• التعريف بصاحب الرواية:
هو أحمد بن أبي بكر -واسمه القاسم- بن الحارت بن زُرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، أبو مصعب الزهري المدني الفقيه، القاضي.
أخرج له الشيخان في صحيحيهما، توفي سنة (٢٤١ هـ).
• ثناء العلماء عليه:
قال أبو حاتم وأبو زرعة: "صدوق" (^١).
وقال النسائي: "لا بأس به" (^٢).
ووثقه جمع من الأئمة كمسلمة بن قاسم وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وقال ابن حجر: "صدوق" (^٣).
وتكلّم فيه أبو خيثمة، قال ولده في التاريخ الكبير: "وخرجنا سنة تسع عشرة ومائتين إلي مكة فقلت لأبي: عمّن أكتب؟ قال: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمَّن شئت" (^٤).
_________________
(١) الجرح والتعديل (١/ ٤٣).
(٢) إتحاف السالك لابن ناصر الدين (ص: ١٧٤).
(٣) تهذيب التهذيب (١/ ١٧)، الميزان (١/ ٨٤)، التقريب (رقم: ١٧).
(٤) التاريخ (٣ / ل: ١٥١/ أ).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وعلّق الذهبي علي هذا فقال: "ما أدري ما معنى قول أبي خيثمة لابنه أحمد: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمّن شئت" (^١).
وأما ابن حجر فقال: "ويُحتمل أن يكون مراد أبي خيتمة دخوله في القضاء أو إكثاره من الفتوى" (^٢).
قلت: ونصَّ على الاحتمال الثاني القاضي عياض فقال: "إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أبا مصعب كان يميل إلي الرأي، وأبو خيثمة من أهل الحديث، ممّن ينافر ذلك، فلذلك نهي عنه، وإلَّا فهو ثقةٌ لا نعلم أحدًا ذكره إلا بخير" (^٣).
• سماعه من مالك:
ذكر الخليلي أنه آخر من روي عن مالك الموطأ من الثقات (^٤).
وقال ابن حزم: "آخر ما روي عن مالك موطأ أبي مصعب، وموطأ أبي حذافة السهمي" (^٥).
• مكانته في الرواية عن مالك:
قال الدارقطني: "أبو مصعب ثقة في الموطأ" (^٦).
وقدّمه بقي بن مخلد لشرفه ونسبه، أخرَج روايتَه في مسنده وتَرَك روايةَ
_________________
(١) الميزان (١/ ٨٤).
(٢) تهذيب التهذيب (١/ ١٨).
(٣) ترتيب المدارك (٣/ ٣٤٨).
(٤) الإرشاد (١/ ٢٢٨).
(٥) تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٣).
(٦) تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٣).
[ ١ / ٢٠٩ ]
يحيى الليثي مع شهرتها في الأندلس.
روي القاضي عياض وابن بشكوال بسنديهما عن أسلم بن عبد العزيز قال: قال بقي بن مخلد: "لما وضعت مسندي جاءني عبيد الله وإسحاق ابنا يحيى بن يحيى فقالا لي: بلغنا أنك وضعتَ كتابًا قدّمتَ فيه أبا مصعب الزهري ويحيي بن بكير، وأخّرت أبانا، فقلت لهما: أمَّا تقديمي لأبي مصعب فلقول رسول ﷺ: "قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها"، وأمَّا تقديمي لابن بكير فلسنِّه، وقد قال رسول الله ﷺ: "كبِّر كبِّر"، ولأنه سمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة، وأباكما لم يسمع منه إلا مرة واحدة، فخرجا من عنده، وخرجا معه إلى حدّ العداوة" (^١).
وتُعدُّ رواية أبي مصعب من آخر الروايات عن مالك كما تقدّم، فلذا تشابهت مع رواية يحيى في الغالب، قال ابن عبد البر: "وقد تأمَّلت رواية يحيى فيما أرسل من الحديث ووصل في الموطأ، فرأيتها أشد موافقة لرواية أبي مصعب في الموطأ كله من غيره، وما رأيت رواية في الموطأ أكثر اتفاقًا منها" (^٢).
