إنَّ الناظر في كتب الأئمة المتقدّمين يجد أنَّهم نهجوا ثلاتة مناهج في التأليف، فبعضُهم يذكر في ديباجة كتابه منهجَه الذي يسير عليه في تأليفه مستوعبًا، كفعل الإمام مسلم ﵀، وبعضهم يذكر منهجًا متوسطًا لا يُسهب في ذكر كلِّ ما اشتمل عليه كتابه، كفعل الترمذي في السنن، وآخرون يدخلون في صلب الكتاب مباشرة دون ذِكر مقدِّمةٍ يشرح فيها منهجه الذي يسير عليه، وإنَّما يتركه لفطنة القارئ وحُسن فهمه، كفعل الإمام البخاري ﵀ في صحيحه.
وأمَّا أبو العباس الداني فقد ذكر في مقدِّمة كتابه منهجه الذي يسير عليه، ولم يستوعب ذكرَ كلِّ الجزئيات والتفاصيل، وإنَّما اكتفى بذكر أهمِّ النقاط في ذلك فقال رحمه الله تعالى:
"الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمّد خاتَم النّبيّين، وعلى آله
_________________
(١) انظر مثال ذلك: (٢/ ٢١، ٦٠ - ٦١، ١١٩)، (٣/ ٤٣٠)، (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).
[ ١ / ١١٧ ]
الطيّبين، والسلام عليهم أجمعين، أما بعد:
فإنِّي أُوميء في هذا الكتاب إلى أحاديث مالكِ بنِ أنس في مُوَطَّئِه، أُترجمُ عنها بذكرِ أطرافِها، وما يدلُّ عليها من مشهورِ ألفاظِها ومعانِيها، وأَذكَرُ أسانيدَها، مختصرًا ما دَلَّ على مواقِعِها فيه، بذِكرِ الكتاب أو تَرجمةِ الباب، وأُشيرُ إلى مواضع الخُلْفِ منهَا؛ بتَعيين النُّكتِ المختلَفِ فيها، وأُنَبِّهُ على القَصَصِ المَنُوطَةِ بها، وأُبَيِّنُ ما أُبْهِمَ من أَسماءِ ناقليها، وأُسْنِدُ مراسِلَها وأَصِلُ مَقْطُوعَها، وأَرفَعُ موقوفَها، وأَتَقَصَّى عِلَلَها وأَجْبُرُ خَلَلَها، وأُوَضِّح ما أَشْكَلَ معناه، وأَنْفِي عنها طُرُقَ التعارضِ والاشتِبَاهِ، وأُذَيِّلُها بنكتٍ لا يستغني المحدِّثُ عنها، وأُحِيلُ في هذا كلِّه إلى الكتبِ المُستَخْرَج ذلك منها، وأَبْنِيهِ على رواية يحيى بن يحيى اللَّيْثي الأندلسي القُرطبي عنه، أُقَدِّم ما رواه مِمَّا انفرَدَ به أو شُورِك فيه، ثم أُتْبِعُ ذلك ما شَذَّ من سائر الرِوايات الواصِلَةِ إلينا، وأَذْكُر رواتَه أو بعضَ رواتِه عن مالك ليَتَّصِلَ سنَدُه بذلك، وأرتِّب الكلَّ على حروف المعجم فيما اشتهرَ به من أسْندَ الحديث إليه من اسْمٍ أو كُنيةٍ، وأُقسِّمه على خمسةِ أقسامٍ:
الأول: في الأسماء خاصة.
الثاني: في الكنى والأنسابِ وسائرِ الألقاب.
الثالث: في النساء.
الرابع: في الزيادات على رواية يحيى بن يحيى الليتي لسائر رواة الموطأ.
الخامس: في الراسل، وأُرَتِّب المراسل على أسماء المرسِلِين في الموطأ من التابعين فمن دونهم، وأنسبُها إلى من أمكن من رواتِها من الصحابةِ في
[ ١ / ١١٨ ]
غير الموطأ، وأَدُلُّ على بعض من أسندَها من أئمّة الحديث في التواليف المشهورة.
وأَذْكرُ المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع، وسائرَ الحديثَ المعلولِ المضاف إلى الصحابة، مع المسند المتَّصِلِ الرفوع الصحيحِ، وأنبِّه على ذلك كلِّه، وأميِّز بعضَه من بعض، وأحِيلُ على مظانّ وجوده إن شاء الله تعالى، وبه أستعينُ، وهو حسبي ونِعم الوكيل".
ومن خلال هذا الكلام الموجز من المصنف يتبيّن لنا أهمُّ النقاط والمواضيع التي سيتناولها كتابُه، وسيأتي ذكرُها مفصَّلةً بذكر يعض الأمثلة لكلِّ فقرة من فقرات المنهج، فمن خلال تتبعي لمنهج المصنف وطريقته في التأليف تبيّن لي أن أقسِّم ذلك إلى عدة مطالب:
المطلب الأول: منهج الصنف في ترتيب الكتاب.
اتَّبع المصنف في ترتيب الكتاب ترتيبًا مفيدًا، فبدأ بحمد لله تعالى، ثم ذكر منهجه في التأليف، وذكر بعد ذلك أسانيده للموطأ رواية يحيى بن يحيى الليثي، وبعدها ذكر نسب النبي ﷺ، ولعل الناسبة في ذكر نسب النبي ﷺ أول الكتاب أمران:
١ - أنَّ مدار الأحاديث كلّها عليه، والأسانيد كلّها تتصل به ﷺ، وهو الأصل في الكتاب.
٢ - أنَّ المصنِّف يذكر أنساب الصحابة في آخر مسانيدهم، فإذا اجتمع أحدُهم في جدِّ من أجداد النبي ﷺ قال: "وفيه يجتمع مع النبي ﷺ"، وتوقّف عند ذلك الجدِّ ولم يذكر مَن بعده، اكتفاءًا بذكرهم يما نسبه ﷺ، وهذا تجنُّبًا للتكرار، والله أعلم.
[ ١ / ١١٩ ]
ثم بدأ بذكر أقسام كتابه، فذكر القسم الأول وهو في الأسماء، ورتّب ذلك على حروف المعجم عند المغاربة، وهي كالتالي:
أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، فى، ذ، ر، ز، ط، ظ، ل، م، ن، ع، ف، ع، غ، ف، ق، س، ش، هـ، و، ي (^١).
فبدأ بحرف الألف، ثم الباء وهكذا.
ولم يراع الصنف في الحروف إلَّا الحرف الأول فقط، فذكر أسامة بن زيد، ثم أنس بن مالك، ثم أبيّ بن كعب، وهكذا سار في جميع الحروف، حيث لم يراع في ذلك إلَّا الحرف الأول، وربّما راعى أفضلية الصحابة مثلا، كما فعل بحرف العين، حيث بدأ بعُمر بن الخطاب ﵁، وفي الكنى بدأ بأبي بكر الصديق، وبعده ذكر أبا أيوب وغيره ﵃، وفي النساء بدأ بعائشة، ثم سار أزواج النبي ﷺ، ثم سائر النسوان مرتِّبًا لهن على حروف المعجم.
فإذا كان الصحابيُّ مكثرًا رتَّب الرواة عنه، فذكر ما لكلِّ راوٍ من الحديث عن ذلك الصحابي، كما فعل في مسند أنس بن مالك، فذكر عدة تراجم:
- إسحاق بن أبي طلحة عن أنس.
- الزهري عن أنس.
- حميد الطويل عن أنس.
_________________
(١) انظر: الذيل والتكملة (١/ ٩/١).
[ ١ / ١٢٠ ]
وفي مسند عبد الله بن عمر، ذكر عدة تراجم:
- أولاد عبد الله بن عمر منهم سالم، وحمزة، وعبد الله، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله.
ولم يراع في ذلك الترتيب على الحروف، والذي ظهر لي أنَّه راعى في ذلك عدّة أمور، منها:
- القرابة بين الصحابي والتابعي (أي الراوي عنه) كما فعل بمسند أنس، فقدّم إسحاق بن أبي طلحة على الزهري، وحميد وغيرهما، وكما فعل في مسند ابن عمر حيث قدّم أولاده على نافع مثلا.
- العلو، كما فعل في مسند ابن عمر، فبعد أن ذكر أحاديث أولاده، وذكر حديث نافع وابن دينار وغيرهما من شيوخ مالك ممّن يروي عن ابن عمر مباشرة، ذكر الأحاديث النازلة، فقال: "الرجلان والثلاثة من مالك إلى ابن عمر"، فذكر عدَّة تراجم، منها:
- يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن واسع بن حبَّان، عن ابن عمر.
- ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمران الأنصاري، عن أبيه، عن ابن عمر.
وقد يراعى أيضًا اشتراك أكثر من راو عن الصحابي، فيبدأ بترجمة المشتركين، ثم يردفها بما انفرد كلٌّ منهم بالرواية عن ذلك الصحابي، وفي مسند أبي هريرة عدة أمثلة، فمن ذلك أنَّه بدأ بترجمة:
سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة، ثم ذكر ما انفرد به
[ ١ / ١٢١ ]
سعيد، وبعده ما انفرد به أبو سلمة، ثم ما اشترك فيه أبو سلمة مع ابن ثوبان، ومع الأغر.
ومنها أيضًا ترجمة الأعرج وعطاء وبسر، ثلاثتهم عن أبي هريرة، ثم ذكر ما انفرد به الأعرج وحده.
وإن كان الراوي عن الصحابي مكثرًا فإنّه يرتّب أحاديثه بحسب الرواة عنه، ولا يراعي يا ذلك أن يرتب الرواة عن التابعي على حروف المعجم، بل قد يراعي مثلًا كثرة الرواية عنه، كما فعل في مسند أبي هريرة ترجمة الأعرج عنه، فذكر أحاديث أبي الزناد عن الأعرج، وهي أكثر أحاديث الترجمة، حيث بلغت ستين حديثًا، ثم ذكر أحاديث محمد بن يحيى بن حبان مع أبي الزناد، عن الأعرج، وهو حديث واحد، وذكره هنا لاشتراك ابن حَبَّان مع أبي الزناد، وبعده ذكر أحاديث محمد بن يحيى بن حبان وحده عن الأعرج، وبعده ذكر أحاديث الزهري عن الأعرج، وهكذا.
فنجد منهج المصنّف يتغيّر من موضع إلى آخر، وذلك بسبب المناسبات واللطائف الإسنادية التي يراعيها، ولا شك أنَّ هذا قد يتعحب القارئ والناظر في كتابه، إلَّا أنَّ مما ييسِّر ذلك أنَّ أحاديث الموطأ قليلة بالنظر إلى كتب الأطراف الأخرى التي جمعت الكثير من الكتب.
ومن الأشياء التي راعاها المصنِّف يما ترتجما كتابه أنَّه يبدأ بالأحاديث المتصلة، وبالأحاديث الصريحة في الرفع، وأمَّا الأحاديث المنقطعة مثلًا فإنَّه يجعلها في آخر مسند الصحابي إن كان مقلًّا، أو يفرد بابًا في ذكر الأحاديث المنقطعة في مسند ذلك الصحابي، كما فعل في مسند عمر بن الخطاب ﵁، وفي مسند ابنه عبد الله، فبعد أن ذكر الأحاديث
[ ١ / ١٢٢ ]
المتصلة، قال: "المقطوع عن عمر"، "المقطوع عن ابن عمر"، ثم سرد الأحاديث المنقطعة.
وكذا بالنسبة للأحاديث التي ليست صريحة في الرفع، أو أنَّها عند يحيى الليثي موقوفة، وقد رويت مرفوعة من طرق أخرى، فإنَّه يؤخِّر ذكرها، أو يجعل لها بابًا خاصًّا في آخر مسند الصحابي، كما قال في آخر مسند أبي هريرة: "من الموقوف على أبي هريرة"، وفي مسند عائشة، فبعد أن ذكر أحاديثه المتصلة قال: "من المقطوع والموقوف لعائشة"، وقد يذكرها في آخر ترجمة التابعي المكثر كما فعل في ترجمة أبي صالح، عن أبي هريرة، فبعد أن ذكر أحاديثه المرفوعة قال: "الموقوف لأبي صالح عن أبي هريرة".
ومن منهج المصنّف أيضًا في كتابه أنَّه يرتِّب الأحاديث في مسند الصحابي على حسب ورودها في الموطأ، فجمع بين ترتيب أحاديث الموطأ على المسانيد، وفي داخل المسند على الأبواب الفقهية، وهي طريقة نافعة، سبقه إليها بعض من صنَّف في المسانيد كبقي بن مخلد الأندلسي.
ومن خلال دراستي للكتاب تبيّن لي عدّة أشياء اتّبعها المصنف في كتابه عمومًا أذكرها في النقاط التالية دون إطالة:
- قسَّم كتابه على الأبواب، وهذه الأبواب تمثِّل حروف المعجم، فيقول مثلًا: بابُ الألف، باب: الباء، وهكذا، ويذكر فيه عددَ الصحابة الذين سيسند أحاديثهم.
- بعد ذِكر صاحب المسند يذكر عدد الأحاديث التي رواها في الموطأ، وإن كانت له أحاديث يرويها عن غيره في الموطأ نبّه عليها، وكذا إن كانت له أحاديث في قسم الزيادات على رواية يحيى الليثي.
