الحمد لله ربِّ العالَمين، إلَه الأوَّلِين والآخرين، خالقِ الخلقِ أجمعين، ومفضِّلِ بعضِهِم على بعضٍ في العقلِ والدِّين، وفي الفقرِ والغنى، وفي الضلالةِ والهدى، أَحْمَده على نِعمه المتضافرة، ومِنَنِه المتظاهرة، وآلائِه المتكاثرة، له الحمدُ على ما أَوْلَى وأَنْعَم، وأشهَدُ أن لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، خاتَمُ رُسلِه وأنبيائِه، ومُبَلِّغُ أحكامِه وأنبائِه، وعلى آله وأصحابه الناقِلين أقوالَه وأفعالَه، والتابعين لَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فقد مَنَّ الله تعالى على أمَّة نبيِّه محمدٍ ﷺ بإكمال دينها، وإِتمَام نعمتِهِ عليها، بالإسلامِ الذي لا يَقبَلُ منها دِينًا سِواه، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
ومِن فضل الله تعالى أيضًا على هذه الأمَّة أَن أَنزل عليها أفضلَ كتابٍ على أفضلِ رَسولٍ، كتابٌ فيه كلامُ ربِّ العالَمين وخالقِ الخَلقِ أجمعين، الذي هو خيرُ الكلامِ وأحْسَنُه وأصدَقُه، الذي لا يَأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفِه، كتابٌ فيه نَبَأُ ما قَبلنا، وخَبَرُ ما بعدنا، وحُكم ما بيننا، هو الفَصْلُ لَيس بالهَزلِ، مَن تَرَكه مِن جَبَّارٍ قَصَمَه الله، ومَن ابْتَغَى الهُدَى فِي
[ ١ / ٥ ]
غيرِه أَضَلَّه الله، وهو حَبْلُ الله المَتينُ، وهو الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وهو الصِّراطُ المستقيمُ، هو الذي لا تَزِيغُ به الأهواءِ، ولا تَلْتَبِسُ به الألسن، ولا يَشْبعُ منه العُلماء، ولا يَخْلَق عَن كثرةِ الرَدِّ، ولا تَنقضي عَجَائِبُه، مَن قَال بِه صَدَقَ، ومَن عَمِل به أُجِرَ، ومَن حَكَمَ به عَدَلَ، ومَن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صِراطٍ مستقيم.
فلله الحَمد على نِعَمِه وآلائِه التِي لا تُحصَى وَصَدَق الله إِذ يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.
ومِن نِعمِه تعالى على عِباده أن بَعَث فيهم رَسولًا مِنهم، يَتْلُو عليهمِ آياتِه، ويُزَكِّيهم ويُعلِّمُهُم الكتابَ والحكمةَ، فكانت أقوالُه وأفعالهُ أحكامًا من أحكام الدِّين، مبيّنةً لِمَا أُنزلَ مِن كتابِ رَبِّ العالَمِينَ، وضَمِن الله تعالى حِفْظَها؛ إذ حِفْظُها هُو حِفظٌ للقرآن الكريمِ، قال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فبيّن ﷺ كتابَ ربِّه أحسنَ بيانِ وأكملَه، وبَلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمَانَةَ، ونَصَحَ الأمَّة، وجاهَدَ في الله حق جِهَادِه، ولَحِقَ بالرَّفِيقِ الأَعلى تارِكًا أمَّتَه على المَحَجَّةِ البَيضَاءِ ليلُها كنهارِها لَا يَزِيغ عنها إلَّا هالك، وقَامَ الصَّحابةُ رِضوان الله عليهم مِن بعده بتَبليغ سُنَّتِه وأحوالِه لِمَن بَعدهم رَاغِبِين فِي الأجرِ والثوابِ، عاملين بِما أُمروا به مِن تبليغ الدِّين وبيانِ الكتاب، ثم أَخَذ العلماءُ الكبارُ والفقهاءُ الأعلامُ في تَدوينها، والتألِيفِ بينها وتَصنِيفِها، يُمَيِّزون صَحِيحَها من سَقيمِها، حِمايةً لَها من التحريفِ والتبديلِ، ورجاءً من الله الأجْرَ الجَزيلِ.
