ذكر المصنِّف رحمه الله تعالى مسألة صفات الله تعالى عند ذكره لحديث الجارية وفيه سؤالها: "أين الله؟ "، وقولها: "في السماء"، وهذا إشارة إلى مسألة العلو، وعند حديث أبي هريرة في نزول الله ﵎ إلى سماء الدنيا، فأوجز الكلام في الموضع الأول، وأفاض في الموضع الثاني بذكر مذهب أهل الحق والمذاهب المخالفة لهم والردِّ عليهم.
_________________
(١) انظر: النبوات (ص: ٥٩ - ٦٣).
(٢) انظر: (٢/ ٩٤).
(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص: ١٧٩، وما بعدها)، مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٤١٢).
[ ١ / ٨٣ ]
قال في الموضع الأول: "وفي هذا الحديث (أي حديث الجارية) أنَّ اللهَ ﷻ في السَّماءِ كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، والله تعالى مَوْصوفٌ بذلك من غَيرِ تَكْييفٍ ولا تَحْدِيدٍ ولا تَشبيهٍ؛ إذْ ليس كمِثله شيءٌ، وقد ذكرنَا في حديثَ التَّنَزُّل طريقَ العِصْمَةِ في هذا الباب، والله المُوَفِّقُ للصواب" (^١).
وقال في الموضع الثاني -حديث النزول-: "وهذا حديثٌ صحيحٌ لا مَطْعَنَ فيه، خَرَّجه البخاريُّ ومسلمٌ وسائرُ أئمَّةِ الحديثِ وتَلَقَّوْه بالقَبولِ.
قال ابنُ وضَّاح: أخبرني زهيرُ بنُ عَبَّاد قال: "كلُّ مَن أدرَكتُ من المشايِخ، مالكُ بنُ أنس، وسفيان بن عيينة، وفضيلُ بن عِياض، وعيسى بنُ يونس، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بنُ الجراح يقولون: التنزُّلُ حقٌّ".
وقيل لشَريك بن عبد الله القاضي: "إن عندنا قومًا يُنكِرون هذه الأحاديث: إنَّ الله سبحانه يَتَنزَّل إلى السماء الدنيا، وما أشبَهَها. فقال: إنَّما جاءنا بهذه الأحاديثِ مَن جاءنا بالسُّننِ عن رسولِ الله ﷺ كالصَّلاةِ، والزَّكاة، والصيام، والحج، وبِهم عَرَفْنا اللهَ ﷿".
قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وهذا الحديثُ وما أشبَهُه كحديثِ: "مَن تقرَّبَ إليّ شِبرًا تَقرَّبتُ إليه ذِراعًا، ومَن تقَرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ مِنه باعًا، ومَن أتانِي يَمشِي أتيتُه هَروَلةً"، وحديثِ الحَشْرِ: يَأتيهم اللهُ ﷿ في غير الصورَةِ التي يعرفونَها وفي الصورةِ التي يعرفونها، وسائرِ الأحاديثِ التي ظاهِرُها التَّشبِيهُ كثيرةٌ مستفيضةٌ
_________________
(١) انظر: (٢/ ٣٠٨).
[ ١ / ٨٤ ]
نُقِلَتْ إلينا بِمجموعِها نقلَ تواتُرٍ كنَقلِ الشريعةِ التي تُعُبِّدْنَا بها، ومِصداقُها مِن كتابِ الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومِثلُ هذا كثيرٌ غيرُ مَنكورٍ، امْتحَنَ الله تعالى به عبادَه كما امتَحَنَهم بعِدَّة أصحابِ النَّارِ، وبِضربِ الأمثالِ بالبعوضَة ونحوِها، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ ".
ففي كلامه هذا بيّن أنَّ مسألة صفات الله تعالى ومنها النزول حق، جاء بها القرآن والسنة الصحيحة، وتلقّاها سلف الأمة بالقبول، وهي بمجموعها منقولة نقل تواتر تعبّدنا الله تعالى بها.