[ ١ / ١٢٣ ]
- وإن أفرد أيضًا للتابعي المكثر ترحمةً عن ذلك الصحابي فإنَّه يذكر عدد الأحاديث التي يرويها عنه.
- يرمز للحديث بحرف الحاء (ح) اختصارًا، وهو في النسخة بمداد أحمر عريض (^١).
- ثم يذكر طرَفًا منه، ثم يذكر الكتاب الذي ورد فيه حديث الموطأ، أو يذكر الباب، وقد يجمع بينهما، ثم يذكر الإسناد.
- وقد يبدأ بذكر الإسناد بالنسبة للمكثرين من التابعين أو من دونهم، كترجمة لتلك الأحاديث الواردة.
- وإن كانت عدّة أحاديث بسند واحد فقد يشير لذلك الاسناد بقوله: "وبه"، أي بنفس السند المتقدّم في الحديث السابق (^٢).
- إذا ورد الحديث بإسنادٍ واحدٍ، وهو مركبٌ من حديثين، بعضه لابن عمر مثلًا، وبعضه لبلال، فإنه يذكره في موضعين، مثالُه حديث الصلاة في الكعبة (٢/ ٩٣)، ذكره في مسند بلال، ومسند ابن عمر.
- ينبّه في آخر كلِّ باب (الحرف) على أسماء الصحابة الذين يبتدئ
_________________
(١) وقد يكون هذا الاختصار من الناسخ، واستبدلت حرف الحاء بكلمة "حديث"، وجعلتها بخط مميّز عريض لتتضح وتظهر.
(٢) تنبيه: وقع في حاشية الورقة (١٥٧/ أ) ما نصه: "ح: حيث ما وقع قوله وبه كذا فإنما يعني في هذا الباب، أو في هذا الحديث، الباء بمعنى في لغة أندلسية". اهـ. قلت: لعل الناسخ يقصد بقوله في هذا الباب: أي الإسناد السابق، وهو كالباب للأحاديث الواردة تحته، أما قوله في هذا الحديث فلم يتبيّن لي وجهه، والأظهر ما قدّمت، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٤ ]
اسمهم بذلك الحرف، إذا كانوا مذكورين في قسم من أقسام الكتاب كالكنى، أو المنسوبين، وغير ذلك.
وقد يكون ذلك الصحابي واردًا في قسم الزيادات فينبِّه على ذلك قي باب الحرف الذي يبتدئ به اسم ذلك الصحابي.
- إذا لم يكن في الموطأ من الصحابة من يبتدئ بحرف من الحروف يبيّن ذلك في موضعه اللائق به، وقد يذكر القعسم الوارد فيه ذلك الحرف، فيقول مثلًا: "فصل: ليس في الموطأ من الصحابة من له حديثٌ مرفوعٌ أوّلُ اسمِه ظاءٌ معجمة". "ليس في الموطأ من رجال الصحابة من له حديث مرفوع أوّل اسمه حاءٌ صُرِّح باسمه فيه، وانظر الحاء في الكنى وفي أسماء النساء".
ومن فائدته أن يكون المعتني بالموطأ عالمًا بأسماء الصحابة الذين أخرج لهم الإمام مالك في كتابه.
- يبيِّن في المراسيل عدد أصحابها تحت كلِّ حرف، ويشير إلى ما تقدَّم لهم من الأحاديث المسندة، كقوله: "حرف الألف فيه رجل واحد … وتقدَّم له مسند عن أبي هريرة".
- في آخر القسم الأول وهو في الأسماء ذكر عدد الصحابة الذين ترجم لهم، وعدد ما لهم من الأحاديث، وكذا في آخر قسم النساء ذكر عدد أحاديثهنَّ في الموطأ، ثم ذكر عدد أحاديث الموطأ الموصولة، فالمصنِّف بهذا اعتنى بتعداد أحاديث الموطأ، لذا نجده يذكر بعض الأحاديث المركّبة من إسنادين مثلًا، فيقول: "فيُعدُّ بحديثين".
وهناك بعض النقاط الأخرى اتَّبعها المصنِّف في كتابه، قد تلتحق
[ ١ / ١٢٥ ]
بترتيب الكتاب، وهي كالتالي:
- إذا اشترك صحابيان في حديث أو أحاديث، فإنَّه يذكر تلك الأحاديث والكلام عليها في مسند أحدهما، ويشير إليها في مسند الآخر منهما.
- أكثرَ المصنِّف من ذكر الفصول في آخر كلِّ مسند أو ترجمة، وهذه الفصول تختلف في سياقها، ففي بعض الأحيان يذكر مناقبَ ذلك الصحابي المترجَم له، أو شيئًا من سيرته، وقد يذكر حديثًا قاله النبي ﷺ في شأنه، وفي بعضها الآخر يذكر كلامًا حول راوٍ من الرواة، وهذا بحسب الفائدة التي يراها أولى بالذكر في ذلك الموضع.
- بعد أن يورد المصنِّفُ حديثًا من الأحاديث يجمع في آخره كلَّ الأحاديث ذات الموضوع الواحد الواردة في كتابه، سواء كانت من المسندات أو المراسيل، فيقول: "انظر حديث فلان"، ويذكر الصحابي، أو: "انظره في مرسل فلان"، أو يقول: "تقدّم معناه لفلان"، وهكذا، وبهذا جمع بين بيان أطراف أحاديث الموطأ وجمع أحاديث الموضوع الواحد في مكان واحد.
- إذا كان الصحابي مشهورًا بكنيته دون اسمه، فإنَّه يشير إليه في آخر باب كلِّ حرف يبدأ اسم ذلك الصحابي بذلك الحرف، مثاله أن يقول في آخر حرف الجيم: "أبو ثعلبة اسمه جرهم، ويقال: جُرثوم".
- اعتنى الداني أيضًا ببيان مطابقة الأحاديث للأبواب التي يوردها مالك في الموطأ أو عدم مطابقتها (^١).
_________________
(١) انظر الأحاديث: (٢/ ٣٠، ٣٤ - ٣٥)، (٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢)، وغيرها.
[ ١ / ١٢٦ ]
المطلب الثاني: منهج المصنف من حيث التطويل والاختصار.
ذكر المصنِّف في ديباجة كتابه أنَّه سيومئ فِي هذا الكتاب إلى أحاديث الموطأ، وسمّى كتابه الإيماء، والإيماء هو الإشارة، يُقال: ومأتُ إليه وَمأً وأومأتُ إيماءً أومئ، إذا أشرتُ (^١)، والإشارة تقتضي الاختصار دون التطويل والإسهاب.
ونصَّ المصنف في مواضع عدّة أنَّه راعى في كتابه هذا الاختصار، وذلك إذا أسهب في شرح حديث أو في ذكر علله أو فوائده، كما قال في حديث عمر ﵁: "إن الله ﷿ خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية … "، بعد أن تناوله من جهة الإسناد قال: "وهو مذهب أهل السنة، وإنما تكلمنا فيه من طريق الإسناد خاصة، ولولا شرط الاختصار لذكرنا ما روي في معناه من صحيح الآثار" (^٢).
وذكر أيضًا حديث أبي هريرة في مسألة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، وذكر بعض الآثار المؤيّدة لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات، ثم قال: "ولولا شرط الاختصار لعضدنا هذا المذهب بصحيح الآثار" (^٣).
وذكر أيضًا حديث "كل مولود يولد على الفطرة"، وفيه مسألة مآل أولاد الكافرين وأولاد المؤمنين، ثم قال: "ولولا شرط الاختصار
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ١٤٥).
(٢) انظر: (٢/ ٢٩٨).
(٣) انظر: (٣/ ٣٢٩).
[ ١ / ١٢٧ ]
لتقصَّينا تلك الأخبار، والأصل ما ذكرناه وما صح من الآثار، وقلَّ ما يخالف معناه" (^١).
وسمّاه في بعض المواضع بالمختصر، فقال تحت حديثٍ بعد أن أورد كلامَ بعض الأئمة في عكرمة: "وفي كراهيةِ مالكٍ له، وإدخالِ حديثِه نظرٌ وكلامٌ لا يتَّسِع لبَسْطِه هذا المختصر" (^٢).
ولم يخرج المصنِّف عن هذا المنهج الذي، رسَمَه لنفسه، وذلك واضح جدًّا في كتابه، إلَّا أنَّه اختصار دون إخلال، فكلُّ حديث في الموطأ تُكلّم فيه من جهة إسناده، أو اختلف فيه رواتُه وغير ذلك فإنَّه يذكر ذلك ولا يُهمله، ففي إيراد روايات الموطأ قد يذكر من تابع يحيى مثلًا ويسمِّي بعضَهم، ثم يقول: "وطائفة"، أو "وجماعة"، أو "وغيره"، أو "في آخرين"، إلى غير ذلك من العبارات الدالة على المتابعة والموافقة، وقد لا يذكر إلَّا روايةً واحدة وينبّه أنَّه قد توبع من جماعة، وقد يُبهم الرواة فلا يذكر أحدًا منهم، وإنَّما يكتفي بقوله: "رواه آخرون"، أو "من الناس من يرويه"، أو "عند بعض رواة الموطأ"، وهكذا، كما قال في حديث زيد بن خالد: "ألا أُخبركم بخير الشهداء" قال: "هكذا عند يحيى بن يحيى وطائفة من رواة الموطأ عن أبي عمرة، وقال القعنبي وابن بُكير ومعن في آخرين: عن ابن أبي عمرة" (^٣).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٨٤).
(٢) انظر: (٢/ ٥٦٠).
(٣) انظر: (٢/ ١٦٦).
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال تحت حديث آخر: "وهذا في الموطأ موقوف عن أبي هريرة، ومن الناس من رفعه عن مالك" (^١)، وأمثلةُ هذا الباب كثيرة جدًّا في كتابه.
وفي إيراد الطُّرُق مثلًا قد يورد طريقًا بذكر اسم الراوي، ولا يذكر من تابعه بأسمائهم، وإنَّما يكتفي بقوله: "وغيرُ مالك يرويه كذا"، أو يقول: "هكذا قال مالك وغيره"، أو: "وهكذا قال فلانٌ وغيره".
وأمثلة هذا الباب أيضًا كثيرة، مثاله قوله في حديث "لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد … "، قال: "هكذا قال مالك وغيرُه عن يزيد. والمحفوظ عن أبي هريرة: فلقيت أبا بصرة صاحب النبي ﷺ … هكذا قال فيه يحيى بن أبي كثير وغيرُه عن أبي سلمة عن أبي هريرة" (^٢).
ذكر حديث يحيى بن سعيد أنَّ أبا قتادة قال لرسول الله ﷺ: "إنَّ لي جمّة أفأرجلّها"، ثم قال: "هكذا هو عند ابن يحيى وجماعة عن مالك مرسلًا. وقال فيه القعنبي وطائفة: يحيى بن سعيد عن أبي قتادة. ولفظه عند قراد أبي نوح: قدت: "يا رسول الله، إن لي جمّة … ".
والحديث مع هذا مقطوع، وصله عصر بن علي المقدّمي وغيره عن يحيى بن سعيد عن محمد بن المنكدر عن أبي قتادة، وقال فيه: "فأمره أن يحسن إليها وأن يترجّل كل يوم". خرّجه النسائي، وقال ابن عيينة
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥٥٦).
(٢) انظر: (٢/ ١١١ - ١١٢).
[ ١ / ١٢٩ ]
وجماعة عن يحيى بن سعيد عن ابن المنكدر أن أبا قتادة، مرسلًا" (^١).
وهذا المثال جمع فيه المصنف المنهج الذي اتبعه في بيان الطرق والروايات باختصار.
وهو المنهج الذي سار عليه المصنف في كلِّ موضوعات الكتاب، سواء ما كان منها في التخريج، أم في ذكر الطرق، أو التعليل، أو ذكر فقه الحديث، وسيأتي بيان ذلك كلٌّ في موضعه إن شاء الله، وفي بعض الأحيان يكتفي بذكر طرف الحديث وإسناده وموضعه في الموطأ، وهذا يكثر إذا لم يكن في الحديث أدنى كلام، أو متنه واضح لا تحتاج ألفاظه إلى شرح وبيان (^٢).
وفي بعض المواضع استطرد في شرح الحديث، سواء كان من الناحية الإسنادية أم المتنية، ومن ذلك حديث بسرة بنت صفوان (ل: ١٨٢ / أ - ١٨٦/ ب)، فقد أكثر المصنف في ذكر علله ومسألة الوضوء من مسِّ الذَّكر، وأقوال أهل العلم في الحديث، وما خالفه، وبلغ ذلك (خمس ورقات ذات وجهين) ثم قال في آخره: "وقد أرخَينا في هذا الحديثِ زِمامَ العنان (^٣)، وأطلقنا في ميدانه قَلَم البيان، على أنَّا لم نخرج في ذلك عن طريق الاقتصاد، ولا بلغنا في مدِّ أطنابه كُنْهَ المراد، بَيْدَ أنَّ الكلامَ إذا قَلَّ ودَلَّ اكْتُفي به كيْ لا يُمَلّ".
_________________
(١) انظر: (٣/ ٢١٥ - ٢١٧).
(٢) انظر الأحاديث: (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٣) الزِّمام والعِنان، معنى واحد.
[ ١ / ١٣٠ ]
المطلب الثالث: منهجه في إيراد الأحاديت، والحكم عليها وتعليلها.
