قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "يميل في فقهه إلى الظاهر" (^١).
قلت: لم يتكلَّم المصنِّف في كتابه هذا عن المسائل الفقهية وترجيحاته إلا نادرًا، بل كان يضير إلى اختياراته إشارة وتلويحًا دون التصريح (^٢)، ومن خلال تتَبُّعي لما أشار إليه من المسائل الفقهية في كتابه تبيّن لي أنَّ المصنِّف كان يميل في فقهه إلى الأخذ بالدليل سواء خالف ما كان عليه المذهب في الديار الأندلسية وهو المذهب المالكي أو وافقه، وصرّح المصنِّف بهذا المنهج الذي اتَّبعه فقال بعد أن رجّح القول بقراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام وهو خلاف ما عليه المالكية كما سيأتي، قال: "والحُجَّةُ قول النبيِّ ﷺ لَا في قولِ مَن سِواه، ومَن انتَهى إلى قولِه وأَمْرِه فقد كَفاه" (^٣).
وهذا المنهج الذي كان عليه المصنِّف تبعه عليه تلامذته، وسأذكر قصة طريفة وقعت لأحد تلامذته مع بعض المتعصّبين لمذهب مالك في الأندلس، قد تعطي لنا تصوّرًا عمَّا كان يجري من خلافات بين القلّدة وبين من كان سبيله وديدنه اتِّباع الدليل، والأخذ. مما كان عليه رسول الله ﷺ دون التقيّد والتقليد لأحد سواه ﷺ.
_________________
(١) الغنية (ص: ١١٨).
(٢) انظر أمثلة ذلك في مبحث: منهجه في الكتاب (١/ ١٥٧).
(٣) انظر: (٣/ ٥١٩).
[ ١ / ١٠١ ]
روى المراكشي بإسناده إلى أبي الحسن بن أحمد بن أبي القوة، عن أبيه قال: "صليتُ وأنا شابٌّ صغير بالناس في قيام رمضان، فسجدتُ بهم لى سورة الحج سجدتين (^١)، فلما سلّمت قال لي رجل من القوم: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. قال: فقلت له: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. فلما كان من الغد ذكرتُ هذا الجواب لأبي العباس بن طاهر الفقيه، وكنتُ حينئذ أقرأ عليه، فأعجبَه واستظرفه وضحك عليه" (^٢).
وسأعرض في هذا البحث بعضَ المسائل التي تكلّم عليها المصنِّف، وأشار فيها إلى مذهبه، لعلّ ذلك ممّا ييسِّر الوقوف على مذهبه الفقهي، علمًا بأنَّ المصنِّف كان من المفتين والفقهاء المشاورين في بلده، وتولى خطّة الشورى، وعُرض عليه القضاء فأبى، كما تقدّم، وكذلك لم يقع لنا من تصانيفه إلَّا هذا الكتاب، وكان له غيره، فلذلك لا يستطيع الباحث الجزم بفقهه ومذهبه الذي كان عليه، إلَّا أنَّ كلامه السابق، وما سيأتي يعطينا صورة واضحة أنَّه كان متجرِّدًا من التمذهب والتعصّب بغير دليل ﵀.
المسألة الأولى: قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والسرية.
رجّح فيها أنَّ المأموم يقرأ الفاتحة خلف إمامه في القراءة الجهرية، واستدلَّ لذلك بعدّة أدلة، وردَّ على قول مالك في ذلك، ثم ذكر أنَّه قول عمر بن الخطاب ومكحول، وختم ذلك بقوله: "والحجَّةُ في قولِ النبيِّ ﷺ
_________________
(١) وهو خلاف مذهب المالكية.
(٢) الذيل والتكملة (١/ ١/ ٧٠).
[ ١ / ١٠٢ ]
لَا في قولِ مَن سِواه، ومَن انتَهى إلى قولِه وأَمْرِه فقد كَفاه، وإنَّما ذيَّلتُه بقولِ عمرَ ومكحولٍ لأُبيِّنَ أنَّه مُتَلقًى بالعمَلِ والقَبول".
وما ذهب إليه المصنف في هذه المسألة هو قول الشافعي والظاهرية وغيرهم (^١).
المسألة الثانية: وجوب التعوّذ من الأربع في التشهد.
ذكر المصنِّف حديت ابن عباس: "كان يُعلِّمهم هذا الدعاءَ كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذابِ جَهَنَّم، وعذابِ القبر، وفِتنةِ الدَّجَّال، وفِتنةِ المحيا والممات"، ثم قال: "خَرَّجه مسلم من طريق قتيبة عن مالك، وقال في آخره: بلغني أنَّ طاوسًا قال لابنِه: "أَدَعَوْتَ بها في صلاتِك؟ ". قال: "لا". قال: "أَعِدْ صَلاتَك"، وليس في هذا الحديث الأمرُ بها في الصلاة، وإنَّما جاء ذلك في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا فَرَغَ أحدُكم من التشهّد الأخِيرِ فليتَعَوَّذ من أَربع … "، وذكرها، خَرَّجه مسلم أيضًا".