ثم ذكر انقسام الناس في أحاديث الصفات إلى ثلاثة أقسام فقال:
"والناسُ في هذه الأحاديث ثلاثُ فرقٍ كلُّ حِزْبٍ بما لَديهم فَرِحُون:
قومٌ تعاطَوا معرفةَ حقائقِ الأشياءِ وكيفيّاتِها، فما لَم تَتَصوَّرْه أوهامُهم ولا اتّسَعَتْ له أفهامُهم نَفَوْه وأبعَدُوه وكذّبوا به وقالوا: هذا تشبِيهٌ، والرَّب تعالى مُنَزَّه عنه.
وهيهاتَ أنتُم أعلمُ أم الله؟! كيف يُنزَّه اللهُ ﷻ عمَّا أخبَر به رسولُه وما هو مُطابِقٌ لِمَا وصفَ به نفسَه في كتابِه، وأنّى يكون ذلك تشبِيهًا، وإنَّما التشبيهُ أن تُشبَّه صفةٌ بصِفةٍ، أو يُوصَفَ الفعلُ بِصفةٍ تقتَضِي الحدُوثَ، تعالى الله عن ذلك علُوًا كبِيرًا.
ولو رَجَعَ أَحدٌ مِن هؤلاءِ إلى نفسِه، وعَلِم قُصُورَ عِلمِه، وعَجْزَه عن
[ ١ / ٨٥ ]
إدراكِ ذاتِه بأنْ يطالِبَها بتَصَوُّرِ حقيقَةِ الرُّوح وصِفةِ الإدراكِ في النَّومِ؛ إذ يَرَى نفسَه في البلادِ الثانِيةِ، وفي صُعُودٍ وهُبوطٍ، ويَرَى أنّه يُبصِرُ ويَسمَعُ ويَتكلَّمُ، لأَذعَنَ ويَئسَ مِن تصوُّرِ أفعالِ الإلهِ الذي لا شَبِيهَ له ولا نَظير، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ".
وهذا القسم الأول هم المأوِّلة من المعتزلة والأشاعرة النافون لصفات الله تعالى مستدلّين بشبه كالتي ذكر المصنِّف من أنَّ إثبات الصفات يقتضي التشبيه والله منَزّه عن التشبيه، وأَحسَنَ المصنِّف الردّ عليهم، وهذا يشمله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ثم وصف الفرقة الثانية فقال:
"وقَومٌ تَلَقَّوا ذلك بالقَبولِ، إلَّا أنَّهم ادّعَوا فَهْمَ ذلك الكلامِ المنقولِ، وزَعَمُوا أنه لا يَعزُب عنهم معرِفةُ حقائِقِه ولا ما أُريدَ به، وتَعاطَوا تفسيرَه، فتكلَّفوا مِن ذلك ما لَم يُكلّفوه، وشَغَلوا أنفسَهم بما لَم يُتعبَّدوا به، فَسَلَكُوا مع مَن ساواهم في العِلمِ بزَعمِه طريقَ الجِدَالِ والمِراءِ، وعَرَّضُوا العامَّةَ والمُتَعلِّمينَ للحَيْرَةِ والفِتنَةِ العَمياءِ؛ إِذ قد يَسمعُ أحدُهم كلامَ الفريقين، ويريدُ بزعمِه تَقلُّدَ أحْسَنَ القولَين، فإنْ قَصُرَ عِلمُه أو عَزَبَ فهمُه ارتابَ أو مالَ إلى قولِ المُخالفِ فَضَلَّ وغَوَى، وشَقِيَ باتّباع الهَوَى".
ثم ذكر المصنِّف الفرقة الثالثة فقال:
"والفرقةُ الثالثةُ، وهي النَّاجيةُ؛ قومٌ آمنوا بالغَيبِ، ولَم يُداخِلْهم شَكٌّ ولا رَيبٌ، تَركُوا الخَوضَ في الجِدالِ، واشتَغَلُوا بصالِح الأعمال،
[ ١ / ٨٦ ]
وتَأسَّوا بالصحابةِ والتابعين وسائِرِ الأئمَّةِ المهتدِين الذين سلَّمُوا فسَلِمُوا، وكَفُّوا فعُصِموا، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قال الوليدُ بنُ مسلم: سألنا الأوزاعي وسفيانَ الثوري ومالكَ بنَ أنس واللّيثَ بنَ سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فكلُّهم قال: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، وهكذا حَكى الأوزاعيُّ عن مكحولٍ والزهريِّ أنَّهما قالا: "أمِرُّوا الأحاديثَ كما جاءت"، وحكى الترمذيُّ عن مالكٍ، وسفيانَ بنِ عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنّهم قالوا: "أمِرُّوها بلا كيف"، وجاء نحوُ هذا عن الشافعي وغيره.
