تقدّم في المبحث السابق أنَّ أبا العباس الداني أخذ من شيوخ بلده وسمع منهم، ثم رحل إلى العديد من المدن الأندلسية والإفريقية للأخذ عن علمائها والسماع منهم فاتسع في ذلك، وسمع العديدَ من الكتب، ونقل في كتابه هذا من كتب كثيرة حديثية وفقهية ولغوية وتاريخية، ولا شك أنَّه سمع كلَّ هذه الكتب، إلَّا أنه لم يذكر أسانيدَه إليها اختصارًا واكتفاءً بشهرتها كما قال في مقدّمة هذا الكتاب: "ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائرِ الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيدَ الكتبِ التي خَرَّجْتُ منها ما أَحَلْتُ في هذا الكتاب عليه؛ اختصارًا واكتفاءً بشهرتِها؛ ولأنِّي إنَّما ذَكَرتُ ذلك على طريق الاستشهادِ، وأكثرُه على المعنى، على حالِ ما تذكَّرتُه".
_________________
(١) بِجاية: بالكسر وتخفيف الجيم، وألف وياء وهاء، مدينة على ساحل البحر بين إفريقية (تونس) والمغرب، وهي في لحف جبل شاهق، وفي قبلها جبال كانت قاعدة ملك بني حماد. معجم البلدان (١/ ٣٣٩). ولا زالت تُسمَّى بهذا الاسم إلى اليوم، وتقع شرف عاصمة الجزائر، وأهلها من البربر.
(٢) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
(٣) مدينة متوسِّطة لها قلعة عظيمة على قمة جبل، وكانت قاعدة ملك بني حماد الصِّنهاجي البربري، وهي قرب مدينة أشير بشرق الجزائر. معجم البلدان بتصرف (٤/ ٣٩٠).
(٤) انظر: التكملة (١/ ٤٣)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣٠).
[ ١ / ٥٢ ]
وذكر في (ل: ١٩٨/ ب) من هذا الكتاب كتابًا لأبي إسحاق ابن شعبان في مسألة إتيان النساء في الدبر فقال: "وخرّج أبو إسحاق ابن شعبان في كتاب له في هذا المعنى … أُجيز لي هذا الكتاب ولم أقرأه".
ومن هذين النصين يتبيّن أن أبا العباس الداني اتَّسع في السماع والأخذ عن المشايخ، وسمع الكتب الكثيرة، وما لم يسمعه منها ولا قرأه على مشايخه أخذه بالإجازة.
وسيأتي ذِكرُ الكتب التي نقل منها المصنِّف في فصل: مصادر المصنف في كتابه، وفي هذا البحث أكتفي بذكر بعض الكتب التي نصت عليها بعض كتب التراجم مما سمعه أبو العباس على مشايخه، وبعض هذه المسموعات لم يأت لها ذكر في هذا الكتاب.
فمن مسموعاته:
١ - الموطأ للإمام مالك، وسيأتي ذكر أسانيده في مقدمة هذا الكتاب (^١).
٢ - صحيح مسلم سمعه من أبي علي الصدفي بلفظه (^٢).
٣ - ومسند البزار (^٣).
٤ - ورياضة المتعلِّمين لأبي نعيم، وكان سماعه لها منه سنة (٤٩١ هـ)
_________________
(١) انظر: (٢/ ٩).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥).
(٣) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٢٦٩).
[ ١ / ٥٣ ]
بقراءة طاهر بن خلف بن خيرة (^١).
٥ - قرأ عليه أيضًا سنن الدارقطني (^٢).
٦ - وسمع أيضًا أجزاء من حديث المحاملي (^٣).
٧ - وكتاب التقصي لابن عبد البر سنة (٤٩٤ هـ) (^٤).
٨ - وكتاب التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب، سمعه من خلف بن محمد بن خلف الغرناطي (^٥). وغير ذلك.
وذكري لهذه الكتب إنَّما هو بحسب ما نَصَّت عليه كتب التراجم، وإلا فقد سمع الكثير، بل كل ما سيأتي ذِكرُه في فصل مصادر المصنِّف هو من مسموعاته كما تقدّم تقريره، والله أعلم.
وقد ذكرتْ أيضًا بعضُ كتب التراجم بعض مروياته، كما هي عادة الكثير من المؤلفين عند ذكر راوٍ من الرواة يذكرودن بعض مروياته، فذكر ابن الأبّار عدّة أحاديث يرويها بإسناده إلى أبي العباس الداني، وحديثا آخر ذكره المراكشي في ترجمة غيره (^٦).
وفي هذا الكتاب أسند أيضًا المصنِّف حديثًا (عدا أسانيده للموطأ)
_________________
(١) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٩٠، ٢٩٩).
(٢) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥، ٢٠٨).
(٣) انظر: المعجم في أصحاب أبي علي (ص: ١٥).
(٤) انظر: التكملة (١/ ٣٤٢).
(٥) انظر: التكملة (١/ ٢٤٤).
(٦) انظر: المعجم في أصحاب الصدفي (ص: ١٥ - ١٧)، والذيل والتكملة (٥/ ١ / ١٥٥).
[ ١ / ٥٤ ]
فأسند في (٥/ ٣٨٠) من طريق شيخه أبي علي الجياني بإسناده إلى أبي بكر الشافعي، عن محمد بن الفرج بن الأزرق، عن الواقدي، عن محمد بن عمر بن عبد الحكيم، عن عوف بن الحارث، عن عائشة مرفوعا: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت … "، وعن أبي عليٍّ الجياني بإسناده إلى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن يحيى بن أبي حاتم، عن الواقدي به.
وهذا حديث من بلاغات مالك، وقال عنه ابن عبد البر الإمام الحافظ: "لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ، إلا ما ذكره الشافعي في كتاب الاستسقاء عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال، وذكره" (^١).