وقد بَرَز في مَجال حِفظِ السُّنة النَّبويَّة علماءٌ أجلَّاء، وأئمةٌ أعلام، منهم إمامُ دارِ الهجرة النبويَّةِ شيخُ الإسلام حُجَّةُ الأمَّة، إمامُ الأئمَّةِ، أبو عبد الله
[ ١ / ٦ ]
مالك بنُ أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، المدني، حَليفُ بَنِي تَيْمٍ مِن قريش، ألَّف في ذلك كتابَه العظيمَ الموسومَ بالموطأ، وأَخَذ في تَنْقيحِه وتَهْذيبِه عشرات السنين، وانتَصَبَ لتَدْريسِه ونَشْرِه، فأخذَه عنه تلامذةٌ كثيرون، ضَرَبُوا أَكبادَ الإِبل للسَّماعِ عليه والاستفادَة منه، فانتَشَر كتابُه في الآفاق، وَعَوَّلَ عليه كثَيرٌ مِن المصنفينَ والمؤلِّفين في السُّنن وجَمع الأحاديث، فرَوَوا الكثيرَ من رواياتهم من طريقِه، واستفَادوا في تهذيبِ كتبِهِم وترتِيبِها وانتقاءِ رواتِها مِن كتابِه، فكان الأصلُ في البابِ، وغيرُه اللباب، وكان الموطأ أوَّلَ خُطوة في التَّأليف في صَحيح الحديث الثابتِ عن النبيِّ ﷺ؛ لذا كان انتشارُه أَكثرَ وأَبْلغَ من انتشارِ كتبٍ أُلفتْ في وَقت الإمامِ ﵀، كموطأ ابنِ أبي ذئب، ومسائلِ ربيعةَ وغيرِهما.
وبعد أن دُوِّنت الدَّواوينُ، وجُمعت السننُ، لَجَأ أئمة الإسلام، وعلماءُ الأمة إلى بيان معانِيها وفقهِها، والتَّمييزِ بين صحيحِها وسقيمِها، وبيان أحوالِ رواتِها ورِجالِها، وكلِّ ما حَوَتْه من فوائِدَ عِلميَّة؛ إِسناديةٍ ومتنيةٍ، ونال الموطأَ مِن ذلكَ الشيءُ الكثيرُ، فَعَكَفَ عليه أئِمَّة الهدى شَرْحًا وتَفسيرًا، اسْتنباطًا وتدريسًا، أخرجوا منه جَواهرَ العِلم ودُرَرَه، فصَنَّفوا في ذلك مصنَّفاتٍ عِدَّة، في عُلوم شَتَّى، وكان للمغارِبَة منهم والأندلسيين فضلُ السَّبَق في ذلك، واعْتَنَوْا بموطأ الإمام مالك بَعد دخوله المغربَ على يَدِ علي بنِ زياد التونسي في رواية، أو إدريس بنِ عبد الله الكامل -مؤسِّس دولة الأدارسة بالمغرب- في رواية أخرى، وإلى الأندلسِ على يد زِياد بن عبد الرحمن شَبْطُون، ثم يحيى بن يحيى الليثي، الذي ذاعَ صِيتُه، وانتشرَت
[ ١ / ٧ ]
روايتُه، وعَوَّل عليها الأئمَّة مِن بعده في شروحاتِهم، وتآلِيفِهم على موطأ الإمام مالك.
وقد اشتهر بين العلماءِ أنَّ الأندلسَ والمغربَ بَلَدُ فقهٍ وفروعٍ، لا بَلدُ حديثٍ وإسناد، وأنَّ علماءَه اقْتَدَوا بعلماء الشَّرقِ وسَلَكُوا مسالِكَهم، وقلَّدوهم في علومِهم، وليس لَديهم استقلالٌ ولا تَمَيُّزٌ عِلْمِيّ، ولمَّا بلغ أبَا عَمرو بنَ الصلاح كتابُ القاضِي عياض مشارق الأنوار في بيان غريبِ الموطأ والصحيحين وغير ذلك قال فيه:
مشارقُ أنوارٍ تَسَنَّت بسَبتة … وذا عجب كون المشارق بالغرب (^١)
انتهى قوله.