وقيل لمالك: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استَوَى؟ فعَلَاه الرُّحَضاءُ ثم سُرِّيَ عنه فقال: "الاستواءُ غيرُ مجهول، والكَيْفُ غيرُ معقول، والإيمان به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، والكلامُ فيه ضَلَالَةٌ".
وقال الأوزاعيُّ لِمَن أوصاه: "اصْبِرْ نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القومُ، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عمَّا كَفُّوا، واسلُكْ سبيلَ سلَفِك الصالح، فإنَّك يَسَعُكَ ما يَسَعُهم".
وهذا هو الاعتقادُ السليمُ والمنهجُ القويمُ، وهو الذي كان عليه السلفُ القديمُ، وكفى بالصحابَةِ رضوان الله عليهم، فَهُمْ القدوةُ، ولنا فيهم أُسْوَةٌ، لَم يبلغْنا أن أحدًا منهم خاضَ في مِثلِ هذا بنوعٍ مِن الجدالِ أو التأويلِ، ولا أنه أباح فيه تَصرّفَ القالِ والقيل، ولَهُم كانواَ أَولَى بالبيان وأَعلَمَ بالسُّنّةِ وباللِّسانِ، وأجدَرَ بتحصينِ قواعِدِ الإيمانِ، فحَسْبُنا أن نتأسّى بهم ونهتَدِيَ بهَديهِم، وأن يُعلَم أنَّ صفاتَ الرَّبِّ سبحانه لا
[ ١ / ٨٧ ]
تُشَبَّه بصفاتِ المخلوقين، وأن أفعالَه ﷻ مقدَّسَةٌ عن اعتِراض المُبطلين، وأن نُقابِلَ جميع ما ورد مِن ذلك مُجمَلًا بالقَبول والتَّسلِيمِ، وأن نَقولَ عندَ سَماع كلامِ أهلِ الزَّيغ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (^١).
هذا آخر ما ذكره المصنِّف من اعتقاده في الصفات، وهو اعتقاد سليم، إلَّا أنَّ كلامَه فيه إجمال في بعض المواضع، قد يُفهم منه غير ما أراد المصنِّف.
الموضع الأول:
فمن ذلك قوله: "وسائرِ الأحاديثِ التي ظاهِرُها التَّشبِيهُ كثيرةٌ مستفيضةٌ".
فأحاديث الصفات ليس ظاهرها التشبيه عند ذوي الفطر السليمة والعقول المستقيمة، وإنما ظاهرها التشبيه عند من ساء فهمه، وتغيّرت فطرته، ولعل المصنِّف يقصد بكلامه هذا المصنف من الناس الذي تغيّرت فطرته، ويدلُّ عليه ردُّه بعدها على المأوِّلة الذين شبّهوا صفات الربِّ بصفات المخلوقين، ثم نفوا عن الربِّ الصفات التي وصف بها نفسه.
الموضع الثاني:
قوله في وصف الفرقة الثانية: "وقَومٌ تَلَقَّوا ذلك بالقَبولِ، إلَّا أنَّهم ادّعَوا فَهْمَ ذلك الكلامِ المنقول، وزَعَمُوا أنه لا يَعزُب عنهم معرِفةُ حقائِقِه ولا ما أُريدَ به، وتَعاطَوَا تفسيرَه، فتكلَّفوا مِن ذلك ما لَم
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٢١ - ٣٢٩).
[ ١ / ٨٨ ]
يُكلَّفوه، وشَغَلوا أنفسَهم بِما لَم يُتعبَّدوا به".