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: التخريج:
انتهج المصنِّف في إيراد الأحاديث منهجًا مختصرًا، فالكتاب أصله بيان أحاديث الموطأ، بذكر أطرافها والإحالة إلى مواضعها، ثم قد يُتبعها بأحاديث قد تكون مقيّدةً لحديث الباب، أو مخصِّصةً له، أو تبيّن مجملَه، أو تخالفه، وقد يذكر حديث الباب لكن من طرق أخرى مخالفة لطريق مالك أو متفقة معه، وهكذا، وقد انتهج المصنف في ذلك منهجًا أبيّنه في النقاط التالية:
• يذكر طرف حديث الموطأ ويرمز له بحرف الحاء.
• ثم يذكر إسناده، وقد يكون الإسناد مذكورًا في بداية الباب، وهذا في مسانيد المكثرين خاصة، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، أو مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولا يعيد ذكرَه بعد ذلك.
• يحيل على موضعه في الموطأ، إمَّا بذكر الكتاب والباب، أو بذكر الباب إن كان موضوع الحديث معروفَ الكتاب، أو بذكر الكتاب فقط دون الباب، وإن توالى أكثر من حديث في باب واحد فلا يعيد ذكره، بل يقول: "في الباب"، وهكذا.
• بالنسبة للأحاديث التي يوردها المصنِّف من خارج الموطأ، فإنَّه يعزوها إلى بعض مخرّجيها، ولا يكثر من ذكر من خرّجها، بل يكتفي في ذلك على مصدر أو اثنين، وقد يزيد، فيقول: "وخرّج البزار"، "خرّج
[ ١ / ١٣١ ]
في الصحيح، أو الصحيحين"، "خرّجه البخاري"، "خرّجه الترمذي وأبو داود"، وهكذا.
• من الأشياء المُلاحظة في منهج المصنِّف أنَّه يعزو في كثير من الأحيان الأحاديث إلى مصادر نازلة، وهي في العالية، كأن يعزو الحديثَ إلى البزار أو غيره كأصحاب السنن، وهو مخرّج في أحد الصحيحين بالسند والمتن المذكور، ومن خلال تتّبعي لتلك الأحاديث تبيّنت لي عدّةُ أسباب، أجْمِلُها فيما يأتي مع ذكر أمثلة عليها.
أ- قد يعزو للكتاب النازل دون العالي إذا كان في النازل فائدة، كأن يقترن بالحديث كلامٌ لصاحب الكتاب أو غيره، فيه تعليل، أو زيادة بيان، أو إيضاح إشكال، وغير ذلك، ومثال ذلك أنَّه ذكر أحاديث سجود النبي ﷺ في المفصّل، وأورد حديث أبي هريرة من رواية عطاء فقال: "وقال في روايةِ عطاء بن مِيناء: "سجدنا مع رسولِ الله ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. خَرَّجه أبو داود، ثم قال: "أَسلَمَ أبو هريرة سنةَ ستٍّ عامَ خيبر"، قال: "وهذا السُّجود من النبيِّ ﷺ هو آخِرُ فعلِه".
وحديث عطاء بن ميناء عند مسلم في صحيحه (^١).
ومثاله أيضًا في إزالة الإشكال حديث: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة"، عزاه للطحاوي في شرح الشكل، وهو في صحيح مسلم
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣١٤).
[ ١ / ١٣٢ ]
بإسناده ومتنه (^١)، إلَّا أنَّ كتاب الطحاوي تميَّز برفع الإشكال عن الأحاديث التي ظاهرها التعارض.
ب- قد يذكر حديثًا قبل هذا الحديث المعزو للنازل، ويكونان في موضوع واحد ومصدر واحد، فيكتفي بذكر ذاك المصدر، ولا يعزوه للعالي، مثال ذلك قوله: "وروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر بمعنى حديث الموطأ مشكوكًا في رفعه. خرّجه أبو داود.
وخرّج أيضًا من طريق عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه"".
فالحديث الثاني - حديث أبي هريرة - عند البخاري في صحيحه (^٢).
ج- أنَّه قد يذكر جملة من الأحاديث، ثم يجمل تخريجها ويعزوها إلى كتاب واحد، وبعض هذه الأحاديث مخرّج في الصحيح، ومثال ذلك قوله: "روى ابن عباس: "أنَّ النبي ﷺ نهى أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه"، وفي حديث أنس: "أنَّ النبي ﷺ كان يتنفّس في الإناء ثلاثا، ويقول: هو أمرأ، وأروى"، ومعناه أنه كان يقطع شربه، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تشربوا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث".
والكلُّ في كتاب الترمذي".
قلت: وحديث أنس عند مسلم (^٣).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٣٥٢).
(٢) انطر: (٢/ ١٣١ - ١٣٢).
(٣) انظر: (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣).
[ ١ / ١٣٣ ]
د- أنَّه قد يخرّج الحديث من حفظه، فيعزوه للنازل دون العالي، ومثال ذلك قوله: "وقوله: "فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم"، خرّجه البزار من طريق شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلّى".
قلت: والحديث عند البخاري في صحيحه (^١).
وقوله أيضًا: "وروى عروة عق عائشة أنها قالت: أهللت مع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بعمرة فكنت ممّن تمتّع ولم يسق الهدي. قال: فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة فقالت للنبي ﷺ: هذا يوم عرفة ولم أطهر بعد، وكنت تمتّعت بالعمرة فقال لها: "أَهِلّي بالحج واسكتي عن العمرة. خرّجه قاسم من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عنه".
قلت: والحديث عند البخاري في صحيحه (^٢).
ولا يُستبعد أن يَرِد هذا من المصنِّف أعني تخريجه الأحاديث من حفظه، فقد قال في ديباجة كتابه: "ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائر الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيد الكتب التي خرّجت منها ما أَحلْتُ في هذا الكتاب عليه اختصارًا واكتفاء بشهرتها، ولأنِّي إنما ذكرت ذلك على طريق الاستشهاد، وأكثره على المعنى على حال ما تذكّرته، وبالله تعالى التوفيق".
_________________
(١) انظر: (٢/ ٩١).
(٢) انظر: (٣/ ٨٣).
[ ١ / ١٣٤ ]
فمن هذا يتبيّن أنَّ المصنّف كان من الحفاظ، وما وقع فيه من عزوٍ للنازل دون العالي قليل بالنسبة لمادة الكتاب، وهذا يزيد في بيان منزلته ورفعة مكانته، والله أعلم.
المسألة الثانية: الحكم على الأحاديث وتعليلها:
اعتنى أبو العباس الداني ﵀ في هذا الكتاب بذكر العلل، ودراستها، وذكر أقوال أهل العلم في ذلك.
والناظر في كتابه هذا يُلاحظ أنَّ الكتاب وُضع لهذا الشأن، فلا يكاد يمرُّ حديث من الأحاديث فيه علّة ما، قادحة أو غير قادحة إلَّا ويذكر المصنِّف تحته ما خالفه، وقول أهل العلم في الترجيح بين ذلك، وقد ذكر في ديباجة كتابه أنَّه سيعتني بذكر العلل فقال: "وأَتَقَصَّى عِلَلَها وأَجْبُرُ خَلَلَها"، وقد استفاد المصنِّف في ذلك من الإمام في علم العلل الإمام الدارقطني ﵀، فكثيرًا ما ينتهج منهجه في ذلك -مع الاختصار- ويحذو حذوه في ذكر العلّة، وبيان الراجح من الأحاديث والطرق، ومع ذلك لم يَخل كتابه من الردِّ عليه في بعض المواضع، كما أنَّه ذكر تعليل الأحاديث عن أئمة آخرين غير الإمام الدارقطني، ولم يكتف أيضًا بذكر الطرق المخالفة لحديث مالك، بل ذكر أيضًا الاختلاف بين أصحاب مالك، وسأذكر في هذه النقاط منهج المصنِّف في كلِّ ذلك بشيء من الاختصار؛ لوضوحه وبروزه في الكتاب.
• يورد الأحاديث التي خولف فيها مالك ﵀، فيذكر المخالفين، مع عدم إهماله ذكر الموافقين له في روايته، ويبيّن الراجح من هذه
[ ١ / ١٣٥ ]
الروايات، سواء رواية مالك أم غيره، مثال ذلك:
- ذكر حديث أبي بَصرة الغفاري ﵁: "لا تعمل المطي إلَّا إلى ثلاثة مساجد وفيه: "فلَقِيتُ بَصرةَ بن أبي بَصرةَ الغِفاريِّ فقال: من أينَ أقبلتَ؟ ".
قال: "هكذا قال مالك وغيرُه عن يزيد. والمحفوظ عن أبي هريرة: "فلقيتُ أبا بصرة صاحبَ النبيِّ ﷺ "، هكذا قال فيه يحيى بن أبي كثير وغيرُه عن أبي سلمة عن أبي هريرة" (^١).
- وأورد حديث: "أفضلُ الصلاةِ صلاتكم في بيوتِكُم إلَّا المكتوبة".
ثم قال: "أوقفه مالكٌ في الموطأ، ورفَعَه أبو مُسهر عبد الأعلى بنُ مُسهر، عنه، ورواه موسى بن عقبة، وجماعةٌ عن أبي النضر مرفوعًا. قال الدارقطني: "وهو أصح"، خُرِّج في الصحيحين مرفوعًا مطوّلًا" (^٢).
• اعتنى المصنِّف أيضًا ببيان علل رواية يحيى بن يحيى الليثي، وبيّن أيضًا التصحيفات التي وقع فيها، ومخالفته للرواة، وذَكَر الراجح من الروايات سواء كان ذلك في المتون أم في الأسانيد، وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها:
- ذكر حديث زيد بن خالد في كيفية صلاة النبي ﷺ صلاة الليل، وفيه: "فقام رسولُ الله ﷺ فصَلَّى ركعتين طويلَتين طويلتين طويلتين".
_________________
(١) انظر: (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٢) انظر: (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
[ ١ / ١٣٦ ]
ثم قال: "خالفَ يحيى الجماعةَ في مساقه، والابتداءُ عند سائر رواة الموطأ بركعتين خفيفتين، وهو المحفوظُ في هذا الحديث" (^١).
- أورد حديثًا في إسناده مجاهد بن جبر ثم قال: "قال يحيى بن يحيى في سنده: "مجاهد بن الحَجَّاج"، وهو تصحيفٌ؛ وإنَّما هو مجاهد بنُ أبي الحَجاج مُكَنًّى غير منسوبٍ، وهكذا عند سائرِ الرواة. وهو مجاهد بن جَبر، ويُقال: ابن جُبير، يُكنى أبا الحجاج" (^٢).
- أورد حديث زيد بن خالد في الرجل الذي غلَّ يوم خيبر فقال: "عن يحيى بن سعيد، عن محمّد بن يحيى بن حَبَّان: أنَّ زَيدَ بنَ خالد قال: "تُوفي رجُلٌ … "، وذكره. هذا مقطوعٌ عند يحيى بنِ يحيى، لَم يَذْكر فيه بين محمّد بنِ يحيى، وبين زيد بنِ خالد أَحدًا، ووصَله سائرُ رواةِ الموطأ، إلَّا أنَّهم اختَلفوا في أبي عَمْرَةَ، وابنِ أبي عَمْرة … وقال يحيى بنُ يحيى في متنِه: يومَ حُنَيْن، وعند جمهورِ الرواة: خَيْبَر، وهو الصواب، يؤيّدُه ما جاء فيه من ذِكْرِ خَرَزَات اليهودِ، وهم أهلُ خيبر" (^٣).
- أورد حديث: "إذا أصاب ثوب أحداكنَّ الدم … "، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر، ثم قال: "هكذا وقع في كتاب يحيى بن يحيى: هشام بن عروة، عن أبيه، وقوله فيه: عن أبيه، وهَم انفرد به، ولم يُتابَع عليه، وإنما رواه هشام عن
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٢) انظر: (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٣) انظر: (٢/ ١٦٨ - ١٧٠).
[ ١ / ١٣٧ ]
فاطمة، وهي زوجته وابنة عمِّه المنذر" (^١).
- ذكر حديث. "قدم رجلان من المشرق فخطبا … "، ثم قال: "انفرد يحيى بن يحيى بإرسال هذا الحديث، وهو عند القعنبي وسائر الرواة لزيد بن أسلم، عن ابن عمر، أسنده البخاري عن التنيسي، عن مالك" (^٢).
• اعتنى المصنِّف أيضًا بوصل الأحاديث المنقطعة في الموطأ والمرسلة والموقوفة من طرق صحيحة، تنجبر بها أحاديث الإمام مالك ﵀، ومن ذلك:
- ذكر حديث سالم عن جدِّه عمر بن الخطاب: "أنَّ رسولَ الله ﷺ كان وأمرُ بالغُسل". ثم قال: "وهذا مقطوعٌ في الموطأ، ووَصَلَه خَارِجَهُ جماعة عن مالك، قالوا فيه: سالم، عن أبيه، عن عمر. خرّجه البخاري هكذا عن جُوَيْرِيَة، عن مالك. قال الدارقطني: وهو الصواب" (^٣).