قلت: لا عجب من ذلك؛ فقد كان المغربُ والأندلسُ دارَ حديثٍ وفقهٍ، برَز فيه علماءُ كثيرون، وكان في الأندلس طائفةٌ من العلماءِ لا يقِلُّون عن نظرائهم بالعراق وغيرِها من يَنابِيع العلم، كبَقِيِّ بنِ مَخلِد، وقاسم بن أَصْبَغ، وابنِ أَيْمَن، ومحمد بن وضَّاح، وابنِ عبد البَر، وأَبي عَلِيٍّ الجَيَّانِي وأبي علي الصَّدَفِي، والقاضي عياض، وغيرهم.
قال ابن حزم الأندلسي: "أُلِّفت عندنا تآليف في غايَة الحُسْن، لنَا خَطَرَ السَّبَق في بعضِها، فمِنها كتابُ الهِداية لعِيسى بن دِينار، وهي أرفَعُ كُتُب جُمعت في معناها على مَذهب مالك وابنِ القاسم … -ثم عَدَّد ﵀ بعضَ كُتُب الفقه- ثم قال: وفي تفسير القرآن كتابُ أبي عبد الرحمن بَقِيِّ بنِ مخلد فهو الكتابُ الذي أَقْطَعُ لا أسْتَثْنِي فيه أنه لَم يُؤلَّف في الإسلامِ
_________________
(١) المعجم في أصحاب أبي علي الصدفي (ص: ٢٩٦).
[ ١ / ٨ ]
تفسيرٌ مثله، ولا تفسيرُ محمد بنِ جرير الطبري ولا غيرِه، ومنها في الحديث مصنّفه الكبيرُ الذي رَتّبه على أسماءِ الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، فرَوَى فيه عن أَلْفٍ وثلاثمائة صاحِبٍ ونَيِّف، ثمَّ رتَّب حَدِيثَ كلِّ صاحبٍ على أسماءِ الفقهِ وأبوابِ الأحكامِ، فهو مُصَنَّف ومسنَدٌ، وما أَعْلَمُ هذه الرتبةَ لأحدٍ قَبْلَه، مع ثِقَتِه وإتقانِه واحتِفَالِه في الحديث وجَوْدَةِ شيوخِه، فإنَّه رَوَى عن مائتَيْ رَجل وأربعةٍ وثمانينَ رَجلًا ليس فِيهم عشرة ضعفاء، وسائرُهم أعلامٌ مشاهير، ومنها مصَنّفه في فَتَاوى الصَّحابةِ ومَن دونَهم الذي أَرْبَى فيه على مصنَّفِ أبي بكر بنِ أبي شيبة ومصنّفِ عبد الرزاق بن همَّام ومصنَّف سعيد بنِ منصور وغيرِها، وانْتَظَمَ عِلمًا عظيمًا لَم يَقَعْ في شيء من هذِه، فصارتْ تآليفُ هذا الإمامِ الفاضلِ قواعدَ لِلإسلامِ لا نَظيرَ لَهَا، وكان متخيِّرًا لا يقلِّدُ أحدًا … ومنها في الحديث مصنَّفُ أبي محمد قاسم بنِ أصبغ بنِ يوسف بنِ ناصح، ومصنّفُ محمد بنِ عبد الملك بن أَيمن، وهما مصنّفان رَفيعَان احْتَوَيَا مِن صحيح الحديث وغريبِه على ما ليس في كثيرٍ من المصنَّفَاتِ، ولقاسمِ بنِ أصبغ هذا تآليفُ حِسانٌ جدًّا منها أحكامُ القرآن على أبوابِ كتابِ إسماعيلَ وكلامِه، ومنها كتابُ المجتبى علىِ أبوابِ كتاب ابنِ الجارود المنتقى، وهو خيرٌ منه وأنْقَى حَدِيثًا وأعْلَى سَنَدًا وأكثرَ فائدَةً، ومنها كتابٌ في فضائلِ قريش وكِنانة، وكتابُه في الناسخ والمنسوخ، وكتابُ غرائب حديث مالك بن أنس مِمَّا ليس في الموطأ.