فلعلَّ مراد المصنِّف من هذه الفرقة المشبِّهة، الذين شبّهوا صفات الربِّ بصفات المخلوقين، وفسّروها على غير المراد منها، وشبّهوا صفة بصفة، أما السلف رضوان الله عليهم فإنهم أثبتوها على مراد الله تعالى، ولم يشبِّهوا صفة بصفة، يقول الخطيب البغدادي ﵀: "أما الكلام في الصفات، فإنَّ ما روي منها في السنن الصحاح، مذهبُ السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفيُ الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصدُ إنما هو سلوك الطريقة المتوسّطة بين الأمرين، ودينُ الله تعالى بين الغالي فيه والمقصِّر عنه، والأصلُ في هذا أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أنَّ إثبات ربِّ العالمين ﷿ إنّما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنَّما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يدٌ وسمعٌ وبصرٌ، فإنَّما هي إثباتُ صفاتٌ أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إنَّ معنى اليد القدرة، ولا إنَّ معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنَّها جوارح أو أدوات، ولا نشبّهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارحُ وأدوات للفعل، ونقول: إنَّما وجب إثباتها؛ لأنَّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (^١).
_________________
(١) جواب أبي بكر الخطيب عن سؤال بعض أهل دمشق (ص: ٦٤ - ٦٥). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٤).
[ ١ / ٨٩ ]
الموضع الثالث:
قوله في وصف الفرقة الثالثة: "الفرقةُ الثالثةُ، وهي النَّاجِيةُ؛ قومٌ آمنوا بالغَيبِ، ولَم يُداخِلْهم شَكّ ولا رَيبٌ، تَركُوا الخَوضَ في الجِدالِ، واشتَغَلُوا بصالح الأعمالِ، وتَأسَّوا بالصحابةِ والتَّابعين وسائِرِ الأئمَّة المهتدِين الذين سلَّمُوا فسَلِمُوا، وكَفُّوا فعُصِموا … "، ثم قال في آخر كلامه: "أن يُعلَم أنَ صفاتَ الرَّبِّ سبحانه لا تُشَبَّه بصفاتِ المخلوقين، وأنَّ أفعالَه ﷻ مقدَّسَةٌ عن اعتِراض المُبطلين، وأن نُقابِلَ جميع ما ورد مِن ذلك مُجمَلًا بالقَبول والتَّسلِيمِ".
فقد يُفهم من كلامه ﵀ تفويض المعنى إلى الله تعالى فى دون فهم لها، ولا أظن أنَّ هذا مراد المصنِّف بدليل أنه أورد بعد كلامه الأول آثار السلف في الصفات وأنّهم قالوا: "أمرِّوها كما جاءت بلا كيف"، وكذا أثر الإمام مالك في صفة الاستواء، وفيه: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، وأثبت في كتابه صفة اليد لله ﷿، فقال عند ذكرِه لحديث ذي اليدين في سجود السهو، فقال: "ووجه قول النبي ﷺ ذو اليدين على قول من زعم أنَّ ذا الشمالين هو المخاطَب أنَّ ذلك على طريق التأدّب. قالت عائشة ﵂ عنه: كان إذا سمع الاسم القبيح غيّره. ولم يقل له ذو اليمين؛ لأنَّهما صفة مدح اختص بها الله ﷾، قال ﷺ: "كلتا يديه يمين" (^١).
_________________
(١) انظر: (٥/ ٢٩٠).
[ ١ / ٩٠ ]
فالسلف ﵃ إنَّما نفوا كيفية الصفة وأثبتوا حقيقتها من غير تشبيه ولا تمثيل، بخلاف المعطِّلة من المأوِّلة والمفوِّضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ربيعة ومالك. "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" موافقٌ لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف" فإنَّما نفوا علْمَ الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضًا فإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنّما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، وأيضًا فإنَّ من ينفي الصفات الجزئية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف" فمن قال: إنَّ الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضًا فقولهم: "أمرُّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنّها جاءت ألفاظًا دالّة على معاني، فلو كانت دلالتُها منتفية لكان الواجب أن يُقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يُقال حينئذ: "بلا كيف"؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول" (^١).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص: ٢٥).