- ذكر أيضًا حديث عمر بن أبي سلمة وقول النبي ﷺ له: "سَمِّ الله وكُلْ مِمَّا يَليكَ". ثم قال: "عن أبي نُعيم وَهْب بن كَيسان قال: "أُتيَ رسولُ الله ﷺ بطعامٍ ومعه رَبيبُه عمر بن أبي سلمة … ظاهرُه الإرسالُ في الموطأ، وهكذا خَرَّجَه البخارَيُّ من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وانتَقَدَ ذلك الدارقطني في كتاب الاستدراكات، وقال: أَرْسَلَه مالكٌ في الموطأ، ووَصَلَه عنه خالدُ بنُ مَخلد ويحيى بن صالح وهو صحيحٌ متَّصِلٌ.
_________________
(١) انظر: (٤/ ٢٤١).
(٢) انظر: (٤/ ٥٤٦)، وانظر أمثلة أخرى في: (٢/ ٢٤٣، ٣٢١، ٣٥٧، ٤٤٣، ٤٨٧، ٥٠٣)، (٣/ ٦١، ٦٥، ٩٧، ١٤٣، ١٥٦، ١٨٨، ٢٠٤، ٥٢٥)، وغيرها.
(٣) انظر: (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
قال الشيخ أبو العبّاس ﵁. وخَرَّجه الجَوهَرِيُّ في المسند والطحاوي في المُشكل من طريق خالد بن نحلد وقالا فيه: عن مالك، عن أبي نُعيم، عن عمر، وقال ابن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن وهب سمعه من عمر، خُرِّج في الصحيح" (^١)
- ذكر حديث: عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة: أنَّ امرأة كانت تُهراق الدماء … "، ثم قال: "هذا مقطوع، رواه الليث وجماعة عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة" (^٢).
• وإذا لم يكن في الموطأ تصريح بالسماع فإنَّه يورد الطرق الأخرى المصرّح بها بالسماع، ومن ذلك:
- أورد حديث: "إذا جاء أحدُكم الجمعةَ فليغتَسِل"، ثم قال: "ليس في هذا الحديث أنَّ ابنَ عمر سَمِعَه من النبيِّ ﷺ، وهكذا خَرَّجه البخاري عن مالك. وذَكَرَ فيه اللَّيثُ، عن نافع، عنه سَماعَه منه، خَرَّجه مسلم" (^٣).
- وأورد أيضًا حديث: "خَمْسٌ من الدَّوابِّ ليس على المُحرِمِ في قتلهِنَّ خنَاحٌ"، ثم قال: "لَم يَذكر مالكٌ في هذا الحديثِ أنَّ ابن عمر سَمعه مِن رسولِ الله ﷺ، وتابعه حماعةٌ. وذَكَرَ السَّماعَ ابن جريج، عن نافع، وتابعَه محمّد بن إسحاق، خَرَّجه مسلم عنهما. والحديث محفوظٌ لابن عمر" (^٤).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤).
(٢) انظر: (٤/ ٢٠٧).
(٣) انظر: (٢/ ٣٧٤).
(٤) انظر: (٢/ ٣٩١).
[ ١ / ١٣٩ ]
• عند ذكر المخالفة لا يكثر من إيراد الطرق، وإنَّما يشير إليها إشارة، كأن يقول: "وتابعه جماعة"، أو "رواه فلان وغيره"، أو "وغير مالك يرويه كذا"، وهكذا، كما تقدّم في حديث أبي بصرة الغفاري (^١).
• وقد يشير إلى الاختلاف ولا يذكر أوجه الخلاف ولا الطرق، ومثال ذلك:
- قوله: "هذا الاسنادُ هو الصحيحُ، واختُلِف فيه على الزهري" (^٢).
- وقوله: "وذَكَرَ الطيالسيُّ خلافًا في سَنَدِه" (^٣).
• وقد يذكر في حديث أنه معلول ويسكت عن ذكر العلَّة، ومثاله:
قوله: "خرَّجه قاسم والبزار بإسناد معلول" (^٤).
- وقوله: "وقد رُوي عن أنس وابن عبّاس: "خمس وستون"، خرَّجه ابنُ أبي خيثمة عن أنس، والبزار عن ابن عبّاس، وكل ذلك معلولٌ" (^٥).
• وقد يذكر العلّة ويبيّن وجهها، ومثال ذلك:
- قوله: "قولُ مالك في عَبَّاد بن زِياد: وهو من وَلَدِ المغيرة بن شعبة، وَهَمٌ انفَرَدَ به، وقد انتُقِدَ عليه، وإنَّما هو عَبَّاد بن زِياد بنِ أبي سُفيان، معروفُ النَّسَبِ، وليس بوَلَدِ المغيرة، قاله مسلمٌ وغيرُه. وقولُه: عن
_________________
(١) وانظر أيضًا: (٢/ ٩٩).
(٢) انظر: (٢/ ١٩٩).
(٣) انظر: (٢/ ٣١٨).
(٤) انظر: (٢/ ٦٧).
(٥) انظر: (٢/ ٧٦).
[ ١ / ١٤٠ ]
أبيه، زيادةُ وَهَمٍ انفَرَدَ بها يحيى بنُ يحيى والموطأ، وتابَعَه خَارِجَهُ طائفةٌ، منهم: ابنُ مهدي قال فيه عن مالك: عبَّاد بن زِياد رَجُلٌ من وَلد المغيرة بن شعبة، عن أبيه المغيرة. وأَظُنُّ الوَهَمَ دخلَ فيه بِأَنْ سَقَطَ لمالكٍ من الإسنادِ كلمةُ "عن" بين عَبَّاد ورَجُل، فحَدَّثَ به كذلك. والحديثُ على هذا مقطوعٌ. وقد ثَبتت كلمةُ عن عند رَوْح بنِ عُبادة قال فيه: عن مالك، عن الزهري، عن عَبَّاد، عن رجل من ولد المغيرة، عن أبيه المغيرة. وقال الدارقطني: إِنْ كان رَوْحٌ حَفِظَهُ عن مالك هكذا فقد أَتَى بالصواب عن الزهري، والصحيحُ عنه: عَبَّاد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة، هكذا قال أبو الحسن" (^١).
- وقوله: "وهذا السند معلولٌ؛ لأنَّ الشيخَ مجهولٌ" (^٢).
- وذكر حديث ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللّيثي، عن أبي أيوب. ثم قال: "سَمِعَه عطاءٌ من أبي أيوب في غَزوة يزيد بن معاوية، قاله مسلم في التمييز، وذَكَرَ أنَّ عُقيلًا وَهِم فيه عن الزهري فقال: عطاء، عن أُبَيِّ بن كعب، وأَبعَدَ ذلك؛ لأنَّ أُبَيًّا مات في أوّلِ خلافةِ عُثمان، ولم يُدرِكه عطاءٌ. ولعلَّ عُقيلا سَقَطَ من كتابِه أيوب فصحَّف كلمةَ أَبِي بأُبَيٍّ، ثم نَسَبَه" (^٣).
• وإذا روي الحديث من عدّة أوجه، فإنَّه قد يذكر تلك الأوجه
_________________
(١) انظر: (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٤).
(٢) انظر: (٢/ ١٩٦).
(٣) انظر: (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).
[ ١ / ١٤١ ]
ويشير إلى رواتها، ومثال ذلك:
- أنَّه أورد حديث البراء بن عازب في ما لا يجوز من الضحايا ثم قال: "عن عَمرو بن الحارث بن يعقوب، عن عُبيد بن فَيْروز، عن البراء. هذا مقطوع. رواه عَمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن عبد الرحمنِ الدّمشقي، عن القاسم مولى خالد بن يزيد بن معاوية، عن عُبَيد بن فيْروز قال: سألت البراء. ورواه اللَّيثُ بن سعد، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم مولى خالد، عن عبيد. وقيل لليث: إنَّ شعبة يروي عن سليمان أنَّه حمع هذا الحديث من عبيد بن فيروز. فقال الليث: لا؛ إنما حدّثنا به سليمان، عن القاسم مولى خالد بن يزيد، عن عبيد. ذكره عليُّ بن المديني في العلل بشواهده وقال: الحديث حديث الليث. وخرّج الترمذي هذا الحديثَ من طريق محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد. ومن طريق شعبة عن سليمان، عن عُبيد، ولم يذكر فيه القاسم وقال: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نعرفه إلَّا مِن حديث عُبيد بن فيروز، عن البراء" (^١).
• اعتنى أبو العباس الداني ﵀ بنقل كلام أهل العلم في تعليل الأحاديث، وأكثر في ذلك عن الإمام الدارقطني الإمام في علم العلل، ونقل عنه في مواضع كثيرة جدًّا، وكان النقل من كتب مختلفة، كالعلل، والأحاديث التي خولف فيها مالك، والتتبع، والإلزامات، وكذا نقل عن غيره وتقدّمت بعض الأمثلة في ذلك، كعلي بن المديني، والذهلي،
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٠٤ - ١٠٨).
[ ١ / ١٤٢ ]
والبخاري، ومسلم، والترمذي والبزار، والساجي وغيرهم، في كتبهم المصنَّفة في العلل والسنن وغير ذلك، وكان يوافقهم في كثير من الأحيان.
• ومع نقله عن هؤلاء الأئمة الأعلام، إلَّا أنَّه كان في نقله ناقدًا في بعض المواضع، وردَّ بعض أحكامهم إن كانت مخالفة للصواب، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا، ومنها:
- ذكر حديث أنس: "نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي … "، ثم قال: "قال أبو مسعود الدِّمشقي: قال فيه مالك: فقيل: يا رسول الله وما تُزهي؟ ويُروى أنه غلط. وذكر الدارقطني أنَّ جماعةً خالفوا مالكًا فقالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة …، جَعَلُوه مِن كلام أنس.
قال أبو الحسن: وهذا هو الصواب، قال: ومالكٌ جعل هذا الكلامَ من قول النبي ﷺ ولا يَثبت".
ثم قال أبو العباس الداني: "انتهى قولُه، ولا يَلزَمُ قَبُوله مِن أَصْلِهم: إنَّ زيادةَ العدلِ الحافظِ مقبولةٌ، وكفى بمالك" (^١).
- ذكر أيضًا حديث: "مثل العائد في هبته"، ثم قال: "ذَكَر البزار أنَّ جماعةً رووه عن زيد بنِ أسلم، عن أبيه، ولم يَذكُر أَحَدٌ منهم المَثَلَ غيرُ مالك. وليس كما قال البزار، قد تابَع مالكًا في ذلك خارجةُ بنُ مُصعَب، خَرَّجه الطيالسيُّ" (^٢).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٥٨ - ٦١).
(٢) انظر: (٢/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٤٣ ]
- ذكر حديث ابن عمر: "الدينار بالدينار .. "، ثم قال: "وقال فيه ابن عمر: "هذا عَهْدُ نبِيِّنا إلينا"، وذلك يُوهِم سماعَه منه، وهو لَم يسمعْ العهدَ، وإنَّما أخبرَه به أبو سعيد الخُدري … ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أراد بقوله: "هذا عَهْد نبيّنا إلينا"، أنَّه عَهِدَ به إلى جُملةِ أصحابِه، وهو منهم، فيتناولُه العهدُ وإن كان غائبًا في حينِ الأَمر.
وقال الدارقطني: ليس هذا القول بِمحفوظٍ. قال: ولعلَّه أراد هذا عَهدُ صاحبِنا إلينا، يعني عمر. وذَكَرَ أنّ نافعًا رواه عن ابن عمر عن عمرَ قولَه موقوفًا عليه. وهذا في الموطأ. وقولُ أبي الحسن تَعَسُّفٌ" (^١).
- وذكر حديثًا من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: "رأى رجلًا يسوقُ بدنةً فقال: ارْكبها … ".
ثم قال: "خرّج في الصحيح عن مالك بهذا الإسناد. وقال زكريا بنُ يحيى الساجي في كتاب الضعفاء: "وهِمَ مالكٌ فيه، إنَّما هو أبو الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، كذلك رواه الثوري وابنُ عيينة وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرُهم"، قال: "ولا يَعْرَى أحدٌ من الخطأ". انتهى قولُه. وقال الدارقطني في العلل: "يُشبه أن يكون القولان محفوظَين عن أبي الزِّناد. قال: وزَعَمَ الواقديُّ أنَّ مالكًا وَهِم في إسنادِه، وقد تابعه جماعةٌ ثقاتٌ منهم موسى بنُ عقبة وغيرُه".
قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وخَرَّج البخاري في الصحيح
_________________
(١) انظر: (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩).
[ ١ / ١٤٤ ]
حديثَ: "لا تصوم المرأةُ بغير إِذن زوجِها … " لأبي الزِّناد من الطريقين معًا، وهذا يؤيِّدُ ما ذهب إليه أبو الحسن، والله أعلم" (^١).
والأمثلة في هذا كثيرة، وإنّما اكتفيت ببعضها خشية الإطالة (^٢).
• كما أنَّ المصنِّف ﵀ اعتنى ببيان أوجه الترجيح، كأن يكون الحديث مخرَّجًا في الصحيحين، أو أنَّ الرواية الراجحة هي رواية الأكثر أو الأحفظ، أو أنَّها رواية القريب عن قريبه، ومثال ذلك:
- أورد حديث ابن عمر ﵁: "دَعْهُ فإنَّ الحَيَاءَ من الإِيمان"، ثم قال: "أَرْسَله بعضُ الرُّواة، والأَصَحُّ إسنادُه عن الزهري، وقد خُرِّج في الصحيح" (^٣).
