أبو العباس بالمرية (^٣).
٩ - أبو محمد عبد الله بن محمد المَقْرِي -بفتح اليم وسكون القاف وراء منسوبًا-.
سمع منه أبو العباس بمدينة بِجاية، ووصفه بالفقيه الأصولي (^٤).
١٠ - محمد بن علي بن عمر التميمي، أبو عبد الله المازَري (ت: ٥٣٦ هـ).
قال القاضي عياض: "أخذ عن أبي عبد الله المازري" (^٥).
وقال ابن الأبّار: "يَروي عن أبي عبد الله المازري، وأحسبه كتب إليه" (^٦).
_________________
(١) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٢) الصلة (١/ ٣٧١، ٣٧٢)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ٣٩٤).
(٣) الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠). وانظر ترجمة ابن العسال في: الغرب في حُلى الغرب (٢/ ٢١).
(٤) التكملة (١/ ٤٣، ٤٤) والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٥) الغنية (ص: ١١٨).
(٦) التكملة (١/ ٤٣).
[ ١ / ٦٠ ]
وقال المراكشي: "له رواية عن أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازَري -بميم وألف وزاء مفتوحة وراء منسوبًا- نزيل المهديَّة، ولعلها مكاتبة" (^١).
والمازَري قال عنه تلميذه القاضي عياض: "إمامُ بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب، وآخر المستقلِّين من شيوخ إفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودِقّة النظر" (^٢).
١١ - محمد بن يحيى بن عبد الله بن زكريا، أبو عبد الله، يُعرف بابن الفرّاء، من أهل الرية استشهد بوقعة قُتَنْدَة (٤١٥ هـ).
سمع منه أبو العباس الداني بالمريّة (^٣).
قال ابن بشكوال: "كان رجلًا صالحًا، ديِّنًا متواضعًا، سمع الناسُ منه بعض ما رواه" (^٤).
١٢ - أبو مروان الحمداني.
سمع منه أبو العباس بالعدوة في قلعة بني حماد (^٥).
_________________
(١) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٢) الغنية (ص: ٦٥)، وانظر: السير (٢٠/ ١٠٤)، والديباج الذهب (ص: ٢٧٩)، والدراسة التي قام بها الباحث جمال عزّون في مقدمة تحقيقه قطعة من كتابه: شرح التلقين، رسالة ماجستير.
(٣) التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣٠).
(٤) الصلة (٢/ ٥٤٣)، وانظر: بغية الملتمس (ص: ١٤٦).
(٥) الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩)، والتكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
[ ١ / ٦١ ]
١٣ - ابن بشير.
ذكره في شيوخه القاضي عياض (^١).
ولعله محمد بن بشير المعافري الصيرفي، أبو عبد الله القرطبي (ت: ٤٨١ هـ).
قال ابن بشكوال: "كتب الحديث عن شيوخ مِصر في وقته، وحجَّ بيتَ الله الحرام … وكان رجلًا منقبضًا، مقبلًا على ما يعنيه" (^٢).
هذه قائمة بأسماء الشيوخ الذين وقفتُ عليهم، ولا شكَّ أنَّ أبا العباس كان له من الشيوخ أكثر ممَّا ذُكر، فقد اشتهر بلقاء الرجال والمشايخ، وكثرة السماع والقراءة، ورحل في ذلك، وقد استفاد كثيرا ممّن لقيهم، فكان أثر ذلك تلك المصنفات التي قرأها عليهم وأفاد منها في هذا الكتاب، خاصة الروايات المختلفة للموطأ، فقد وقعت له أربعة عشر رواية كما سيأتي ذكر ذلك في فصل مصادره.
وكما أنه أفاد في هذا الكتاب بما شافهه به شيوخه ولا يكاد يوجد في كتبهم، أو كتب غيرهم مِن فوائد إسنادية ومَتنية وضبطٍ لبعض الأعلام (^٣).
_________________
(١) الغنية (ص: ١١٨).
(٢) الصلة (٢/ ٥٢٦).
(٣) انظر مثاله: (٢/ ٢٠، ٣٩، ٥١٤).
[ ١ / ٦٢ ]