[ ١ / ٩١ ]
وقال ابن القيم ﵀: "ومراد السلف بقولهم: "بلا كيف" هو نفي التأويل، فإنّه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنَّهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيِّف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا، حتى يكون قول السلف "بلا كيف" ردًّا عليه، وإنّما ردّوا على أهل التأويل الذي يتضمّن التحريف والتعطيل، تحريف اللفظ وتعطيل معناه" (^١).
وقال أيضًا: "إنَّ العقل قد يئس من تعرّف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنّه لا يعلم كيف الله إلّا الله، وهذا معنى قول السلف "بلا كيف" أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعَجْزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كلّه، والجمال كلّه، والعلم كله، والقدرة كلّها، والعظمة كلّها، والكبرياء كلّها، مَن لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُه السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١٩٩).
[ ١ / ٩٢ ]
سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلّها إلى علمه أقلَّ من نسبة نقْرة عصفور من بحار العلم الذي لو أدتَّ البحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفَنِيَ المداد وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أنَّ الخلق من أول الدنيا إلى آخرها، إنسهم وجِنّهم، وناطقهم وأعجمهم، جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثمّ يهزّهنَّ، ثم يقول: أنا الملك.
فقاتل الله الجهمية والمعطّلة! أين التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ ها هنا كلُّ موجود سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولّاها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها.
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرَّت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبّهت أوَّلًا، وعطّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيه، وبأتباعه" (^١).
المسألة الخامسة: هل يطلق على الله اسم الدهر.
أورد المصنِّف حديث: "لا يقولَنَّ أحدُكم: يا خيبةَ الدَّهرِ، فإنَّ الله هو الدَّهر"، ثم قال: "كان أهلُ الجاهليةِ إذا أصابَتهم سَنَةٌ أو شِدَّةٌ ذَمُّوا
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
[ ١ / ٩٣ ]
الفاعلَ لذلك، واعتقَدوا أنه الدَّهرُ كقولِهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فأخبَرَ النبي ﷺ أن الله سبحانه هو الفاعِلُ لذلكَ، الذي تُسمُّونَه الدَّهرَ جهلًا وإِلحادًا، فكأنّه يقول: لا تَسبُّوا الدَّهرَ لفعلِ يظهرُ فيه تأسِيًا بأهلِ الجاهلية، فإن السَّبَّ يعود إلى الفاعِلِ بمقتضَى المَقصِدِ المذكورِ، والفاعلُ هو الله سبحانه، أيْ أنَّ الله ﷻ هو المعني بهذا الاسمِ في هذه الحالِ، لا أنه يقعُ عليه حقيقةً" (^١).
وما ذكره المصنِّف هو اعتقاد السلف ﵏، وأنَّهم لا يذكرون اسم الدهر من أسمائه الحسنى سبحانه، قال الحافظ ابن كثير ﵀: "قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﷺ: "لا تسبّوا الدهر فإنَّ الله هو الدهر": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدّة وبلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيُسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبّونه، وإنَّما فاعلها هو الله، فكأنهم سبّوا الله ﷿؛ لأنَّه فاعل ذلك على الحقيقة، فلهذا نهى عن سبِّ الدهر بهذا الاعتبار؛ لأنَّ الله هو الدهر الذي يعنونه ويُسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذًا من هذا الحديث" (^٢).
المسألة السادسة: إثبات القدر وأنَّه من فعل الله سبحانه.
ذكر المصنف حديث: "تحاجَّ آدمُ وموسى، فحَجَّ آدمُ موسَى … "،
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٩٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٦).
[ ١ / ٩٤ ]
وفيه قولُه: "أنتَ آدمُ الذي أغويتَ الناسَ، وأخرجتَهم من الجَنّةِ"، وقولُ آدم: "أَفَتَلُومُنِي على أَمرٍ قد قُدِّرَ عَليَّ قبلَ أنْ أُخْلَقَ".