- ذكر حديث ابن عمر: أنَّ عمر كانت تصيبه الجنابة … "، ثم أورد الاختلاف فيه على ذلك وغيره، ثم قال: "والصحيحُ قول من قال فيه: أنَّ عمر، ولم يُسنِده إليه، قاله الدارقطني، وهكذا خُرِّج في الصحيح" (^٤).
- ذكر حديث: "لا تَبْقَيَنَّ في رَقَبَةِ بعيرٍ قِلادةٌ … ". ثم قال: "عن عبد الله بن أبي بكر بن حَزم، عن عَبَّاد بن تَمِيم، عن أبي بَشير. هكذا خُرّج في الصحيحين، وزعم محمد بن عمر الواقدي اْنَّ مالكًا وَهِم فيه،
_________________
(١) انظر: (٣/ ٤٠٠ - ٤٠١).
(٢) انظر أمثلة أخرى في: (٢/ ٢١، ١١٩، ١٢٩، ١٣٨، ١٨٧، ٢٢٢، ٣٤٣ - ٣٤٤)، وغيرها مِمَّا سيأتي في ثنايا الكتاب.
(٣) انظر: (٢/ ٣٤٥).
(٤) انظر: (٢/ ٤٦٧ - ٤٧١).
[ ١ / ١٤٥ ]
وأنَّ عبد الله بن أبي بكر رواه عن أبيه، عن أبي بَشير. قاله الدارقطني، ولَم يُصَوِّبه ولَا خَطَّأَه، ولا احتجَّ لَه ولَا عليه" (^١).
- أورد حديث: "ما بَينَ بَيتِي ومِنبَرِي"، وحديث: "سَبعةٌ يُظلُّهم اللهُ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه … ". من طريق مالك عن خُبَيب بن عبد الرّحمن الأنصاري، عن حَفص بن عاصِم، عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، على الشك ثم قال: "ورَوى الحَديثَينِ معًا عُبيد الله بن عمر العُمري، عن خالِه خُبيب بن عبد الرّحمن المذكورِ، عن جَدِّه حَفص بنِ عاصم بن عمر، عن أبي هريرة وحده. خُرِّج هذا في الصحيح، وهو المحفوظُ، تابع العُمريَ في ذلك جماعة" (^٢).
• واعتنى المصنِّف أيضًا بالجمع بين الطرق التي ظاهرها التعارض والاختلاف، كأن يكون الحديث مرويًّا من طرق عدة، وكلّها صحيحة، خاصة إذا كانت في الصحيحين أو أحدهما، ومثال ذلك:
- ذكر حديث ابن عمر: "إنَّما سنةُ الصلاةِ أن تَنْصِبَ رِجلَكَ اليُمنى وتُثنِيَ رِجلَكَ اليُسرى"، من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عنِ عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ثم قال: "ظاهرُه الوَقفُ، وخرَّجه البخاري في المسند الصحيح … وقال اللَّيثُ، والثوري، وابن عيينة، وغيرُهم في هذا الحديث عن يحيى، عن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله: أنَّ أباه قال: "مِن سنَّة الصلاةِ"، وساقَه، ذكره الدارقطني.
_________________
(١) انظر: (٣/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) انظر: (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
فالحديت على هذا مرويٌّ من طريقين" (^١).
- أورد حديث أبي هريرة: إذا صلّى أحدُكم ثمَّ جَلَسَ فِي مصلَّاه لَم تزلِ الملائكة تُصَلِّي عليه"، ثم قال: "هكذا هو في الموطأ موقوفٌ، ورَفَعَه الوليد بنُ مسلم، وإسماعيل بنُ جعفر وغيرُهما خارِجَه، عن مالك. قال الدارقطني: ورَفْعُه صحيحٌ، إلَّا أنَّ مالكًا وقَفَه فى الموطأ" (^٢).
وأمثلة هذا الباب كثيرة أيضًا.
• ومن منهج المصنِّف أنه أطلق على الوجه الراجح عدَّة إطلاقات، فمرة يقول: "وهو المحفوظ"، أو "وهذا أصح"، أو "وهو الصواب"، أو "هذا الإسناد هو الصحيح"، وغير ذلك (^٣).
• كما أنَّه أطلق على الوجه المرجوح عدَّة إطلاقات، كقوله: "لم يُتابع على ذلك"، أو "فيه نظر"، "وهذا غير ثابت"، "ليس بمحفوظ"، "غلط انفرد به ولم يتابعه عليه أحد"، "وهو غلط لم يُتابع عليه"، وغير ذلك (^٤).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٦).
(٢) انظر: (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
(٣) انظر مثلًا: (٢/ ١١٢، ١٣٠، ١٦٥، ١٦٦، ١٧٠، ١٩٩، ٣٤٥، ٣٦٤)، (٣/ ٢٣٢، ٥٢٥)، (٤/ ١٧٧).
(٤) انظر مثلًا: (٢/ ١٨٢، ٣١١، ٤٧٨)، (٣/ ١٤٣، ٢٠٤).
[ ١ / ١٤٧ ]
المطلب الرابع: منهجه في بيان غريب ألفاظ الحديث، وضبط مفرداتها، وبيان معانيها:
اعتنى الداني ببيان الألفاظ الغريبة بإيضاحها وذكر معانيها أو ضبط ألفاظها، وانتهج لى ذلك منهجين، فإمَّا يشرحها بنفسه، أو يذكر شرح من سبقه من علماء العربية والغريب، ولم يكتف في ذلك بذكر مفردات الموطأ فقط، بل يشرح الألفاظ في الأحاديث التي يوردها من مصادر أخرى غير الموطأ إن احتاجت إلى شرح وبيان، ومن أمثلة ذلك قوله:
- "قال أبو ذر عبد بن أحمد: بَيْرَحاء اسمان جُعلا اسمًا واحدًا وبُنيَا على الفتح، مثل رام هرمز. أخبرني به أبو عليّ الجيّاني والصدفي عن أبي الوليد الباجي عنه" (^١).
- وقوله: "قباء من جملة العوالي. وقال مالك في المدوّنة: العوالي من المدينة على ثلاثة أميال. وحكى البخاري عن الليث عن يونس قال: بُعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة. وقال ابن وضاح: بين قباء والمدينة نحو ممن ثلاثة أميال" (^٢).
- وقوله: "البياضي اسمُه: فَروة بن عَمرو بن وَدْقَة بالدال المهملة، والوَدْقة: الروضَةُ النَّاعمة" (^٣).
- وقوله: "قال الخليل وغيرُه: النَّاضِحُ: الجمل يُسقَى عليه" (^٤).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٣٩).
(٢) انظر: (٢/ ٥٦).
(٣) انظر: (٣/ ٥٧١).
(٤) انظر: (٣/ ٥٩٢).
[ ١ / ١٤٨ ]
- وقوله: "والسَّوِيق: الحبُّ يُقلَى ثمَّ يُطحَنُ وقد يُلَتُّ بالسَّمنِ وغيرِه" (^١). إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة قي هذا الباب.
المطلب الخامس: منهجه في علم الرجال والجرح والتعديل.
اعتنى المصنِّف ﵀ بعلم الرجال، والجرح والتعديل، وأورد في كتابه هذا فوائد عدّة، وتكلّم على رواة كثيرين، في مختلف أبواب علم الرجال، فبيّن المتفق والمفترق، والكنى، والأنساب، والصحابة، وغير ذلك، فكان كتابه هذا شاملًا لعدّة أنواع من العلوم، كما أنَّه نقل كلام أئمة في الرواة مِن كتُبٍ تُعدُّ ممّا فُقد من تراث المسلمين، كالتاريخ للنسائي، والضعفاء للساجي، وغير ذلك، وسأذكر في هذا الفصل عدّة نقاط تميّز بها كتاب أبي العباس الداني، فمنها:
• اعتناؤه ببيان من أخرج لهم البخاري ومسلم، أو انفرد به أحدهما، ومَن لم يخرجا له في صحيحيهما.
مثاله: قوله في عمرو بن أبي عمرو: "وخُرِّج عنه في الصحيحين" (^٢).
- وقوله في العلاء بن عبد الرحمن: "وخَرَّج عنه مسلم دون البخاري" (^٣).
- وقوله في أبي بَصرة: "ولم يُخرِّج البخاريُّ في الصحيح لأبي بصرة شيئًا، وخَرَّج له مسلمٌ غيرَ هذا" (^٤).
_________________
(١) انظر: (٣/ ١٢٧).
(٢) انظر: (٢/ ٨٢).
(٣) انظر: (٢/ ٨٧).
(٤) انظر: (٢/ ١١٤).
[ ١ / ١٤٩ ]
- وقوله وخنساء بنت خذام: "ولم يخرج مسلمٌ عن خنساء شيئًا" (^١).
- وقوله في ثابت بن قيس: "ولم يخرج مسلمٌ عن ثابت شيئًا، وخرَّج له البخاري حديثًا آخر" (^٢).
- وقوله في حبيبة بنت سهل: "ولم يخرج في الصحيحين عن حبيبة هذه شيء" (^٣).
• اعتناؤه بذكر الصحابة وبيان صحبتهم، وإن كان هناك خلاف ذَكرَه، ورجّح ما يراه راجحًا، وقد يبيّن أيضًا أسماء بعض الصحابة وإن لم يود لهم ذكر في المسند، وإنَّما ورد ذكر أسماء أبنائهم.
ومثال ذلك كلِّه: - قوله: "ولا خلاف أنَّ أبا بصرة من الصحابة" (^٤).
- وقوله: "ورِفاعةُ هذا هو عمُّه، ورافعٌ وابناه رِفاعةُ وخلّادٌ كلُّهم من الصحابة" (^٥).
- وقوله: "وهذا الرجلُ مجهولٌ، لا يُعرف بغبر هذا الحديثِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على صحبتِه، وقد ذُكر في الصحابة، وفي ذلك نظرٌ" (^٦).
_________________
(١) انظر: (٤/ ٢٩٩).
(٢) انظر: (٤/ ٣٦٠).
(٣) انظر: (٤/ ٢٨٩).
(٤) انظر: (٢/ ١١٥).
(٥) انظر: (٢/ ١٥٩).
(٦) انظر: (٣/ ٥٨٤).
[ ١ / ١٥٠ ]
- وقوله أيضًا: "وذَكر ابنُ عبد البر في جملَةِ الصحابة ساعِدةَ بن حرام بن سعد بن محيّصة وقال: حديثُه في كسب الحجّام مرسل، ولا تَصِحُّ له صُحبة. ولم يَذكر حرامًا ولا سعدًا، وذِكْرُه في الصحابهْ غَلَطٌ، والله أعلم" (^١). إلى غير ذلك من الفوائد والأمثلة الكثيرة.
• اعتناؤه بضبط أسماء الرواة وضبط أسماء آبائهم أو أجدادهم أو أنسابهم، مع بيان بعض الرواة الذين تشتبه أسماؤهم أو أنسابهم بالراوي المترجم له، فيذكرهم تمييزًا وإذ لم يرد لهم ذكرٌ في المسند، وقد يذكر الضبط عمّن سبقه من العلماء أو عن مشايخه الذين أخذ عنهم.
مثاله: - قوله: "وكُريز هذا بضمّ الكاف مصغّرا. وكَريز بفتح الكاف جدّ طلحة بن عبيد الله الخزاعي، مذكور في مرسله. قال ابن وضّاح: كَريز بفتح الكاف في خزاعة، وبضمّها في بني عبد شمس بن عبد مناف" (^٢).
- وقوله: "قرأتُ على أبي داود المُقرِئ: يُحَنِّس بكسر النون، وعلى أبي عليّ الجيَّاني بفتحها، وعزاه إلى الدارقطني" (^٣).
- وقوله: "جابر بن عبد الله من بني سَلِمة، بكسر اللَّام وفتح السين، يُقال فيه: سَلَمي بفتحها، حكاه أبو عبيد" (^٤).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).
(٢) انظر: (٢/ ٩٢).
(٣) انظر: (٢/ ٥١٤).
(٤) انظر: (٢/ ١٤٠).
[ ١ / ١٥١ ]
- وقوله: "ومحمّد بن يحيى هذا من شيوخ مالك، روى عنه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وجدُّه حَبَّان بفتح الحاء وبالباء المعجمة بواحدة" (^١).
- وقوله: "وأُسَيد، وهو بضم الهمزة وفتح السين، مصغَّرًا مخفَّفًا" (^٢).
- وقوله: "واسم أبي ذر جُندب بن جنادة، وقيل: بُرير، برائين مهملتين وضم الباء مصغرًا" (^٣).
- وقوله: "وشتير: بالشين المعجمة مضمومة، والتاء المعجمة بنقطتين من فوقها مصغرًا" (^٤).
• اعتناؤه ببيان الأسماء المبهمة في السند والمتن.
مثاله: - قوله: "وذكر عبد الغنيُّ بنُ سعيد في كتاب الغوامض والمبهمات له: أنَّ هذا الرجلَ الذي وَطِئَ امرأتَه في رمضان هو سَلمةُ بن صَخرٍ البَيَاضِي، وذَكَرَ شواهِدَه، وفي ذلك نَظرٌ؛ سَلمةُ بنُ صَخر هو الذي ظاهَر من امرأَتِه في رمضان احتياطًا على الصَّومِ … " (^٥).