وأما ما يُذكر عن ابن حزم أنه قال: "في موطأ أبي مصعب زيادة على الموطآت نحو من مائة حديث" (^٣). فأمرٌ بعيد.
وقد قام محقِّقا رواية أبي مصعب بإحصائية للأحاديث الزائدة في رواية
_________________
(١) الغنية (ص: ٩٨)، الصلة (١/ ٨٢).
(٢) التمهيد (٢/ ٣٣٩).
(٣) بغية الملتمس للعلائي (ص: ٨٩)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٤٨٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
أبي مصعب علي رواية يحيى، فبلغت الأحاديث المسندة خمسة عشر حديثًا مسندًا زائدًا (^١).
- وحديثين مرسلين عند يحيى، وهما متصلان في رواية أبي مصعب.
- وحديثًا بلاغًا في رواية يحيى متصلًا في رواية أبي مصعب (^٢).
- وفي رواية أبي مصعب ستة أحاديث مرسلة، ولا ذِكْر لها في رواية يحيى (^٣).
ثم قالا: فهذه أربعة وعشرون حديثًا متصلة، لم ترد أصلًا أو لم ترد متصلة في رواية يحيى.
_________________
(١) مقدمة موطأ أبي مصعب الزهري (١/ ٤١). قلت: وهذا العدد صحيح إلى حدّ ما، وفاتهما الحديث برقم: (٢٢٢٠) فلم يذكراه، وهو من الزيادات علي رواية يحيى، فتصير بذلك ستة عشر حديثًا. ثم إنَّ المصنف (أعني الداني) ذكر حديثًا في قسم الزيادات ونسبه إلي أبي مصعب (ل: ٢٠٥/ ب)، وهو ما رواه سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ"، ولم أقف عليه في المطبوع ولا المخطوط من هذه الرواية، والله أعلم.
(٢) قلت: وهو من الموقوف على عمر، فلا يدخل تحت هذا الإحصاء.
(٣) قلت: وذكرا من بينها حديث يحيى بن سعيد مرسلًا: "أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب سحولية". وهذا الحديث لم يرد في رواية يحيى المطبوعة، لكنه ورد في النسخة الخطية من الكتاب (ل: ٣٧/ ب نسخة المحمودية)، والخطأ في المطبوع. وحديثًا برقم (٢٥٠١) وهو حديث سعيد بن المسيب مرسلًا: "أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الغرر"، ونفيا وجوده في رواية يحيى، وهو موجود في المطبوع منه، إلّا أنَّه اختلف موضعه عن موضع أبي مصعب من كتاب البيوع. انظر: الموطأ -رواية يحيى الليثي- كتاب: البيوع، باب: بيع الغرر (/ ٢/ ٥١٣ رقم: ٧٥).
[ ١ / ٢١١ ]
قلت: وهذا العدد يحتاج إلى إعادة نظر كما سبق.
ثم قالا: "لكن نلاحظ في الوقت نفسه أنَّ رواية أبي مصعب تضمّنت تسعة أحاديث مرسلة، وبلاغًا واحدًا، جاءت في رواية يحيى متصلة" (^١).
ثم ذكرا ما تضمّنته رواية أبي مصعب من الزيادات علي رواية يحيى من الموقوف وأقوال التابعين وأقوال مالك، وليس من غرضنا في هذا المبحث.