قال المصنِّف: "خَرَجَ اللَّومُ على مآلِ الذنْبِ، فلِذلك احتجَّ آدمُ بالقدَرِ الذي هو فِعلُ الله سبحانه" (^١).
وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فآدم ﵇ إنَّما حجَّ موسى؛ لأنَّ موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله في الذنب، فإنَّ آدم كان قد تاب من الذنب، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾، وموسى -ومن هو دون موسى ﵇ يعلم أنّه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتجَّ بالقدر على الذنب، وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجّة، فإنَّ هذه لو كانت حجّة على الذنب لكانت حجّة لإبليس عدوّ آدم، وحجّة لفرعون عدوّ موسى، وحجّة لكلِّ كافر فاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنَّما كان القدر حجّة لآدم على موسى؛ لأنّه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه ..
ثم أورد شيخ الإسلام الآيات والأحاديث الدالة أنَّ المصيبة تكون بإذن الله وقدره، ثم قال: فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وهذا واجب فيما قدر من
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٩٠).
[ ١ / ٩٥ ]
المصائب بغير فعل آدمي كالمصائب السماوية، أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم ﵇ فإنه لا سبيل إلى لومه شرعًا؛ لأجل التوبة، ولا قدرًا؛ لأجل القضاء والقدر، وأما إذا ظلم رجل رجلًا فله أن يستوفي مظلمته على وجه العدل، وإن عفا عنه كان أفضل له، كما قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ " (^١).
والكلام في هذا المعنى كثير متشعّب، وما أوردته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية جامع لشرح هذا الحديث وكلام المصنِّف، والله أعلم.
المسألة السابعة عشر: معنى الفطرة الواردة في حديث أبي هريرة: "كلُّ مولود يولد على الفطرة". قال المصنِّف ﵀: "والفطرةُ ابتداءُ الخَلقِ، وقيل: المرادُ بها في هذا الموضعِ العهدُ الذي ذَكَر الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وهدا يَتَضَمَّنُ الإقرارَ بالربوبيَّة، فكلُّ مولودٍ مَفطورٌ على ذلك الإقرارِ، ولا يزالُ على حكمِه حتى يبلغَ الحُلُمَ ويعقِلَ، فإنْ مات قبلَ ذلك كفاه الإقرارُ الأوَّلُ؛ إذ لَم يُتَعبَّدْ بغيرِه، ولا وَقَعَ منه عصيانٌ، كما قال ابن عباس: "قد أقَرُّوا بالميثاقِ الأوَّلِ، ولَم يعملوا عملًا ينقُضُ ذلك"، وإن بَلَغَ عاقلًا كُلِّف الإقرارَ بالوحدانيَّةِ، وهذا تكليفٌ عامٌّ يَعُمُّ الأديانَ كلَّها قديمًا وحديثًا، ومَن أباه كان مشركًا على الإطلاقِ، ويَتَركَّبُ على هذا الإقرارُ بالرِّسالةِ، ثمَّ قَبولُ الشرعِ الذي جاء به
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٨، ١٠٩).
[ ١ / ٩٦ ]
الرسولُ ﷺ، وبهذا تَختلِفُ الأديان والمِلَلُ.
وأمَّا الإقرارُ الأوّلُ فعامٌّ، قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، روى عِياضُ بنُ حمارٍ المُجاشِعي أن رسولَ الله ﷺ قال ذاتَ يومٍ في خطبتِه: "ألَا إن ربي أمرَنِي أن أعَلِّمكم ما جَهِلتُم مِمَّا علَّمَنِي يومِي هذا، أَنِّي خلقتُ عبادِي حُنفاءَ كلَّهم، وأنَّهم أَتتْهم الشياطينُ فاجتَالَتْهم عن دِينهم فحَرَّمتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهم أن يشرِكوا بي ما لَم أنَزِّل به سلطانًا … ". الحديث خَرَّجه مسلم" (^١).
