أخبرني به الشيخُ الأجلُّ الفقيهُ الحافظُ أبو عليٍّ، حسين بنُ محمّد بنِ أحمد الغسّاني، المعروف بالجِيَّاني، قَرَأَه عليَّ بقُرْطُبة -حرسها الله- في شهورٍ من عام اثنين وتسعين وأربع مائة، والشيخُ الصالح المُقرئ أبو داود سليمان بن أبي القاسم نَجَاح -مولى هشام بن الحكم (^١) - قَرَأَهُ عليَّ في منزلِه بدانِيَة سنة تسعين وأربع مائة، والشيخُ المقرئُ أبو الحسن عبد العزيز بن شَفيع قَرَأَه عليَّ بِدانية أيضا سنة ست وثمانين وأربع مائة ﵃، قالوا جميعًا: أخبرنا الفقيهُ الأَجَلُّ الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمّد بن عبد البر النَّمَري ﵁ (^٢)، نا أبو عثمان سعيد بن نصر (^٣) قِراءةً منه علينا، وأبو الفضل
_________________
(١) هشام المؤيّد بالله بن الحكم بن عبد الرحمن أبو الوليد الأموي. بويع له بالخلافة صبيًّا سنة (٣٦٦ هـ)، وكان له عشرة أعوام وأشهر، فلم يزل متغلبًا عليه لا يظهر له أمر إلى أن قُتل سنة (٤٠٣ هـ). انظر: تاريخ العلماء بالأندلس (١/ ١٥)، جذوة المقتبس (ص: ١٧)، السير (١٧/ ١٢٣).
(٢) التُّجيبي القرطبي المالكي حافظ المغرب، صاحب التصانيف الفائقة، فقيه حافظ مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه وبعلوم الحديث والرجال، كثير السماع قديم الشيوخ، على أنه لم يخرج من الأندلس، ولد سنة (٣٦٨ هـ) وتوفي سنة (٤٦٣ هـ). انظر: جذوة المقتبس (ص: ٣٤٤)، ترتيب المدارك (٨/ ١٢٧)، الصلة (٢/ ٦٤٠)، السير (١٨/ ١٥٣).
(٣) المحدّث الفاضل الأديب سعيد بن نصر بن أبي الفتح أبو عثمان مولى عبد الرحمن الناصر لدين الله الأموي القرطبي، ولد سنة (٣١٥ هـ)، وتوفي سنة (٣٦٤ هـ). قال ابن عبد البر: "كتب فأحسن التقييد والضبط، وكان من أهل الدين والورع والفضل معربا فصيحًا". انظر: جذوة المقتبس (ص: ٢١٨)، الصلة (١/ ٢٠٦)، بغية الملتمس (ص: ٣٠١)، السير (١٧/ ٨٠).
[ ٢ / ٩ ]
أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن التّاهرتي البزاز (^١)، كلاهما عن أبي محمّد قاسم بن أصبغ (^٢) وأبي الحزم وَهْب بن مَسَرَّة (^٣).
_________________
(١) قال ابن عبد البر: "كان ثقة فاضلًا". ولد بتاهرت سنة (٣٠٩ هـ)، وقدم به أبوه الأندلس صغيرًا، وتوفي سنة (٣٩٥ هـ). انظر: جذوة المقتبس (ص: ١٣٢)، الصلة (١/ ٨٦)، بغية الملتمس (ص: ١٨٨)، السير (١٧/ ٧٩). وتَاهَرْت: بفتح الهاء، وسكون الراء، وتاء فوقها نقطتان: اسم لمدينتين عظيمتين بأقصى المغرب يقال لإحداهما تاهرت القديمة، وللأخرى تاهرت المحدثة. معجم البلدان (١/ ٧). قلت: وهي الآن مدينة واحدة بغرب الجزائر، يُطلق عليها أيضًا اسم تِيَارَت.
(٢) أبو محمّد قاسم بن أصبغ بن محمّد بن يوسف بن ناصح القرطبي مولى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، يكنى ويعرف بالبيّاني، الحافظ المكثر المصنف، رحل إلى المشرق فأخذ عن الكثير، ثم انصرف إلى الأندلس بعلم كثير ومال الناس إليه حتى صارت الرحلة بالأندلس إليه، وطال عمره فسمع منه الشيوخ والكهول والأحداث، وكان بصيرًا بالحديث والرجال نبيلا في النحو والغريب. ولد سنة (٢٤٤ هـ) وتوفي سنة (٢٤٠ هـ). انظر: أخبار الفقهاء والمحدّثين للخشني (ص: ٣٠٧)، تاريخ العلماء بالأندلس (١/ ٤٠٦)، جذوة المفتبس (ص: ٣١١)، بغية الملتمس (ص: ٤٣٣)، السير (١٥/ ٤٧٢).
