تقدّم في المبحث السابق أنَّ المصنِّفَ عاش في فترات توتَّرت فيها سياسةُ الدويلات القائمة في عصره فيما بينها، ثمَّ فيما بين تلك الدويلات ودولة المرابطين الذين استولوا على الأندلس بعد ضعفها وأعادوا لها عزَّها ومجدَها.
لكن بالرغم مِن تلك المنازعات بين ملوك الطوائف إلَّا أنَّهم أدَّوا دورًا بارزًا في النشاط العلمي، والعمل على ازدهاره ورفعته.
ووُلد المصنِّف في بلده دانية آخرَ عهد العامريين، ونشأ في عهد دولة بني هود ودولة المرابطين عِظم حياته.
وكان لبلده دانية شأنٌ عظيمٌ في أيَّام دول الطوائف، بدءًا بمجالد العامري الذي أَمَّه جملةٌ مِن العلماء وأنِسوا بمكانه، واجتمع عنده مِن طبقات علماء قرطبة وغيرها جملةٌ وافرةٌ، وفي بَلاطه عاش الفقيهُ المحدِّثُ أبو عمر بن عبد البر النمري.
وكذا كان الأمر في عهد بني هود، ثم مِن بعدهم في دولة المرابطين الذين قدَّموا الفقهاءَ وعظّموهم.
وكانت الحياةُ العلميةُ في هذا العهد في ازدهارٍ عظيمٍ، وشهدت الأندلسُ أبهى عصورها العلمية، يلتمس ذلك في آثار علمائها وفقهائها.
وتميّز النشاطُ العلمي في عدّة أمور منها:
- الرحلات العلمية التي قام بها علماء الأندلس إلى المشرق، وقد عقد المقري في نفح الطيب في المجلد الثاني وجزءًا من الثالث فصلًا كاملًا ترجم
[ ١ / ٣٦ ]
فيه لمن كانت له رحلةٌ مِن الأندلس إلى المشرق وكذا بالعكس في مختلف العصور.
- جمعُ الكتب وإنشاءُ المكتبات (^١).
- التعليمُ والتدريسُ، وقد عُني أهلُ الأندلس بتعليم أنفسهم وأبنائهم، قال المقري: "وأما حالُ أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيقُ الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنَّهم أحرصُ الناس على التميّز، فالجاهلُ الذي لم يوفِّقه الله للعلم يجهد أن يتميّز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يُرى فارغًا عالةً على الناس، والعالمُ عندهم معظَّمٌ مِن الخاصة والعامة، يُشار إليه ويُحال عليه .. " (^٢).
فكان التعليمُ وإلقاءُ الدروس ضاربًا أطنابه بكلِّ طرقه من إقراءٍ وإملاءٍ ومناظرةٍ، وكانت المساجدُ حاملةً لواءَ التعليم، قال المقري: "ليس لأهل الأندلس مدارسُ تعينهم على طلب العلم، بل يقرؤون جميعَ العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرؤون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جاريًا، فالعالم منهم بارع؛ لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم" (^٣).
وشهد كذلك عددٌ من منازل العلماء النشاط التعليمي، فكانت مأوى الطلبة يقرؤون الكتب فيها على مشايخهم (^٤).
_________________
(١) انظر: نفح الطيب (١/ ٤٦٢).
(٢) نفح الطيب (١/ ٢٢٠).
(٣) نفح الطيب (١/ ٢٢٠).
(٤) انظر مثاله سماع المصنف موطأ الإمام مالك بقراءة شيخه أبي داود المقرئ انظر: (٢/ ٩)، =
[ ١ / ٣٧ ]
وبرَز في هذه الحقبة من الزمن الكثيرُ من العلماء، وصنَّفوا الكثيرَ مِن التصانيف، كأبي علي الجياني والصدفي، وأبي داود المقرئ، وأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي، وأبي بكر غالب الغرناطي، والرشاطي وغيرهم من العلماء والفقهاء والأدباء.
ومن تتبّع كتبَ التراجم كالصلة لابن بشكوال، وصلةَ الصلة لابن زبير، والتكملةَ لابن الأبار، والذيلَ والتكملة للمراكشي وغيرها علم ما وصلت إليه الأندلسُ في عهد المصنِّف من رِفعةٍ وتقدّمٍ في المجال العلمي (^١).
* * *
_________________
(١) = وكذا قراءة طاهر بن خلَف رياضة المتعلِّمين لأبي نعيم على أبي علي بمنزل أبي داود المقرئ وعند جامعها العتيق مَقدم أبي عليٍّ من المشرق (ص: ٦٤) من هذه الدراسة.
(٢) وانظر ما أعدَّه الباحث د. سعد بن عبد الله البشري في كتابه القيّم: الحياة العلمية في عصر ملوك الطوائف في الأندلس (٤٢٢ - ٤٨٨ هـ).
[ ١ / ٣٨ ]