وما ذكره المصنِّف مِن تفسير الفطرة بابتداء الخلق هو أحد الأقوال المحكية عن السلف (^٢)، أو بالعهد الذي أخذه الله ﷿ على بني آدم، وهو قول حماد بن سلمة كما أخرجه عنه أبو داود (^٣)، وغيره من السلف (^٤).
والقول المشهور عن السلف أنَّ المراد بالفطرة هنا هو الإسلام (^٥)، وليس المراد أنَّه يولد يعلم الدين، ولكن المراد أنَّ فطرته مقتضية لمعرفة دين
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٢) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٨).
(٣) السنن كتاب: السنة، باب: ذراري المشركين (٥/ ٨٩ / رقم: ٤٧١٦).
(٤) انظر: التمهيد (١٨/ ٨٣)، الفتح (٣/ ٢٩٣).
(٥) انظر: التمهيد (١٨/ ٧٢)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨١)، الفتح (٣/ ٢٩٢). تنبيه: لم يرتض ابن عبد البر القول بأنَّ معنى الفطرة الإسلام، خلافا لما يشير إليه كلام الحافظ ابن حجر في الفتح، واختار ابن عبد البر قول من يقول إنَّ المراد بالفطرة هنا السلامة والاستقامة في الخِلقة التي يخلق عليه المولود في المعرفة بربّه، بخلاف خِلقة البهائم.
[ ١ / ٩٧ ]
الإسلام ومحبّته، فهي تستلزم الإقرار والمحبة، فكل مولود يولد على الإقرار بالوحدانية، ثم إذا بلغ فالتفصيل ما ذكره المصنِّف.
المسألة الثامنة: مآل أولاد المسلمين وأولاد المشركين.
ذكر المصنِّف هذه المسألة إثر المسألة السابقة فقال: "واختَلَفت الآثارُ في مَن يَموت صغيرًا قبل بلوغِ حَدِّ التَّكليفِ، فَفِي هذا الحديث أنه قيل له: "أرأيتَ الذي يموتُ وهو صغيرٌ؟ ". وفي بعض طرقِه: "أرأيتَ مَن مات قبلَ ذلك؟ -أي قبلَ أنْ يُضِلَّه أبوه-"، فقال: "اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين"، وليس في هذا إِخبارٌ بمآلِ حالِهم، وإنَّما فيه العلمُ إلى الله سبحانه، أيْ أنَّ الله تعالى عالِمٌ بماَ كانوا يعملون لو بَلَغوا حَدَّ التَّكليفِ، فلَه أنْ يُجازِيَهم بذلك إن شاء.
ونحوُ هذا ما رُوي عن عائشةَ قالت: "دُعِيَ رسولُ الله ﷺ إلى جنازةِ صَبِيٍّ مِن الأنصار، فقلتُ: يا رسولَ الله طوبَى لهذا، عصفورٌ من عصافِيرِ الجَنَّةِ لَم يعملْ السوءَ ولَم يُدرِكْهُ، قال: أَوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله تعالى خَلَقَ للجَنّة أهلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أَصلابِ آبائِهم، وخَلَقَ للنّارِ أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" خَرَّجه مسلم، ولَعلَّ هذا القولَ كان قبلَ أن يُوحَى إليه فِيهِم، وقد أُمِرَ أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، ولَمَّا أُعلِمَ بعد ذلك بِمآلِهم أَخْبَرَ به.
فمِن ذلك ما رواه سمرة بنُ جُندب أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أتاني اللّيلةَ آتيان، فقالا لي: انطَلِق! انطلق! … "، وذَكَرَ الحديثَ، وقال فيه: "فأَتَينَا على رَوضَةٍ -وَصَفَها- وإذا بَين ظهراني الروضة رجلٌ طويلٌ
[ ١ / ٩٨ ]
وإذا حولَه مِن أكثرِ وِلدان رأيتُهم قطُّ وأحسنِه، قال: قلت: ما هذا وما هؤلاء؟ … "، -وذكرَ كلامًا- ثمَّ قال في تفسيرِ ذلك: "وأمَّا الرَّجلُ الطويلُ الذي في الروضةِ فإنه إبراهيمُ ﵇، وأمَّا الولدان الذين حولَه فهو كلُّ مولودٍ مات على الفِطرة. فقيل: يا رسول الله! وأولادُ المشركين؟ فقال ﷺ: وأولادُ المشركين" خرَّجه البخاري، وهذا كحديثِ الإسراء، ومُقتضاه أن الولدان في الجَنَّةِ مع النَّبِيِّين.