- وقوله: "والرجل السائل لابن عمر هو أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد" (^٦).
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٥٧).
(٢) انظر: (٤/ ٤).
(٣) انظر: (٤/ ٣٩).
(٤) انظر: (٤/ ٧٩).
(٥) انظر: (٣/ ٣٤١).
(٦) انظر: (٢/ ٥١٨).
[ ١ / ١٥٢ ]
- وقوله في حديث أم سلمة: "أنَّ مخنَّثًا كان عند أم سلمة … "، قال: "واسم المخنَّث هِيت" (^١).
• اعتناؤه ببيان المتفق والفترق، والأسماء المتشابهة، للتمييز وعدم الخلط بين الرواة.
مثاله: - قوله: "الأَغَرُّ لَقَبٌ، وقيل: هو اسمُ أبي مسلمٍ هذا الذي روى عنه السَّبيعي. هكذا أدخله البخاريُّ، وابنُ أبي حاتم في باب: مَن اسمه أَغَر. وأمَّا أبو عبد الله الأغَر المذكورُ في الموطأ فاسمُه: سَلمان، وهو مَولى جُهينَة، وهما رجلَان مَيَّز بينهما البخاري، ومسلمٌ، وعليُّ بنُ المديني، وغيرُهم. وقد قيل: هما رَجلٌ واحدٌ قاله ابنُ أبي خيثمة، وزَعَمَ أنَّ أبا إسحاق السَّبيعيَّ روى عنه فكنَّاه أبا مسلم. وظاهرُ قوله أنَّ أبا إسحاق انفرَدَ بتكنِيتِه أبا مسلم. وقد خَرَّج أبو داود حديثَ أبي هريرة: "الكِبرياءُ رِدائي" من طريقِ عطاء بن السائِب، عن الأغَر، عن أبي هريرة، وذَكَرَ أنَّ موسى بن إسماعيل شيخَه قال فيه: عن سَلمان الأغر، وأن هنَّادًا قال فيه: عن أبي مُسلمٍ الأغَر. وكأنَّه ذهب إلَى أنَّهما رَجلٌ واحدٌ اختُلِف في تَسميته، والأصَحُّ أنَّهما رجلان اشتَركا في الروايةِ عن أبي هريرة، والله أعلم" (^٢).
• اعتناؤه ببيان الإخوة.
مثاله: - قوله: "وقال الذهلي: لعبد الله بن الحارث بن نوفل ثلاثة
_________________
(١) انظر: (٤/ ٢١٥).
(٢) انظر: (٣/ ٣١٩ - ٣٢٠).
[ ١ / ١٥٣ ]
بنون: عبد الله وعبيد الله ومحمّد، روى الزهري عن جميعهم" (^١).
- وقوله: "وبنو عتيك في الأنصار، وقد كَثُر الخلافُ فيهم وفي نسبةِ بعضهم من بعض، فقيل: جابر وجبر رجلٌ واحدٌ اختُلِف في اسمه، وقيل: هما أخوان، ابنا عتيك بن الحارث بن قيس بن هَيْشَةَ الأوسي من بني عمرو بن عوف، وسَهْل بن عتيك رجلٌ آخر، هو سهل بن عتيك بن النُّعمان بن عَمرو، خزرجيٌّ من بني مالك بن النَّجار، واختُلِف في الحارث بن عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر، وقيل: هو أخو سهل بن عتيك، وكذلك اختُلِف في عبد الله بنِ عتيك، فقيل: هو أخو جابر أو جبر" (^٢).
• اعتناؤه بذكر أسماء من عُرف بالكنى، وكذا العكس، وكذا مَن لا يُعرف له اسم.
ومثاله: - قوله: وأبو طَيبة الحَجَّام مولى بني حارثة، قيل: اسمه دينار، وقيل: نافع، وقيل: مَيْسَرة" (^٣).
- وقوله: "وقال أبو زُرعة وأبو حاتم في أبي عُبيدة هذا: لا يُسَمَّى، اسمه كنيتُه. وسمّاه مسلمٌ في كتاب الكنى عامِرًا" (^٤).
- وقوله: "وهو مجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، يُكنى أبا الحجاج" (^٥).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٧٩).
(٢) انظر: (٢/ ١٤٣ - ١٤٥).
(٣) انظر: (٢/ ٦٤).
(٤) انظر: (٣/ ٣٩).
(٥) انظر: (٢/ ١٩٣).
[ ١ / ١٥٤ ]
- وقوله: "وأبو سُهيل اسمه: نافع بن مالك بن أبي عامِر، وأبوه مالك الراوي عن أبي هريرة يُكنى أبا أَنس، وقد قيل في سندِ هذا الحديثِ: نافع بن أبي أنس، وذلك سواء" (^١).
- وقوله: "وأم علقمة هي مرجانة" (^٢).
• اعتناؤه بالجرح والتعديل، وبيان درجة بعض الرواة، خاصة الذين يكون مدارُ كثيرٍ من الأحاديث عليهم.
وفي هذا الباب انتهج المصنِّف منهج الاختصار في ذلك، فلا يورد كلَّ ما قيل فيه، وإنَّما يشير إلى بعض أقوال أهل العلم في ذلك، أو قول أحدهم فقط، ولا يستقصي ذكر الأقوال، ويذكر ذلك غالبًا في آخر باب ذلك الراوي كأن يكون مكثرًا كترجمة أبي الزبير عن جابر، أو في آخر حديثه، وقد يعبِّر عن ذلك بقوله: "فصل"، ثم يذكر بعض ما قيل فيه، وقد يذكر معه من يشابهه في الاسم واسم الأب تمييزًا، كما أنَّه جرّح بعض الرواة، وأمثلة ذلك كثير جدًّا، منها:
- قوله آخر ترجمة أحاديث أبي الزبير عن جابر: "فصل: أبو الزُّبير هو محمد بن مسلم بنِ تدرس. أَكثرَ عنه مسلمٌ، واستشهد البخاريُّ به مقْرونًا. وذكر الساجيُّ عن ابن معين: "أنَّ شعبةَ استحلفَ أبا الزبير فحلف له بين الرُّكن والمقامِ ثلاثَ مرَّاتٍ أنَّه سَمِع مِن جابر". وقال النسائي في الجنائز: "كان شعبةُ سيِّءَ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفَّاظ، وروى عنه يحيى بن
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥٥٥).
(٢) انظر: (٤/ ١٣٧).
[ ١ / ١٥٥ ]
سعيد وأيّوب ومالك، وكان يدَلِّس، فإذا قال: سمعتُ جابرًا فهو صحيحٌ" (^١).
- وقوله: "ومُسلم بن يَسار ليس بالبصريِّ ولَا المكيِّ، هو رجلٌ جُهَنِيٌّ مَدَنِيّ مجهولٍ. قال أحمد بن زُهَير: قرأتُ على يحيى بنِ معين حديث مالكٍ هذا عن زَيد بن أبي أُنَيسَةَ فكَتَبَ بيدِه على مُسلم بن يَسارٍ: لَا يُعرَف" (^٢).
- وقوله: "فصل: خَرَّج مسلم عن سُهيل بن أبي صالح أحاديثَ، واستظْهَرَ به البخاري مقرونًا بغيرِه في الجهاد، وذَكَرَ في التاريخ عن علي بنِ المديني: أنَّ سُهيلًا مات له أخٌ فوَجَدَ عليه فنسِيَ كثيرًا، وخَرَّج أبو داود من طريق عبد العزيز الداروردي، عن ربيعة، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا حديثَ اليمين مع الشاهد. ثمّ ذَكَر بإسنادٍ آخَر أنَّ الدارورديَّ قال: قد ذكرتُ ذلك لسُهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقةٌ أنِّي حدَّثتُه إيّاه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: "وقد كان أصابت سُهيلا علّةٌ أذهبتْ بعضَ عَقلِه ونَسِيَ بعض حديثه. وقال الساجي في كتابِه: أصابه بِرسامٌ في آخِرِ عمرِه فذهب بعضُ حديثِه، وكان حدَّث ربيعةَ بحديثِ اليمين مع الشاهد ثم نَسيَه سُهيل فكان يحدِّث به عن ربيعةَ عن نفسه. ووثقه ابنُ معين، ولَم يَرَ حديثَه حُجَّة. وقال النسائي: لا بأس به. قال الشيخ: وسُهيل بنُ ذكوان المكي رجلٌ آخَر روى عن عائشة ووَصَفَها" (^٣).
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٢٥).
(٢) انظر: (٢/ ٢٩٣).
(٣) انظر: (٣/ ٤٣٦ - ٤٣٨).
[ ١ / ١٥٦ ]
- وقوله. "الدمياطي ضعيف ليس من أهل الحديث" (^١).
- وقوله: "والمسمى في حديث الموطأ معاذا أو سعدًا رجل مجهول" (^٢).
- وقوله: "وعبد الكريم هذا ضعيف متروك" (^٣).
- وقوله: "هذا حديث لا أصل له، وعبد الله بن المغيرة مجهول" (^٤).
المطلب السادس: منهجه في إيراد المسائل الفقهية.
انتهج المصنف في إيراد المسائل الفقهية منهجًا مختصرًا، فلا يورد تلك المسائل إلَّا نادرًا، وإنَّما اكتفى في كتابه هذا بالصناعة الحديثية أكثر، مع أنَّ المصنِّف كان من فقهاء بلده، وكان من المفتين كما تقدّم في ترجمته، إلَّا أنَّه اعتنى في هذا المصنَّف ببيان حال الأحاديث، ويبيّن ذلك أنَّه ذكر حديث: "خَمْسُ صلواتٍ كتبهن الله تعالى على العِباد … "، واستطرد شيئًا ما في إيراد الأحاديث الموجبة لصلاة الوتر، ثم ذكر ما يعارضها ثم قال: "وللكلامِ في هذه القاعدةِ موضعٌ غير هذا، وإنَّما قَصدتُ ها هنا بيانَ حال الحديثِ" (^٥).
ومن خلال دراستي للكتاب تبيّن لي أنَّ المصنِّف يورد المسائل إشارة إليها دون التصريح بها، وفي هذه النقاط بيان لمنهجه في ذلك:
_________________
(١) انظر: (٤/ ٤٥٩).
(٢) انظر: (٤/ ٥٩٣).
(٣) انظر: (٤/ ٥٧).
(٤) انظر: (٥/ ٢٣).
(٥) انظر: (٣/ ٤٦ - ٥٥).
[ ١ / ١٥٧ ]
• أنَّه لا يصرِّح بالسائل، وإنَّما يذكر الأحاديث التي تدلُّ على المسألة التي يريد ذكرها، مثاله: أورد حديث أبي هريرة وفيه: "أنَّ النبي ﷺ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، ثمَّ أورد بعده الأحاديث التي فيها أنَّ النبي ﷺ سجد في هذه السورة، وفي غيرها من سوَر المفصّل، ومرَادُه الردّ على مذهب المالكية القائل بأنْ لا سجود في سوَر المفصل (^١).
• قد يورد بعض الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية دون التصريح بها، وإنَّما يكتفي بإيراد بعض طرق الحديث، وهذه الأحاديث قد تكون تخصيصًا لعامٍّ، أو تعميمًا لخاصٍّ، أو إطلاقًا لمقيَّدٍ، وهذا كثير في كتابه، وأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة التي يُستدلُّ بها على غيرها، فمن ذلك:
- أورد حديث الموطأ: "أهدى رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ راوِيَةَ خَمْر"، وفيه: "إنَّ الذي حَرَّم شُربَها حَرَّم بيعَها". ثم قال: "هذا خاصٌّ".
أي أنَّ الحديث خاصٌ بتحريم بيع الخمر فقط، وليس فيه تحريمُ بيع سائر المحرّمات، ثم أورد ما يبيّن أنَّ الحكم عامٌّ في كلِّ المحرَّمات فقال: "وجاء عن ابن عباس مرفوعًا: "إنَّ الله إذا حَرَّم شيئًا حَرَّم ثمنَه". خَرَّجه الدارقطني في السنن، وخَرَّج عن تميم الداري مرفوعًا: "لا يَحِل ثمنُ شيء لا يَحِلُّ أكلُه وشُربُه" (^٢).
- ومنها: أنّه ذكر حديث جابر بن عتيك: "الشهداءُ سبعةٌ سِوى القتل"، وفيه: فصاح النِّسوةُ وبكين، وقوله ﷺ: "دَعْهُنَّ، فإذا وجبَ فلا
_________________
(١) انظر: الحديث (٣/ ٣١٣ - ٣١٥).
(٢) انظر: الحديث (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
[ ١ / ١٥٨ ]
تبكينَّ باكية". ثم تكلّم على الحديث من جهة الإسناد، وقال في آخره: "فصل: قال في هذا الحديث. "إذا وَجَبَ فلا تبْكِيَنَّ باكيةٌ"، وجاء عن ابن عباس أنه قال في حديث طويل ذكره: لما ماتت رُقَيَّةُ بنت النبي ﷺ بكى النساءُ عليها، فجعل عُمرُ يضربهنَّ بسوطِه، فأخذ النبيُّ ﷺ بيده وقال: "دَعْهنَّ يَبْكِينَ"، وقال: "ابْكِينَ، وإيّاكنَّ ونَعِيقَ الشيطان، فإنَّه مَهْمَا يَكنْ مِن القلبِ والعَينِ فَمِنَ الله الرَّحمة، ومَهْمَا يكنْ مِن اليَدِ والَلِّسانِ فمِنَ الشَّيطانِ"، وذَكَر سائرَه. خرّجه ابن أبي شيبة".