ومنها كتابُ التّمهيد لصاحبنا أبي عُمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن بعدُ في الحياة لَم يَبْلغ سِنَّ الشَّيخَوخَة، وهو كتابٌ لَا أعلمُ في الكلامِ على فقهِ الحديث مثلَه أَصلًا، فكيفَ أحسَن مِنه، ومنها كتابُ الاستذكار، وهو
[ ١ / ٩ ]
اختصار التمهيد المذكورِ، ولصاحبِنا أبي عمر بن عبد البر المذكورِ كتبٌ لا مَثيلَ لَها -مَّ ذَكَرَ بعضَ كتبه-، ثم قال: ومنها كتابُ شيخِنا القاضي أبي الوليد عبد الله بنِ يوسف بنِ الفرضي في المختلِف والمؤتلِف في أسماءِ الرجال، ولَم يَبْلُغْ عبد الغنِيُّ الحافظُ المصريُّ في ذلك إلَّا كتابين، وبَلَغَ أبو الوليد ﵀ نَحوَ الثلاثين لا أعلم مثلَه في فنِّه أَلْبَتَّهَّ، ومنها تاريخُ أحمد بنِ سعيد ما وَضَعَ في الرِّجالِ أَحَدٌ مثلَه إلَّا ما بَلَغَنَا من تاريخ محمد بن موسى العقيلي البغدادي ولَمْ أَرَه .. - ثم ذكر كتبًا أخرى في الحديثِ والفقهِ واللّغة والتفسيرِ والشعر وغيرِ ذلك من العلومِ إلى أن قال-: وبَلَدنا على بعده مِن ينبوع العِلمِ ونَأيِه مِن مَحَلَّةِ العُلماءِ فقد ذَكَرْنا من تآليفِ أهلِه ما إن طُلبَ مثلُها بفارسَ والأهوازِ وديارِ مُضَرٍ وديارِ رَبيعةَ واليَمَنِ والشامِ أعْوِزَ وجودُ ذلك، على قُربِ المسافَةِ فِي هذه البلادِ مِن العراقِ التي هِي دارُ هجرةِ الفَهْمِ وذَوِيهِ، ومرادِ المعارفِ وأربابِها، ونحن إذا ذكرنَا أبا الأجْرَب جَعُونَة بنِ الصِّمة الكلابي في الشِّعر لَم نُباه به إلَّا جريرًا والفِرَزدَق؛ لكونِه في عصرهما، ولو أُنصف لاستثهد بشعره، فهو جار على مذهب الأوائل، لا على طريقة المحدَثين (^١)، وإذا سَمَّينا بقيَّ بنَ مَخلد لَم نسابِق به إلَّا محمدَ بنَ إسماعيل البخاريِّ ومسلمَ بنَ الحجاج القشيريِّ وسليمانَ بنَ الأشعث السجستاني وأحمدَ بنَ شعيبٍ النسائي … "، ثم ذكر ﵀ بعض رجالَ الأندلسِ موازِنًا بينَ نُظرَائِهم بالشَّرقِ .. إلى آخر كلامه ﵀ (^٢).
_________________
(١) ترجم له الحميدي في جذوة المقتبس (ص: ١٧٧) وقال: "من قدماء شعراء الأندلس"، ثم أورد كلام ابن حزم الماضي فيه.
(٢) انظر: نفح الطيب (٣/ ١٦٧ - ١٧٩).
[ ١ / ١٠ ]
وقال المَقَّرِيُّ: "وأمَّا حالُ أهلٍ الأندلسِ في فنون العلومِ؛ فتحقيقُ الإنصافِ في شأنِهم في هذا البابِ أنَّهم أحرَصُ الناس عليَّ التَّمَيُّزِ، فالجاهِلُ الذي لَم يوفِّقه اللهُ للعلمِ يَجْهَدُ أن يَتَمَيَّزَ بصَنعَةٍ، وَيَرْبأ بنفسه أن يُرى فارِغًا عَالَةً على النَّاسِ، والعالِمُ عندهم مُعَظَّمٌ مِن الخاصَّةِ والعامَّةِ، يُشار إليه ويُحال عَليه، ويَنْبُهُ قَدْرُه وذِكرُه عند النَّاسِ، ويُكرَمُ في جوارٍ أو ابْتِياع حاجَةٍ، وما أشبَهَ ذلك، ومع هذا فَلَيْسَ لأهلِ الأندلسِ مدارس تعِينهُم على طَلَب العلمِ، بل يقرؤون جميعَ العلومِ في المساجدِ -إلى أن قال-: وقراءة القرآن بالسَّبع، وروايةُ الحديث عندهم رَفيعةٌ، وللفقهِ رَوْنَقٌ وَوَجاهَةٌ، ولا مذهب لَهم إلا مذهبُ مالكٍ، وخواصُّهم يَحفظونَ مِن سائِرِ المذاهِبِ ما يُباحثون به بمَحَاضِر مُلوكِهم ذوي الهِمَمِ في العلوم .. ". اهـ كلامه ﵀ (^١).