وفي حديثِ خَنساءَ بنتِ معاوية، عن عمِّها قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "النبي في الجَنَّةِ، والشهيدُ في الجنة، والمولودُ في الجَنّةِ، والوَئِيدُ في الجنة" خَرَّجه أبو داود، وقاسِمُ بنُ أصبغ، وابنُ أبي شيبة.
وهذه أَخبارٌ تَعُمُّ جميعَ الأطفالِ، أولادُ المؤمنين وأولادُ الكافرِين، وأمَّا ما يَخُصُّ أولادَ المؤمنين فكثيرٌ، مِن ذلك حديثُ أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "ما مِن الناسِ مسلمٌ يموتُ له ثلاثةٌ من الولَدِ لَم يبلُغُوا الحِنثَ إلَّا أدخله الله الجَنَّةَ بفضلِ رحمتِه إيّاهم"، خَرَّجه البخاري، وخَرَّج النسائي عن أبي هريرةَ نحوَه وزاد فيه: "قال: يُقال لهم: ادخُلُوا الجَنَّةَ، فيقولون: لا، حتى يَدخلَ أبوانا. فيُقال لهم: ادخلُوا الجَنّةَ أنتم وآباؤكم".
وقد وَرَدَ في أولادِ الكفارِ أنّهم خَدَمٌ لأَهلِ الجنة. وجاء أنّهم يُمتَحنون يومَ القيامةِ بالأمرِ بدخول النار، ورُويَ أنَّهم مع آبائِهم، وهذا في أحكام الدنيا خاصَّة، ولولَا شرط الاخَتصارِ لتَقَصَّينا تلكَ الأخبار، والأصلُ ما ذكرناه وما صحَّ مِن الآثارِ، وقَلَّ ما يُخالِفُ معناه" (^١).
_________________
(١) انظر: (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٤).
[ ١ / ٩٩ ]
ففي كلامه ﵀ قسَّم الأولاد قسمين، فأمَّا أولاد المسلمين استدلَّ لهم بأنهم في الجنَّة، وهذا قول الأكثر من أهل العلم، وقال النووي: "أجمع من يُعتدُّ به من علماء المسلمين على أنَّ من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة" (^١).
وأمَّا أولاد المشركين فالذي يظهر أنه اختار القول بأنهم في الجنة؛ وذلك أنَّه أورد بعض الأحاديث التي يستدل بها من ذهب إلى هذا القول كحديث خنساء وغيرها، ثم قال: "وهذه أَخبارٌ تَعُمُّ جميعَ الأطفالِ، أولادُ المؤمنين وأولادُ الكافرِين"، ثم ذكر الأقوال الأخرى في المسألة ولم يستدلَّ لها، ثم قال: "والأصلُ ما ذكرناه وما صح مِن الآثارِ، وقَلَّ ما يُخالِف معناه".
وهذا القول الذي ذهب إليه المصنف هو قول بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وهو ظاهر اختيار الإمام البخاري في صحيحه (^٢)، والأدلة تعضد هذا المذهب والله أعلم، وقال النووي: "وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحقِّقون" (^٣).
هذا آخر ما يمكن تلخيصه من المسائل العقدية التي ذكرها المصنِّف في كتابه، وهي تعطينا دلالة واضحة أنه كان على منهج السلف الصالح في
_________________
(١) انظر: التمهيد (١٨/ ٩٦)، شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٧)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٨٣)، الفتح (٣/ ٢٩١).
(٢) انظر: الفتح (٣/ ٢٩٠).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨)، وانظر (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٤) من هذا الكتاب.
[ ١ / ١٠٠ ]
عقيدتهم، وأنَّه كان متَّبعًا للكتاب والسنة في ذلك، ﵀ وأجزل له المثوبة.