ومرادُ المصنِّف من إيراد هذا الحديث بيان أنَّ قوله "لا تبكينّ باكية" ليس على عمومه، وأنَّ الراد لا تبكين صياحًا ولا نياحًا، وأنَّ البكاء على الميت جائز ما لم يشب ذلك نياح وصياح وشق جيب (^١).
- ومن ذلك أنَّه أورد حديث الجارية، وسؤالها: "أين الله"، وفيه الأمر بالعتق، قال أبو العباس الداني: "وفي هذا الحديثِ الأمْرُ بالعِتقِ مُطلَقًا، وغيرُ مالكٍ يقول فيه: "اعْتِقْها فإنَّها مُؤمِنَةٌ"، خرَّجه مسلمٌ في الصلاة".
ففي حديث مسلم تقييد لما أُطلق في حديث مالك (^٢).
- ومنها: أنَّه ذكر حديث: "كان يأتِي قباءَ راكبًا وماشيًا". قال: "وليس فيه عند مالكٍ ذكرُ الصلاةِ، ولا وقتُ الإتيان. وقال فيه غيرُه من طريق ابن دينار: "كان يأتي قباءَ كلَّ سَبْتٍ". ومن طريق نافع: "فيصلي فيه ركعتين" (^٣).
_________________
(١) انظر: (٢/ ١٤٦).
(٢) انظر: (٢/ ٣٠٨).
(٣) انظر: (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
[ ١ / ١٥٩ ]
والأمثلةُ في هذا كثيرة جدًّا في تخصيصِ عامٍّ، أو تقييدِ مطلقٍ، أو تعميمِ خاصٍّ، وغير ذلك ممّا يشير إليه المصنِّف إشارات دون تصريح.
• ومن منهجه أيضًا أنَّه لا يذكر المسائل والأحكام الفقهية مستوعبة بأدلّتها، وإنَّما يكتفي بالأشارة إلى الاختلاف الواقع في ذلك دون تحرير للأقوال ولا بسط للأدلة؛ وذلك أنَّه وضع هذا الكتاب مكتفيًا بالصناعة الحديثية دون الفقهية، ومن ذلك أنَّه ذكر حديث: "لَا يَحِلُّ لامرَأةٍ تؤمِن بالله واليومِ الآخِر تسافِرُ مَسيرَةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا مع ذِي مَحْرَم منها". قال في آخره بعد أن تناوله من ناحية الإسناد: "واختَلَفَتِ الآثارُ في مسافَةِ السَّفرِ المُشتَرَطِ فيه وجودُ ذِي المَحرَم وفي ذِكرِ الزوج معه" (^١).
- وقوله في حديث: "كانت - أي عائشة - إذا ذكرت أنَّ رسول الله ﷺ كان يقبّل وهو صائم تقول: وأيّكم أملك لنفسه من رسول الله ﷺ ": "حَمَل مالك ﵀ قول عائشة هذا على كراهة القبل للصائم والتحذير منه … وحمله غيره على إباحة القبل على الإطلاق … وكلا القولين محتمل، ولكل وجه" (^٢).
• ومن منهجه أيضًا الردُّ على بعض أقوال المذاهب، خاصة المالكية منهم، إلَّا أنه يشير إلى ذلك بإشارات وتلويح دون إظهار وتصريح، ومن أمثلة ذلك:
أنَّه ذكر حديث: "كنا في زَمَن النبيِّ ﷺ نَبتاع الطعامَ فيبعَثُ علينَا من
_________________
(١) انظر: (٣/ ٤٩٣).
(٢) انظر: (٤/ ١٧٠).
[ ١ / ١٦٠ ]
يَأمرُنا بانتِقَالِه". ثم قال المصنف. "وخَرَّج مسلم من طريق عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كنَّا نشتري الطعامَ مِن الرُّكبان جُزافًا فنهانا رسولُ الله ﷺ أنْ نَبيعه حتى نَنقلَه مِن مكانه". وعن سالم، عن أبيه: "أنهم كانوا يُضرَبون على عَهد رسولِ الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جُزافًا أنْ يبيعوه في مكانِه حتى يُحَوِّلوه".
ومراد المصنِّف من إيراد الحديثين -وفيهما ذكر الجزاف- الرد على المشهور من مذهب مالك القائل بالتفريق بين الجزاف والمكيل، وأن ما كان مكيلا وجب فيه القبض والنقل، بخلاف الجزاف يجوز بيعه قبل القبض والنقل (^١).
ومنها: أنه أورد حديث "المُتبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخِيار على صاحبِه ما لم يَتَفَرَّقا إلَّا بَيعَ الخِيار" ثم قال المصنف: "وقال فيه اللَّيث، عن نافع: "ما لَم يَتفرَّقا وكانا جميعًا، أو يُخَيِّرُ أحدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحدُهما الآخَرَ فتبايعَا على ذلك فقد وَجَبَ البَيعُ، وإنْ تَفَرَّقَا بعد أنْ تبايعَا ولَم يَتركْ واحدٌ منهما البيعَ فقد وَجَبَ البَيعُ". وهذا فِي الصحيحين. وزاد البخاريُّ من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع قال: "كان ابنُ عمر إذا اشتَرى شيئًا يعجبُه فارَقَ صاحِبَه".
ومراد المصنف من إيراد أثر ابن عمر الرد على مذهب من يقول إنَّما التفرّق بالأقوال دون الأبدان (^٢).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) انظر: (٢/ ٤١٧).
[ ١ / ١٦١ ]
ومنها أنَّه أورد حديث: "صلَّى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوفٍ ولا سَفَرٍ". ثم قال المصنف: "ليس فيه ذكرُ المَطَرِ، وقال فيه سليمان الأعمش، عن حَبيب بن أبي ثابِت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: " .. بالمدينة في غيرِ خوفٍ ولا مَطر"، خَرَّجه مسلم".
ومراد المصنف من إيراد حديث مسلم الردَّ على قول مالك في الموطأ إثر الحديث: "أُرى ذلك كان في مطر" (^١).
المطلب السابع: مصطلحاته في الكتاب.
ذكر المصنِّف عدَّة مصطلحات عبَّر بها في كتابه، ولم يبيّن ذلك في مقدَّمة كتابه، وبعض تلك الصطلحات جرت العادة على خلافها، وإن كانت طريقة بعض أهل العلم، كوصف الحديث المنقطع بالمقطوع وغير ذلك، وسأذكر في النقاط التالية تلك المصطلحات التي مشى عليها المصنِّف حتى يتضح للقارئ مراده في هذا الكتاب، ثم هي فوائد يستفيدها طالب الحديث، فمن تلك الصطلحات:
• إطلاقه على الحديث المنقطع لفظ المقطوع (^٢).
وهذا استعمله في جميع الكتاب (^٣)، وهو مصطلح اصطلحه بعض أهل العلم قبله.
_________________
(١) انظر: (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).
(٢) والمقطوع في اصطلاح المحدّثين: هو الموقوف على التابعين.
(٣) انظر مثلا: (٢/ ٨٨، ٩٥، ٩٩، ١٠٥، ١٢٨، ١٣٦). وغيرها.
[ ١ / ١٦٢ ]
قال ابن الصلاح: "وقد وجدتُ التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي وأبي القاسم الطبراني وغيرهما" (^١).
قال الحافظ ابن حجر: "قوله: وغيرهما، عنى به الدارقطني والحميدي، فقد وجد التعبير في كلامهما بالمقطوع في مقام المنقطع" (^٢).
قلت: وممّن استعمل أيضًا لفظ المقطوع على المنقطع ابن الحصَّار (^٣)، وابن عبد البر في بعض المواضع من التمهيد (^٤).
• إطلاقه لفظ المرسل على المعلّق والمعضل.
كقول مالك: قال رسول الله ﷺ (^٥).
وهذا الاصطلاح مشى عليه كثير من الأئمة فِي الحكم على الأحاديث، كالبخاري وأبي داود، والدارقطني، وأبي نعيم، والبيهقي، بل قال بعض الفقهاء والأصوليين إنَّ كلَّ ما كان منقطعًا يسمى مرسلًا.
_________________
(١) علوم الحديث (ص: ٤٣)، وانظر: إرشاد طلاب الحقائق (ص: ٧٩)، اختصار علوم الحديث (ص: ٤٤)، فتح الغيث (١/ ١٢٦)، وتدريب الراوي (١/ ٧٤٠).
(٢) النكت (٢/ ٥١٤).
(٣) كما في فتح المغيث (١/ ١٢٦).
(٤) انظر: التمهيد (٢/ ٢٦)، (١٦/ ٢٥٣)، وفرّق بينهما في مقدّمة التمهيد، واستعمله في أغلب الأحيان على الاصطلاح المشهور عند المحدّثين.
(٥) انظر: (٢/ ٤٥). عند قول المولف: "وذَكَر مالكٌ هذا مرسلًا في باب: رفع الرأس قبل الإمام". و(٢/ ٤٠٨) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في الأقضية". و(٣/ ٣٠١) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في أبواب الجمعة". و(٣/ ٤٩٩) عند قوله: "واحتجَّ به مرسلًا في الصيدِ".
[ ١ / ١٦٣ ]
قال الخطيب البغدادي: "وأما المرسل فهو ما انقطع إسناده بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممّن فوقه، إلَّا أنَّ أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ﷺ" (^١).
• إطلاقه على الحديث المعلَّل لفظ العلول.
قال المصنِّف في المقدّمة: "وأَذْكر المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع، وسائرَ الحديثَ العلولِ" (^٢).
قال ابن الصلاح: "معرفة الحديث المعلل، ويسمّيه أهل الحديث العلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العلة والعلول، مرذول عند أهل العربية واللغة" (^٣).
والمعلول قد استعمله كثير من أهل الحديث كالترمذي والدارقطني والحاكم وغيرهم، والأفصح فيه أن يُقال: معلّ (^٤).
• قد يطلق لفظ المجهول، ولا يعني به الجهالة المعروفة عند المحدّثين، وإنَّما يعني به المبهم.
مثال ذلك أنَّه ذكر حديث ابن شهاب عن ابن لكعب بن مالك
_________________
(١) الكفاية (ص: ٢١)، وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص: ٥٣)، إرشاد طلاب الحقائق (ص: ٧٩)، اختصار علوم الحديث (ص: ٤٥)، النكت (٢/ ٥٤٤)، وفتح الغيث (١/ ١٥٨).
(٢) (٢/ ٨)، وانظر: (٢/ ٦٧، ٧٦، ١٩٦، ٢٩٣).
(٣) علوم الحديث (ص: ٨١).
(٤) انظر: التقييد والإيضاح (ص: ٩٦)، فتح المغيث (١/ ٢٥٦).
[ ١ / ١٦٤ ]
قال: "نَهى رسولُ الله ﷺ الَّذين قَتَلوا ابنَ أبي الحقيق عن قتل النِّساء والولدان قال: فكان رجل منهم يقول: برَّحتْ بنا امرأةُ ابن أبي الحقيق بالصِّياحِ … "، الحديث، قال المصنف: "وبهذا يُنسبُ الحديثُ إلى الرجلِ المجهولِ، وأظنُّه عبد الله بن عَتيك" (^١).
- وقوله: "امرأة مجهولة في الموطأ، وهي أم معقل الأنصارية" (^٢).
- وقوله: "لعمة حصين بن محصن مجهولة غير مسماة حديث واحد" (^٣).
- وقوله: "رجل من الأنصار مجهول، له حديث استقبال القبلة" (^٤).
ولا شك أنَّه يعني بالجهالة هنا جهالة اسمه ونسبه، أي أنَّه مبهم؛ لأنَّ مَن ذُكر من الصحابة.
وكذلك قال في آخر القسم الثاني، وهو في الكنى والألقاب والمبهمين: "وهكذا كلُّ حديث يَذكره الصحابيُّ عن غير معروفٍ مِن الصحابة على طريق الحكايةِ فلا يَقصِد بها الروايةَ عنه، فإنَّه يُنسب إلى المعروفِ دون المجهولِ" (^٥).
فمراده بالمجهول، المبهم في الحديث الذي لم يُعرف اسمه، لا جهالة عينه وحاله المعتبرة عند المحدّثين، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: (٣/ ٦٠٨).
(٢) انظر: (٤/ ٣٤١).
(٣) انظر: (٤/ ٤٧٨).
(٤) انظر: (٥/ ٣٥٤).
(٥) انظر: (٣/ ٦١٤).
[ ١ / ١٦٥ ]
• إطلاقه لفظة "وبه"، ومراده بالإسناد السابق.
استعمل المصنف لفظة "وبه" إذا أورد حديثًا بإسناد، ثم أتبعه بأحاديث كثيرة بذلك الإسناد الواحد، فلا يكرّره، وإنَّما يكتفي بقوله: "وبه"، أي بذلك الإسناد (^١).
• إطلاقه على كتاب الصلاة الواقع في الموطأ كتاب: الصلاة الثاني.
وذلك أنَّ مالكًا ﵀ وضع في الموطأ للصلاة كتابين، أحدهما كتاب: وقوت الصلاة، ويقع في أوَّل الكتاب قبل الطهارة، والثاني هو كتاب: الصلاة، ويقع بعد الطهارة، فلِكَيْ يميّز المصنف بينهما اصطلح أن يسمي كتاب: الصلاة، بقوله: كتاب الصلاة الثاني (^٢).
