تقدّم أنَّ أبا العباس الداني اعتنى بلقاء الرجال، والضبط والتقييد، وكان يخطُّ بيده بعضَ الكتب المسموعة، وكانت له أصولٌ جيِّدة متقَنة،
_________________
(١) الغنية (ص: ١١٨).
(٢) الصلة (١/ ٧٩).
(٣) التكملة (١/ ٤٣)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠). تنبيه: وقع في حاشية (١) من كتاب الصلة (١/ ٧٩) ما نصّه: قوله (أي قول ابن بشكوال): من ولاية قضائها، غير صحيح، إنما كانت خطّته بدانية الصلاة على الجنائز بعد تخدمه لها (كذا، ولعله: تقدّمه) ورغبته فيها، كذا أخبرني ثقات بلده، وقد كان أهلا للقضاء رحمه الله تعالى. من هامش الأصل المعتمد عليه. قلت: لعل كاتب هذا الهامش على حاشية أصل الصلة ظنّ أنّ ابن بشكوال أثبت توليه قضاء دانية، لذا ردّ عليه بأنه لم يتولَّ قضاءها، وإنما كانت خطته الصلاة على الجنائز، ويدل عليه قوله: "وقد كان أهلًا للقضاء". والذي يظهر أنّ أبا العباس لم يتولَّ القضاء، إنما طُلب لذلك فامتنع، وما جاء في الصلة لابن بشكوال صحيح، وسبقه إلى ذلك القاضي عياض تلميذ المصنف، وتابعه ابن الأبّار والمراكشي وغيرهما، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٧٤ ]
ويدلُّ عليه اعتناؤه ببيان الفروق بين نسخ الموطأ والروايات في هذا الكتاب، بل يبيّن أحيانا الفروقات في النسخة الواحدة كرواية يحيى بن يحيى، والأمثلة في ذلك كثيرة، ومنها:
- ذكر في مسند سهل بن سعد، عن سهل قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه يَنْمِي ذلك".
قال الداني: "عند أحمد بن سعيد -من جملة نقلة رواية يحيى بن يحيى-: يُنمَى بالألف وضم الياء على ما لم يسمّ فاعله، وعند سائر رواة يحيى: يَنمِي بكسر الميم وياء بعدها وفتح الأولى أي: يَرفع" (^١).
- وذكر أيضًا حديث نافع، عن رجل من الأنصار: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن نستقبل القبلة لغائط أو بول". فقال: "هذا المشهور في رواية يحيى بن يحيى عن مالك، وفي بعض الطرق عن يحيى: أن الرجل سمع رسول الله ﷺ" (^٢).
وكذا يبيّن الفروقات بين نسَخ الكتاب الواحد الذي ينقل منه، ومثال ذلك:
- قوله عند ذكر حديث: "ما لي أنازع القرآن … "، قال: "قال أبو داود: سمعت محمّد بن يحيى بن فارس يقول: فانتهى الناس من كلام الزهري. وفي رواية ابن الأعرابي عنه قال: انتهى حديث ابن أكيمة إلى
_________________
(١) انظر: (٣/ ١٠٩).
(٢) انظر: (٣/ ٥٧٧).
[ ١ / ٧٥ ]
قوله: "ما لي أنازع القرآن" والبقية من قول الزهري" (^١).
وقوله. "وقال سلمةُ بنُ الأكوع: قلت: يا رسول الله، إني رجلٌ أَصِيدُ، أَفَأُصَلِّي في القميص الواحد؟ فقال: "نعم، وازْرُرْه ولو بشَوكة"، وهذا في بعض الروايات لأبي داود" (^٢).
- وقوله: "ذَكَرَ الترمذي أنَّ البخاري قال: ما أعرف لمالك بن أنس رجلًا يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني، قال أبو عيسى: قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة، وذكر هذا الحديث، وقال بعض أصحابه: سألت سعيدًا عن هذا فقال: كذب عليَّ عطاء، لم أحدّثه هكذا، وذكر أحاديث انتقدها عليه، وهذا في بعض نسخ الجامع للترمذي، ثبت في بعض الروايات وسقط من بعضها" (^٣).
هذه بعض الأمثلة في بيان اعتنائه بالنسخ والروايات، لذا قال ابن الأبّار: "كانت له أصول عتيقة، وكان حَسَن التقييد" (^٤).
وقال المراكشي: "كان محدّثًا ضابطًا، حسَنَ التقييد، ذا أصول عتيقة" (^٥).
وقال ابن الأبّار أيضًا: "وعندي من أصوله سنن الدارقطني وأجزاءَ من حديث المحاملي" (^٦).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥١١).
(٢) انظر: (٢/ ١٣٢).
(٣) انظر: (٥/ ٢٠٨).
(٤) التكملة (١/ ٤٣).
(٥) الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
(٦) المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥).
[ ١ / ٧٦ ]
وأما مصنّفاته، فقد وُصف بالتصنيف.
قال ابن بشكوال: "له تصنيف" (^١).
ومن خلال تتبعي لكتب التراجم لم أقف له إلَّا على كتابين، وذكرهما القاضي عياض، ثم قال: "وغير ذلك" (^٢).
ومن تصانيفه المذكورة:
١ - كتاب الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ، وهو الكتاب الذي قمت بتحقيق جزء منه، وسيأتي الكلام عليه مفصّلًا في الفصل الثاني إن شاء الله.
٢ - مجموع في رجال مسلم بن الحجاج، ذكره القاضي عياض، وابن الأبّار، والمراكشي، وابن فرحون، وغيرهم (^٣).
ولا أعلم عن وجوده شيئًا.
ومن النص المتقدّم الذي ذكره القاضي عياض يظهر أنّ للمصنف غير هذين الكتابين، وقد وقفت على كلام ذكره في أطراف الموطأ يوحي بتسمية كتاب له ثالث، ولا أجزم بذلك لاحتمال أن يكون من مسموعاته لا من تصنيفه، فقال كما في (٥/ ٣٨٠) عند ذكر حديث: "إذا
_________________
(١) الصلة (١/ ٧٩).
(٢) الغنية (ص: ١١٨).
(٣) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، التكملة (١/ ٤٣)، الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١)، الديباج المذهب (ص: ٤٥)، وشجرة النور الزكية (ص: ١٣٣).
[ ١ / ٧٧ ]
أنشأتْ بَحرِيَّة ثم تشاءَمتْ فتلك عَينٌ غُدَيقَة". "هذا غريب، لا يكاد يوجد في شيء من الأمّهات، وقد رويناه في المنشور عن عائشة مسندًا، وأخبرني الفقيه الحافظ العدل، أبو علي حسين بن محمد الغسّاني، المعروف بالجياني".
ثم أورده بسنده إلى عائشة ﵂، والله أعلم بالصواب.