(٣) وهب بن مسرّة بن مُفرّج بن حكم التميمي أبو الحزم المحدِّث السنيُّ. قال ابن الفرضي: "كان حافظا للفقه بصيرا بالحديث مع ورع وفضل، وكانت الرحلة إليه من الثغر كله للسماع منه". انظر: تاريخ العلماء بالأندلس (٢/ ١٦١، ١٦٢)، جذوة المقتبس (ص: ٣٣٨)، بغية الملتمس (ص: ٤٦٥). تنبيه: ذكر الحافظ الذهبي وهبَ بنَ مسرّة بأمور تحط من عدالته وديانته، فقال: "وقد كان منه هفوة بالقدر، نسأل الله السلامة". وقال أيضًا: "قال الطلمنكي في ردِّه على الباطنية: ابن مسرّة ادّعى النبوة، وزعم أنه سمع الكلام، فثبت في نفسه أنه من عند الله. قال الذهبي: ليس هذا من قبيل ادّعاء النبوة، بل من قبيل الغلط والجهل". السير (١٥/ ٥٥٧، ٥٥٨). وقال أيضا: "قال القاضي عياض: كان حافظًا للفقه بصيرًا به وبالحديث والرجال والعلل مع ورع وفضل، دارت عليه الفتيا ببلده. . . بدت منه هفوة في القدر". تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٩٠). =
[ ٢ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كذا قال الذهبي عفا الله عنا وعنه، وتابعه على اتهام وهب بالقدر: ابنُ حجر فقال في ترجمة محمد بن مفرج القرطبي: "قال ابن الفرضي: تُرك؛ لأنه كان يدعو إلى بدعة وهب بن مسرة، ووهب كان قدريًّا". اللسان (٥/ ٣٨٧). وقال في ترجمة وهب (٦/ ٢٣١): "من العلماء بالفقه والحديث، تكلم في شيء من القدر فعابوا عليه، وتبعه جماعة على مقالته". وهذا الكلام الذي نقله الحافظان ليس في شيء من كتب تراجمَ الأندلسيين، فلم يتّهما أحدٌ منهم وهب بن مسرة الحافظ السني بما ذُكر، والخطأ والغلط والوهم في ذلك من الذهبي وابن حجر؛ اختلط عليهما وهب بن مسرة الحافظ بمحمد بن عبد الله بن مسرة بن نجيح البجلي، من أهل قرطبة، وتُنسب إليه البدعة، فيُقال: بدعة ابن مسرة. قال ابن الفرضي: "قال لي الخطاب بن مسلمة: اتُهم بالزندقة فخرج فارا، وتردّد بالشرق مدة، فاشتغل بملاقاة أهل الجدل، وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثم انصرف إلى الأندلس فأظهر نُسكًا وورعًا، واغترّ الناس بظاهره، فاختلفوا إليه وسمعوا منه، ثم ظهر الناسُ على سوء معتقده، وفتح مذهبه فانقبض من كان له إدراك وعلم، وتمادى في صحبته آخرون غلب عليهم الجهل فدانوا بنحلته، وكان يقول: بالاستطاعة، وإنفاذ الوعيد، ويحرّف التأويل في كثير من القرآن. إلى أن قال: وقد ردّ عليه جماعة من المشرق. . .، ولأحمد بن خالد في الردّ عليه صحيفة أخبرنا بها عنه أبو محمد الباجي". وقال الحميدي: "نُسبت إليه بذلك مقالات نعوذ بالله منها". انظر: تاريخ العلماء (٢/ ٤١)، جذوة المقتبس (ص: ٩٤)، أخبار الفقهاء والمحدّثين (ص: ١٧٨). وما أشار إليه الذهبي من رد الطلمنكي إنما يتّجه إلى هذا. ومن الغريب أنَّ الذهبي نقل عن القاضي عياض كلامه في وهب بن مسرة كما تقدّم، وقال: "بدت منه هفوة في القدر"، وهذا لا شك من الذهبي، مع أن القاضي عياضًا قال بعد ذلك الكلام المنقول: "وله كتاب في السنة وإثبات القدر والرؤية والقرآن". ترتيب المدارك (٦/ ١٦٥). وأما نقل الحافظ ابن حجر عن ابن الفرضي في ترجمة محمد بن مفرج أنه كان يدعو إلى بدعة وهب بن مسرة، فهو نقل بما فهمه الحافظان، وليس كذلك، بل الذي قاله ابن الفرضي: "كان يعتقد مذهب ابن مسرّة ويدعو إليه"، كما في تاريخ العلماء (٢/ ٨٤)، ومذهب ابن مسرّة إذا أُطلق عند الأندلسيين يتجّه إلى محمد بن عبد الله بن مسرة المعتزلي المبتدع، لا إلى المحدّث السني =
[ ٢ / ١١ ]
زاد أبو الفضل التّاهَرْتِي: وعن أبي عبد الملك محمّد بن عبد الله بن أبي دُلَيم (^١)، كلهم عن محمّد بن وضّاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
قال أبو عمر بن عبد البر: وأخبرنا به أيضا أبو عمر أحمد بن محمّد بن أحمد هو ابن سعيد الأموي مولى لهم (^٢) قِراءةٌ مِنِّي عليه عن وَهب بن مسرَّة بإسناده المذكور.