فكلام المصنِّف ﵀ يشير إلى أنَّه يرى وجوب التعوّذ من هذه الأربع في الصلاة، وهذا مذهب الظاهرية وطاوس (^٢).
المسألة الثالثة: سجود التلاوة في سور المفصَّل.
ذكر هذه المسألة إثر حديث أبي هريرة: "أنَّ رسول الله ﷺ سجدَ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥١٥، ٥٢٠).
(٢) انظر: (٢/ ٥٥٠).
[ ١ / ١٠٣ ]
ثم أورد طرقًا عن أبي هريرة فيه شهوده أنَّ النبي ﷺ سجد فيها.
ثم ذكر رواية عطاء بن مِيناء عن أبي هريرة: "سجدنا مع رِسول الله ﷺ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وقال: "خَرَّجه أَبو داود، ثم قال: "أَسلَمَ أبو هريرة سنة ست عامَ خيبر"، قال: "وهذا السُّجود من النبيِّ ﷺ هو آخِرُ فعلِه"، قاله بعد أنْ ذَكَرَ حديثَ عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ لَم يَسجُدْ في شيءٍ من المُفَصَّلِ منذ تَحَوَّلَ إلى المدينة"، وهاتان السُّورتَان من الفَصَّلِ، وكذلِك النَّجم، وخَرَّج أيضًا عن عَمرو بن العاصي: "أنَّ رسولَ الله ﷺ أَقْرَأَه خَمسَ عشرةَ سَجدة في القرآن، ثلاثٌ في المفصَّلِ، وفي سورَةِ الحجِّ سجدتان".
وإيراد المصنف لكلام أبي داود ورواية عمرو بن العاص فيه إشارة للرد على مذهب المالكية القائل بأن لا سجود في سور المفصل، وحديث أبي هريرة ظاهر في مشروعيته ووروده في سور المفصل، وهو عمل الخلفاء الراشدين (^١).
المسألة الرابعة: وجوب القبض قبل البيع، وأنَّه لا فرق بين الجُزاف والكيل.
ذكر المصنِّف هذه المسألة إثر حديث: "كنا في زِمَن النبيِّ ﷺ نَبتاع الطعامَ فيبعَثُ علينَا من يَأمرُنا بانتِقَالِه"، ثم قال: "وخَرَّج مسلم من طريق عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنَّا نشتري الطعامَ مِن الرُّكبان جُزافًا فنهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَبيعه حتى نَنقلَه مِن مكانه"، وعن سالم،
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣١٣ - ٣١٦).
[ ١ / ١٠٤ ]
عن أبيه: "أنهم كانوا يُضرَبون على عَهد رسولِ الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جُزافًا أنْ يبيعوه ومكانِه حتى يُحَوِّلوه".
وذِكر المصنِّف لهذه الطرق فيه إثبات لوجوب القبض في الجُزاف والمكيل كما ذهب إليه الجمهور، وفيه رد على المشهور من مذهب المالكية الذين يفرِّقون في القبض بين الجُزاف والمكيل، وأنَّه ما كان مكيلًا وبا فيه القبض، وما كان موزونا لم يجب (^١).
المسألة الخامسة: كلامه في الصرف.
ذكر حديث عمر بن الخطاب ﷺ: "الذهب بالوَرِق ربًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ"، وذَكَر البُرَّ، والتَّمرَ، والشَّعير.
ثم قال المصنِّف: "وذَكَرَ فِى هذا الحديث خمسةَ أصنافٍ، ولم يَذكر المِلْحَ، وشَرَط التأخيرَ في الكُلِّ، ولَم يَذكُر المساواةَ، وهي مُعتبَرَةٌ في كلِّ صِنفٍ منها إذا بِيعَ بعضُه ببعض، والمحفوظ عن الزهري في هذا الحديث: "الذَّهَب بالوَرِق" كما قاَل مالك، وخرَّجه ابن أبي شَيبة عن ابنِ عيينة، عنه ثمَّ قال في آخرِه: شهادتي على ابنِ عيينة أنَّه قال: "الذَّهَب بالوَرِق"، ولَم يَقُل الذَّهَب بالذَّهَب، وهذا هو الصحيحُ في هذا الحديث؛ لأنَّ عمرَ إنَّما أنكَرَ التأخيرَ في بيع الذَّهب بالوَرِق، وإذا لَم يَجُزِ التَّفاضلُ في الصِّنفِ الواحِدِ من هذه الأشياءِ، فبَيْعُ بَعضِها ببَعض مُتساويًا يدًا بيدٍ راجعٌ إلى مَعنى البَدَلِ، وإنَّما التَّأخيرُ مع المساواةِ، فإن قَصَدَ به البيعَ لم يَجُز، وإن كان على وَجْه القَرْضِ جاز" (^٢).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) انظر: (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨).
[ ١ / ١٠٥ ]
هذه بعض المسائل التي تكلّم عنها أو أشار إليها المصنِّف في كتابه، وفي غالبها رجّح المصنِّف قول الظاهرية، مع نصِّه على الدليل المؤيّد لا ذهب إليه، ولم يقلّد في ذلك الذهب المشهور في الأندلس، وهو مذهب مالك، وهذا ما يفسّر قول القاضي عياض المتقدّم، والله تعالى أعلم.