• قول الصحابي: "هذا واجب"، أو قوله: "هذا سنة"، يُلحق بالمرفوع.
وقد نص المصنف على ذلك في عدّة مواضع من كتابه، وألحق تلك الأحاديث بأطراف أحاديث الموطأ؛ وقال في ديباجة الكتاب: "وأَذْكرُ المقطوعَ والموقوفَ اللَّاحِقِ بالمرفوع"، ومن ذلك أنَّه ذكر قول ابن عمر: "إنَّما سنةُ الصلاةِ أن تَنْصِبَ … "، الحديث ثم قال: "ظاهرُه الوَقفُ، وخرَّجه البخاري في المسند الصحيح؛ إذ معناه الرَّفعُ لقوله فيه: "إنَّما سُنَّةُ الصلاةَ"، والصلاةُ إنَّما تُلقِيَتْ مِن النبيِّ ﷺ وهو بَيَّنها وسَنَّ سُنَنَها … "، إلى آخر كلامه ﵀ (^٣).
_________________
(١) انظر مثاله: (٢/ ١٢٣ - ١٢٥).
(٢) انظر مثلًا: (٢/ ٢٦٩، ٣٠٢، ٣١٤، ٣٧٦)، وغيرها.
(٣) انظر: (٢/ ٣٥٤).
[ ١ / ١٦٦ ]
- وذكر أيضًا حديث عبادة: " خمس صلوات … "، وفيه: قول أبي محمد الصحابي: "إنَّ الوترَ واجبٌ"، ثم قال المصنف: "وقوله: "إنَّ الوترَ واجبٌ" خَبَرٌ قد يُلحقُ بالمرفوع؛ لأنَّ الواجبَ هو ما أوجَبَه الله تعالى في كتابه أو على لسانِ نَبيِّه ﷺ، فقوله: "واجبٌ"، معناه الإخبارُ بإيجابِ الله تعاَلى إيَّاه على لسانِ الرَّسول ﷺ، إذ ليس في القرآن، وإذا قال الصحابيُّ: "أوجب رسول الله ﷺ "، لَم يُطَالَب بنَقْلِ اللَّفظِ وتُلُقِّيَ بالقَبولِ" (^١).
• قول الصحابي: "قال رسول الله ﷺ " وإن لم يسمعه منه حجّة، ومراسيلهم مقبولة.
- فمن ذلك أنَّ المصنِّف ذكر حديث ابن عمر: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ مِن ذي الحُليفة … ". وفيه: أنَّه بَلَغَه قولُه: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمن من يَلَمْلَم".
ثم قال: "لم يُسَمِّ ابنُ عمر ها هنا من أخبَرَه بيَلَمْلَم، ومراسِلُ الصحابةِ مقبولةٌ، لأنَّ بعضَهم كان يأخذُ مِن بعض، وكلُّهم مَحمولون على العدالةِ، وقد كان ابنُ عباس يُكثِرُ الحديث ويَرفعُه من غيرِ واسطةٍ، ولَم يَسمع منه إلَّا يسيرًا لِصِغَر سِنِّه، ورُوي عنه أنَّه قال: "ما كُلُّ ما نحدِّثُكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، ولكن كان بعضُنا يحدّثُ بعضًا ويُصدِّق بعضُنا بعضًا، ولا خلافَ أنَّ قولَ الصحابي: "قال رسولُ الله ﷺ " حُجّةٌ، وأنَّه داخلٌ في المسند، وإنْ احتَمَل أن يكون لَم يَسمعْه (^٢).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٤٧)، وذكر نحو هذا الكلام (٣/ ١٩٨، ٤٩٥).
(٢) انظر: (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
[ ١ / ١٦٧ ]
- وذكر أيضًا حديث ابن عمر: "أنَّ النبي ﷺ خَطَبَ النَّاسَ في بعض مغازِيه … "، وفيه: فسألتُ ماذا قال؟ فقيل لي: "نَهَى أن يُنبَذَ في الدُّبَّاءَ أو في المُزَفَّت"، ثم قال. "لم يَذكر ابنُ عمر مَن أَخبَرَه، فهو داخلٌ في مسنَدِه، وليس بمعدودٍ في المرسَلِ اصطلاحًا؛ لأنَّ أخبارَ الصحابةِ ﵃ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبولِ لعدالَتِهم، وفائدةُ الإسنادِ معرفةُ العدالَةِ" (^١).
• حكم القراءة التي قرأ بها الصحابة الرفع وإن لم تثبت في المصحف.
وصرّح بذلك المصنف في عدّة مواضع، وأدرج تلك القراءات في حكم المرفوع فأوردها في كتابه هذا، وعلّل ذلك بأنّها مأخوذة من النبي ﷺ وطريقها النقل، والصحابة ﵃ شهدوا التنزيل.
- فمن ذلك قوله بعد أن ذكر قراءة أُبَيّ بن كعب: "ثلاثة أيَّامٍ متتابعات"، قال: "وهذا الحديث معناه الرفع؛ لأنَّ القراءة مأخوذةٌ عن رسول الله ﷺ، وطريقُها النَّقل، لا مدخلَ للمقاييس فيها، فما قرأ به الصحابةُ حُمل على الرَّفع إنْ لم يُصَرِّحوا برفعه؛ إذ لا يُظنُّ بأحدٍ منهم أنَّه قَرَأَ. مما لم يُقْرَأ، هم المُقَدَّسون عن ذلك، وبِمِثل هذا تُلُقِّيَت سائرُ القراءات … ومِن حُكم هذه القراءة وما كان مثلها، ما لم يَثْبُتْ في المُصحفِ، ولا أُجْمِعَ عليه أَنْ تُحْكَى وتُروى، ولا يُقرأ بها في صلاةٍ، ولا فيما يُتلَى من القرآنِ، إذا لم تَنْقُلها الكافةُ نَقْلَ تواترٍ، وإنَّما تُقرأ كذلك ما ثَبَتَ في المصاحفِ وما نُقِلَ تواترًا؛ لأنَّ نَقْلَ التواتر يُوجبُ العلمَ ضرورةً وقطعًا، وليس عندنا من القرآن الثابِتِ غيرِ المنسُوخِ إَلَّا ما عُلِمَ ضرورةً أنَّه مِن
_________________
(١) انظر: (٢/ ٤٣٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
كلامِ الرَّبِّ سبحانه، وما لم يَنقلْه إلَّا الآحادُ ولم يَبلغْ حَدَّ التواترَ فلا يَقَعِ العِلمُ الضروريُّ به، ولا يُطلقُ القولُ بأنَّه من القرآن المنزَّل، وإنْ احتَمَل عندنا أن يكون اللهُ تعالى قد أنزله على رسولِه ﷺ ثم نَسَخَه، لكنه يُحكى ويُروى، وإن تضَمَّنَ حُكْمًا لَزِمَ العملُ به، وكان حُجّةً إن اتَّصَلَ سَندُه، وثبتَتْ عدالةُ ناقِلِيهِ، ولم يُعارِضْه ما يَدْفَعُه، وللكلامِ على هذه القاعدةِ مَوضعٌ غير هذا" (^١).
- وذكر أيضًا قراءة عمر يَقرأ: ﴿فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ الله﴾، ثم قال: "وهي قراءةٌ تُؤثَر عن ابنِ مسعود، وهذا الحديث معناه الرَّفعَ؛ لأنَّ القراءةَ مأخوذةٌ عن رسولِ الله ﷺ مُتَلَقَّاةٌ مِن الصحابة ﵃ فما قَرؤوا به تُلُقِّيَ بالقَبول، ولم يُظَنَّ بأَحَدٍ منهم أنَّه قَرَأَ إلَّا بِمَا أُقْرِئَ، لا سِيَمَا عُمر ﵁، مع ما عُلِمَ من تَحَرِّيه وإنكارِه على من قَرَأَ بما لم يَسْمَعْه، أو رَوَى عن رسولِ الله ﷺ ما لم يَبْلُغْه، وقد كان يَسمَع مِن رسولِ الله ﷺ سورةَ الجُمعة في كلِّ جُمعةٍ" (^٢).
- وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمر قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ عدّتهنّ، ثم قال: "معناه الرفع؛ لأنّ القراءةَ كالآيةِ، والكلُّ مِن عند الله تعالى، تلقّاه الصحابةُ من الرسولِ ﷺ فما نَطَقوا به منه فقد شَهِدوا تنزيله" (^٣).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) انظر: (٢/ ٢٨٥).
(٣) انظر: (٢/ ٤٨٨).
[ ١ / ١٦٩ ]
• قول الصحابي: "هذا عهد نبيّنا إلينا"، ولم يشهد الواقعة يريد بذلك جنس الصحابة وهو منهم.
فمن ذلك أنَّه ذكر حديث ابن عمر "الدِّينارُ بالدِّينارِ والدِّرهمُ بالدِّرهمِ، لا فضلَ بينهما".
ثم قال: "وقال فيه ابن عمر: "هذا عَهْدُ نبِيِّنا إلينا"، وذلك يُوهِم سماعَه منه، وهو لَم يسمعْ العهدَ، وإنَّما أخبرَه به أبو سعيد الخُدري … ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أراد بقوله: "هذا عَهْد نبيّنا إلينا"، أنَّه عَهِدَ به إلى جُملةِ أصحابِه، وهو منهم، فيتناولُه العهدَ وإن كان غائبًا في حينِ الأَمر" (^١).
• طرق معرفة الصحابي.
ذكر المصنِّف ﵀ حديث الرجلٍ من بني أَسد الذي قال: "نَزلتُ أنا وأهلِي ببقِيع الغَرقَد، فقال لي أهلي: اذهبْ إلى رسولِ الله ﷺ فتَسأله لنا شيئًا نأكلُه … ". ثم قال المصنِّف: "هذا وما أشبَهَه قد يُلحَقُ بالمسند، وإنْ لَمْ يُسَمَّ الصَّاحبُ، ولا عُرِفَ، ولا عَلمنا صُحبتَه إلَّا مِن لفظِ حديثِه؛ إذا كان التابعيُّ الراوي عنه مِن العلمِ والعدالَةِ والثقَةِ والأمانَةِ بحيث يُؤمَنُ التدلِيسُ منه، وإشكالُ الصحبةِ عليه، والتباسُ حالِ المرويِّ عنه، وهذا كقولِ التابعيِّ المَرضِيِّ: "حدَّثني رجلٌ من أصحابِ النبي ﷺ، فإنَّه مقبولٌ وإنْ لم يُعَيِّنه؛ لأنَّ فائدةَ التَّعيينِ معرفةُ العدالة، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ" (^٢).
_________________
(١) انظر: (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، وتعليق المصنف على قول الإمام الدارقطني: "ولعلَّه أراد هذا عَهدُ صاحبنا إلينا، يعني عمر".
(٢) انظر: (٣/ ٥٧٤).
[ ١ / ١٧٠ ]
وذكر أيضًا حديث صالح بن خَوَّات، عن مَن صلَّى مع رسول الله ﷺ يومَ ذاتِ الرِّقاع صلاةَ الخوف، ثم قال: " لم يُسَمِّ صالِحٌ في هذه الرواية مَن حدَّثه بالحديثِ، وخُرِّج هكذا في الصحيحين من طريق مالك، وهو حديث مسنَدٌ صحيحٌ؛ لأنَّ صالحًا تابعيٌّ، سَمع سَهلَ بنَ أبي حثمة وغيرَه من الصحابة، ولا يَخفى عليه من صَحِبَ النبيَّ ﷺ وشَهِدَ معه المشاهدَ، مِمَّن يَدَّعِي ذلك كاذبًا، ولو اتُّهِم في مثلِ هذا لاتُّهِمَ في حديثِه. قال الأثرمُ: قلتُ لأحمد بن حنبل: " إذا قال رجلٌ من التابعين: حدَّثني رجلٌ مِن أصحابِ النبي ﷺ ولَم يُسَمِّه فالحديثُ صحيحٌ؟ قال: نعم" (^١).
هذا ما تبيّن لي من منهج المصنف في كتابه، وقد راعيتُ في ذكر ذلك إيرادَ بعض الأمثلة فقط خشيةَ التطويل، وعلى العموم فالمصنِّف تكلّم على كلِّ حديث بما رآه مناسبًا مراعيًا في ذلك ذكرَ فوائده الحديثية مِن اختلافٍ في الروايات، أو الأسانيد، أو تعليلِ روايةٍ وتصويبِ أخرى، أو بيانِ حال الرواة، وغير ذلك من أنواع علوم الحديث المبثوثة في كتابه، كما أنَّه لم يخلِ كتابَه من الفوائد الفقهية والعقدية، وكذا شرح الكلمات الغريبة وغير ذلك، فالكتاب موسوعة مختصرة فيه فوائدُ علمية جمَّة يجتنيها الباحث، فكلُّ حديث تناول المصنِّفُ فيه علمًا من العلوم، فالقارئ لا يملُّ من قراءته، والباحث يجد فيه بغيته، نسأل الله أن يجزيَ مصنِّفَه خير المجزاء، والله أعلى وأعلم.
_________________
(١) انظر: (٣/ ٥٩٨).
[ ١ / ١٧١ ]