وعن أبي عمر أحمد بن مطرِّف المعروف بابن المَشَّاط (^٣)، وأحمد بن سعيد بن حزم الصدفي (^٤)، كليهما عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك.
_________________
(١) = وهب بن مسرة، والله الموفق. وهذا كله لا يحط من مكانة الحافظين الجليلين الذهبي وابن حجر، فالغلط لا يسلم منه أحد، وكلُّ عالم معرَّض للوهم ولو نزرًا. وانظر ما كتبه د- إبراهيم بن الصديق الغماري في رسالة لطيفة: نماذج من أوهام النقاد المشارقة في الرواة المغاربة (ص: ٢٥ - ٣٢).
(٢) من أهل قرطبة، توفي سنة (٣٣٨ هـ). قال ابن الفرضي: "كان يُشبّه بابن وضاح في خَلقه وخُلُقه، وكان شيخًا طاهرًا ثقة سمع منه الناس كثيرًا". انظر: تاريخ العلماء بالأندلس (٢/ ٥٩)، وسقط منه دُليم، ترتيب المدارك (٤/ ٤٢١)، تاريخ الإسلام (حوادث ٣٣٨ هـ، ص: ١٦٧).
(٣) أحمد بن محمّد بن أحمد بن سعيد بن الحُباب بن الجَسور الأموي القرطبي أبو عمر، توفي سنة (٤٠١ هـ). قال الحميدي: "محدّث مكثر". وقال الخولاني: "كان من أهل العلم ومتقدّما في الفهم. . . حافظًا للحديث والرأي، عارفا بأسماء الرجال قديم الطلب". انظر: جذوة المقتبس (ص: ٩٩)، الصلة (١/ ٢٩)، بغية الملتمس (ص ١٤٣)، السير (١٧/ ١٤٨).
(٤) المتوفى سنة (٣٥٢ هـ). قال الحميدي: "محدّث. . . كان رجلًا صالحًا فاضلًا معظَّمًا عند ولاة الأمر بالأندلس". انظر: جذوة المقتبس (ص: ١٣٨)، بغية الملتمس (ص: ١٩٤).
(٥) أحمد بن سعيد بن حزم بن يونس الصدفي المُنتليجي أبو عمر القرطبي، الحافظ الكبير المؤرخ، عُني بالآثار والسنن وجمع الحديث، مؤلف التاريخ الكبير في أسماء الرجال، في عدّة مجلّدات. ولد سنة (٢٨٤ هـ) وتوفي سنة (٣٣٥ هـ). انظر: تاريخ العلماء بالأندلس (١/ ٥٥)، جذوة المقتبس (ص: ١١٧)، السير (١٦/ ١٠٤).
[ ٢ / ١٢ ]
قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وقد رواه كلُّ واحدٍ من مَشيختي الثلاثةِ المذكورين (^١) عن غير أبي عمر بن عبد البر بأسانيدَ أُخر يَطول ذكرها، وإنَّما اقتصرتُ على إسناد بن عبد البر خاصةً؛ لجلالةِ قدْرِه، وبراعةِ علمِه وضبطِه وإتقانِه، واعتنائه بكتاب الموطأ، وشهرةِ تواليفِه عليه.
ولم أذكر أسانيدي في الموطأ عن سائرِ الروايات غير رواية يحيى، ولا أسانيدَ الكتبِ التي خَرَّجْتُ منها ما أَحَلْتُ في هذا الكتاب عليه، اختصارًا واكتفاءًا بشهرتِها، ولأنِّي إنما ذَكَرتُ ذلك على طريق الاستشهادِ، وأكثرُه على المعنى، على حالِ ما تذكَّرته، وبالله تعالى التوفيق.
* * *
_________________
(١) يعني: أبا علي الغسّاني وأبا داود سليمان نجاح وأبا الحسن بن شفيع.
[ ٢ / ١٣ ]