بعد حياة حافلة بالأخذ والتلقي والسماع، ثم التحديث والإلقاء والإفتاء، اخترمت المنيةُ أبا العباس الدافي ببلده دانية رحمه الله تعالى.
وقد اختلف العلماء في تحديد سنة وفاته على قولين.
القول الأول: أنه توفي في نحو العشرين وخمسمائة.
وبه قال القاضى عياض، وتبعه ابن بشكوال (^١).
القول الثاني: أنه توفي لسبع خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
وهو قول ابن أخيه أحمد بن سليمان، وابن الأبّار، والضبي، وابن خبيش، والمراكشي، بل هو قول غير واحد من أهل دانية، وهو الصواب (^٢).
وجاء في حاشية (١) من كتاب الصلة (١/ ٧٩) تعليقا على قول ابن بشكوال في وفاته ما نصّه: "هذا غلط كبير، نقلت من خط أبيه قي
_________________
(١) انظر: الغنية (ص: ١١٨)، والصلة (١/ ٧٩).
(٢) انظر: التكملة (١/ ٤٤)، وبغية الملتمس (ص: ١٨٠)، والذيل والتكملة (١/ ١ / ١٣١)، وتاريخ الإسلام (وفيات ٥٣١ - ٥٤٠/ ص: ٢٦٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
مصحفه: وُلد أحمد طاهر بن علي بن عيسى في آخر الساعة الرابعة من يوم السبت اليوم التاسع من شوال سنة سبع وستين وأربع مائة، ووافق ذلك اليوم السادس من يونيه، ونقلت من خطِّ ابن أخيه الفقيه أبي جعفر أحمد بن سليمان بن طاهر كاتب القاضي الحسيب أبي الشرف بن أسود تحت مولده: اثنتين وثلاثين وخمس مائة، وهو ثامن عشر من فبراير، قلت: وهكذا أخبرني غير واحد من أهل دانية. من هامش الأصل المعتمد عليه". اهـ.
وقال ابن الأبّار: "وغلِط (أي ابن بشكوال) غلطًا لا خفاء به، فجعلها في نحو العشرين وخمسمائة كما جعلها القاضي عياض، وعنه نقل ذلك فيما أحسب. وأنا قرأت السماع منه لصحيح مسلم بدانية يا جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وتوفي يما سابع من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين، بعد عام كامل من تاريخ هذا السماع، وكذا قال ابن حبيش فِي وفاته" (^١).
قلت: وقد تقدّم في مبحمث تلاميذ المصنِّف أنَّ عبد الرحمن بن محمد بن تقي الحضرمي حمع من أبي العباس الداني صحيح مسلم سنة (٥٣١ هـ).
ومحمد بن علي بن عطية العبدري له سماع من أبي العباس الداني سنة (٥٣١ هـ) أيضًا.
وعلي بن محمد بن أحمد الأزدي، أبو الحسن الداني، روى عن أبي العباس الداني، وسمع منه السنن سنة (٥٢٩ هـ).
_________________
(١) التكملة (١/ ٤٤)، وانظر: الذيل والتكملة (١/ ١/ ١٣١).
[ ١ / ١٠٧ ]
ثم إنَّ القاضي عياضًا وابن بشكوال لم يحدِّدَا السنة التي توفي فيها تحديدًا دقيقًا، وحدّدها آخرون باليوم والشهر والسنة.
فهذه أدلةٌ واضحة تدل على غلط القاضي عياض ومن تبعه في وفاة أبي العباس الداني، والصواب أنَّه توفي سنة (٥٣٢ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
[ ١ / ١٠٨ ]