كان أبو العباس الداني على عقيدة السلف ﵏، في كلِّ مسائل الاعتقاد، فقد ذكر في هذا الكتاب جُملًا من المسائل أثبت فيها عقيدته ومنهجه في الاعتقاد، وردَّ من خلال ذلك على بعض الطوائف وإن كان كلّ ذلك على سبيل الاختصار، وأذكر في هذا البحث تلك المسائل التي يتبيّن من خلالها اعتقاده الذي سار عليه، فمن ذلك:
المسألة الأولى: هل يجب النظر والاستدلال على كلِّ مكلَّف.
أورد المصنِّف ﵀ حديث طلحة بن عبيد الله في الرجل الذي جاء
_________________
(١) التكملة (١/ ٤٣). ووقع في الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١): "كان أبو محمد بن [-] القلن". قلت: لعلّه عبد الله بن عيسى الشيباني أبو محمد، من أهل قُلِنّة عمل سَرَقُسْطَة (ت: ٥٣٠ هـ) له ترجمة في الصلة لابن بشكوال (١/ ٢٨٥).
(٢) الذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١).
(٣) تاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٣).
(٤) الإعلام بسنته عليه¬ السلام (٣ /ل: ٣٠/ أ)، و(٣/ ١٥٥/ أ).
[ ١ / ٨٠ ]
يسأل عن شرائع الإسلام، فسأل عن الصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها ثم شهد أن لا إله إلا الله ثم قال: "لا أزيد على هذا ولا أنقص"، وفي آخره قال النبي ﷺ: "أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ".
ثم أورده من طريق ابن عباس وهو أَكْمَلُ الطُّرُق فيه، وأَوْعَبُها مَتْنًا، ثم قال: "وليس في شيءٍ من طُرُقِه أنه سأل النبي ﷺ زَيادةَ بَيانٍ، ولا إِظهارَ مُعجِزَةٍ، ولا إِقَامَةَ بُرهانٍ. وقد قَبلَ منه النبيُّ ﷺ تصديقَه، وشَهِدَ له بمُقْتضَى حقيقةِ الإيمان، كما شَهِدَ للأَمَةِ السوداء التي قال لها: "أين الله؟ " قالت: في السمَاء، وفي هذا دليلٌ على أن مُجَرَّدَ اعتقادِ العَوَامِّ كافٍ لمن هداه اللهُ سبحانَه، وشَرَحَ صدرَه للإسلام" (^١).
قلت: وهذا معتقد السلف ﵏، ومعرفة الخالق ﵎ كائن في فطرة الإنسان، فكلُّ مولود يولد على الفطرة، ولا يوجد إنسان إلَّا وهو يعرف ربَّه ﷿، إلَّا مَن عرض له من أفسد فطرته ابتداءً فهذا يحتاج إلى النظر.
قال ابن الصلاح في معرض كلامه على حديث ضمام بن ثعلبة (أي الذي ذكره المصنِّف): "في هذا الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه أئمة العلماء في أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنَّه يُكتفى منهم بمجرّد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزُلٍ، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنّه ﷺ قرَّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرّف رسالته وصدْقه ﷺ من مناشدته ومجرّد إخباره بذلك، ولم يُنكر عليه قائلًا: إنَّ
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٧٩).
[ ١ / ٨١ ]
الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم، والله أعلم" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغيّر الفطرة وأحوال تعرض لها" (^٢).
قلت: وإيجاب النظر والاستدلال على وجود الله أوجبه المعتزلة والأشاعرة على جميع الخلق (^٣).
وما استدل به المصنف ﵀ ومن بعده ابن الصلاح يردّ على هؤلاء المتكلّمين مذهبهم، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما ينقض هذا المذهب ويبيّن بطلانه، ثم قال: "فتبيّن أنَّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء وجعلوه أصلَ الدين ليس ممّا أوجبه الله ورسوله، ولو قُدِّر أنه صحيح في نفسه، وأنَّ الرسول أخبر بصحته لم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلّة كثيرة … وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنه لا يحصل بها العلم بالصانع ولا بغير ذلك، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول مع مخالفة صريح المعقول، كما
_________________
(١) صيانة صحيح مسلم (ص: ١٤٤، ١٤٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٧٣).
(٣) انظر: الإرشاد (ص: ٣) لأبي المعالي الجويني.
[ ١ / ٨٢ ]
أصاب من سلكها من الجهمية والمعتزلة والكلابية والكرامية ومن تبعهم من الطوائف … "، إلى آخر كلامه ﵀ (^١).