ولا زالَ علماءُ الأندلسِ والمغربِ لَهم أَتَمُّ عِنايةٍ بروايةِ الموطَّأ ومعرفتِه وتَحصيلِه، وألَّفوا فيه تآليفَ متَنوِّعةً، فعَمِل يحيى بنُ مُزَينٍ كتابَ تفْسير الموطأ، والمستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته، وكتابًا في رجال الموطأ، ولأبي الوليد الباجي كتابُ الإيماء، والمنتقى، والاستيفاء، كلُّها على الموطأ، ولأبي بكر بن العربي القبس، والمسالك شرحان على موطأ مالك بن أنس، ولأبي عمر الطلمنكي شرحُ مسند الموطأ، ولابن عبد البر التميهد، والاستذكار، والتجريد، ولابن الحذاء التعريف بمن ذكر في الموطأ من الرجال والنساء، ولعبد الملك بن حبيب تفسير الموطأ، وللوقَّشي تعليق على الموطأ، ولمحمد بن عيشون: توجيه الموطأ.
_________________
(١) نفح الطيب (١/ ٢٢٠).
[ ١ / ١١ ]
ومؤلفاتُ الأندلسيين على الموطأ لا تَكاد تُحصَر، ومِن بين علماءِ أهلِ الأندلسِ الذين تَولَّوا شرحَ الموطأ شرحًا مختصرًا، الإمامُ العالِم المحدِّث الفقيهُ أبو العباس أحمد بنُ طاهر بن عيسى الداني، الأنصاري الخزرجي الأصل المولودُ سنة سبع وستين وأربعمائة، والمتوفى سنة اتنتين وثلاثين وخمسمائة، شَرَحَ موطأَ مالكٍ في كتابٍ سماه: الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ، رتَّبَه على تَرتِيبِ كتب الأطراف، فذَكَرَ الصحابةَ ﵃ مُبتدئًا بِحرف الألف، وخَتَمَ كتابَه بالمراسيل، ذَكَر أحاديثَهم وبَيَّنَ مَواضِعَها من الموطأ بذِكْرِ الكتابِ أو الباب، ولم يُخلِ كتابَه من الفوائِد العلميةِ الكثيرة، فقد رَاعَى فيه الصِّناعةَ الحديثية، ببيان عِلَلِ الحديث، واختلاف الرواةِ على مالك، وكذا مخالفةِ الرواة لمالك، وصَحَّحَ وعلَّلَ، وصَوَّبَ وخَطَّأَ، ونَقَلَ عن أئمة العِلَلِ كعليِّ بن المديني، ومسلم بن الحجاج، والدارقطني، وسَمَّى كتبًا بعضُها موجودٌ، وبعضُها مفقودٌ، مراعيًا في كلُّ ذلك الضوابطَ العِلميَّةِ، وبَيَّنَ كذلك ما اشتملتْ عليه روايةُ يحيى الليثي من تَحريفٍ وتَصحيفٍ وأخطاءٍ وقع فيها يحيى بمقارَنَتِها مع الروايات الأخرى، وبَيَّنَ زوائدَ تلك الرواياتِ على رواية يحيى، إلى غيرِ ذلك من الفوائدِ العظيمةِ الموجودةِ في كتابِه.
ولَمَّا وَقَعَ نظرنا على هذا الكتابِ الفَذِّ في بابه لَم نتَرَدَّد في العملِ فيه وتَقْدِيمه رسالةً لنيلِ درجة العالَمية الماجستير، وكان الفضلُ في ذلك بعد الله ﷿ للشيخ الدكتور عبد الصمد بن بكر عابد، الذي أَطْلَعَنا على هذا الكتابِ، وحَفَّزَنا للاشتغَال فيه وتَحقيقِه، مع أنه قام بتحقيقِ جزءٍ منه، فجزأه الله عنَّا كلَّ خيرٍ وأجْزَلَ له المثوبةَ في االدُّنيا والآخرة.
[ ١ / ١٢ ]