فهذا مما يبيّن أنَّ هذه الإحصائية تحتاج إلى إعادة نظر، ولا يمكن أن نجزم بالفروقات بين الروايتين إلَّا إذا اعتمدنا على أصول صحيحة، وأقوال أهل العلم في الأحاديث، والنظر فيها، خاصة ما ذكر أبو العباس الداني في
_________________
(١) قلت: ذكرا حديثًا برقم: (٣٢١)، وهو موقوف على القاسم بن محمد، فلا يدخل تحت هذا الإحصاء. - وحديثا برقم: (٣٦٤)، مرسل في رواية أبي مصعب، متصل في رواية يحيى، والصواب أن الحديث مما اختلف الرواة فيه على يحيى الليثي، انظره (٣/ ٤٢٠) من هذا الكتاب. - وحديثا برقم: (٩٢٠)، وهو حديث نافع مولى ابن عمر مرسلًا في النهي عن قتل النساء والصبيان في الغزو، وجاء في المطبوع من رواية يحيى موصولًا، والصواب أن يحيى رواه مرسلًا، وما في المطبوع خطأ، انظره: (٣/ ٦٠٩) من هذا الكتاب. - وحديثًا برقم: (٢٠١١) لكنه في النسخة الهندية التي اعتمدا عليها مرسل! انظر: (٣/ ٥٠٤) من هذا الكتاب. - وحديثًا برقم: (٢١٧٩) وقالا: "ولعله هناك سهو من الناسخ، فقد ورد الحديث من طريق مالك … "، ثم ذكراه موصولًا وعزيا الرواية ليحيي وغيره. قلت: لا سهو على الناسخ، فالحديث مما اختلف فيه رواة الموطأ، فرواه بعضهم مرسلا كأبي مصعب والقعنبي ومحمد بن الحسن وسويد، وآخرون موصولا كيحيى الليثي، انظره (٢/ ٥٣٢ - ٥٣٣) من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢١٢ ]
الكتاب الذي بين أيدينا، فإنَّه وضع كلَّ حديث موضعه من الموقوف والمرفوع والمرسل، والله أعلم بالصواب.
• نسخ الرواية المخطوطة والمطبوعة:
وقفت لموطأ أبي مصعب على ثلاث نسخ خطية، نسختان كاملتان، وثالثة ناقصة:
النسخة الأولى: أصلها محفوظ بمكتبة سالار جنك (الهند)، ولها سورة مصورة بالجامعة الإسلامية برقم: (٧٠٣).
النسخة الثانية: أصلها محفوظ بالظاهرية، ولها سورة في الجامعة الإسلامية برقم: (١٧٢٠)، وهذه النسخة ناقصة.
النسخة الثالثة: نسخة مصوّرة بالجامعة الإسلامية برقم: (٤٠٨١).
المطبوع من هذه الرواية:
طُبعت رواية أبي مصعب في الأعوام الأخيرة، بمؤسسة الرسالة ببيروت، وقام بتحقيق هذه الرواية د- بشار عواد، ومحمود خليل، وقد قاما بضبط نص هذه النسخة، ومقابلتها برواية يحيى الليثي، وتخريج أحاديثها من طريق مالك من دواوين السنة، وترقيم نصوصها، وإخراجها بشكلٍ وحُلَّةٍ جيّدة يستفيد منها طلبة العلم.
ولي على هذه النسخة عدة ملحوظات:
الأولى: أنَّ المحقِّقَين لم يعتمدا إلَّا على النسخة الهندية، وهي متأخرة، وللكتاب عدَّة نسخ كما تقدّم.
[ ١ / ٢١٣ ]
الثانية: أنَّ ناسخ النسخة الهندية أثبت الفروقات بين رواية يحيى الليثي وهذه الرواية، فأغفلا تعليقاته.
الثالثة: أنَّهما ذكرا بعض هذه التعليقات (وهي فروقات) داخل النص، ولا شك أنَّ هذا خطأٌ جسيمٌ، وتسوُّرٌ علي رواية أبي مصعب، وكأنَّهما ظنَّا أنَّ تلك الفروقات التي يذكرها الناسخ لحق وسقط من رواية أبي مصعب فأثبتاها في النص (^١)!!
الرابعة: اعتمادهم في العزو علي رواية يحيى المطبوعة، وفيها من الأخطاء من حيث السقط، ووصل المرسل ما تقدّم بيانه، وبالعكس من ذلك فقد يخطِّئون ما هو صواب في المطبوع من رواية يحيى بزعم أنَّها لم تتحد في الإسناد مثلًا مع رواية أبي مصعب وغيره (^٢).