• التعريف بصاحب الرواية:
يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي، أبو زكريا المصري، مولى بني مخزوم، وقد يُنسب إلي جدّه، ولد سنة (١٥٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٣١ هـ).
أقوال النقّاد فيه:
اختلف أهل العلم في يحيى بن بكير توثيقًا وتجريحًا:
_________________
(١) الإرشاد (١/ ٢٢٧).
(٢) سؤالات ابن الجنيد (رقم: ٣٣٣).
(٣) سؤالات ابن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني (ص: ٤٣).
[ ١ / ٢٣٥ ]
١ - المضعّفون:
قال أبو حاتم: "يكتب حديثه، ولا يحتج به، وكان يفهم هذا الشأن" (^١).
وقال النسائي: "ضعيف" (^٢)، وقال أيضًا: "ليس بثقة" (^٣).
وقال ابن معين: سألني عنه أهل مصر فقلت: "ليس بشيء" (^٤).
٢ - الموثّقون:
قال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: "أبو صالح أكثر كتبًا، ويحيي بن بكير أحفظ منه" (^٥).
وقال الساجي: "صدوق" (^٦)، وقال ابن قانع: "مصري ثقة" (^٧).
وقال الخليلي: "ثقة، أخرجه البخاري في الصحيح عن مالك، وغيره، وتفرّد بأحاديث عن مالك" (^٨)، وذكره ابن حبان في الثقات (^٩).
وقال الذهبي: "كان غزيرَ العلم، عارفًا بالحديث وأيام الناس، بصيرًا بالفتوي، صادقًا، ديِّنًا، وما أدري ما لَاحَ للنسائي منه حتي ضعّفه، فقد
_________________
(١) الجرح والتعديل (٩/ ١٦٥).
(٢) الضعفاء والمتروكون (ص: ٢٤٨).
(٣) تهذيب الكمال (١/ ٤٠٣).
(٤) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٠٨).
(٥) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٠٨).
(٦) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٠٨).
(٧) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٠٩).
(٨) الإرشاد (١/ ٢٦٢).
(٩) (٩/ ٢٦٢).
[ ١ / ٢٣٦ ]
احتجّ به الشيخان، وما علمت له حديثًا منكرًا حتي أورده" (^١).
قلت: ومن خلال هذه الأقوال يتبيّن أنَّه كان صدوقًا في روايته، وأنَّ أحاديثه مستقيمة، ومن ضعّفه لم يبيّن وجه التضعيف، خاصة أنه صدر من إمامين متشدِّدَين في التجريح، نعم قد ينفرد بأحاديثَ عن مالك، وهذا لا يُضعَّفُ به مثلُ ابن بكير الذي سمع من مالك موطّأه مرات، كما سيأتي.
• مكانته في الرواية عن مالك:
أُثر عن يحيى بن معين كلامٌ فيه تضعيفٌ ليحيي بن بكير وموطئه، قال ابن مُحرز: "سمعتُ يحيى وذُكر له يحيى بن بُكير المصري قيل له: إنَّه يحدِّث بالموطأ عن مالك بن أنس، قال: وأيُّ شيء كان يسوي، إنَّما كان بعرض حبيب، وكان حبيبٌ كذابًا، كان يعرض لهم خمس ورقات، ثم يقول لهم: عرضتُ لكم عشرة، ثم قال يحيى بن معين: وهو لا يُحسن يقرأ حديثَ ابن وهب! فكيف يقرأ الموطأ! أنا سمعتُ منه عن مالك، عن الزهري: أنَّ ابن الزبير أحرم من التنعيم، وإنَّما هو عن هشام بن عروة.
أخبرنا أحمد، قال: حدَّثنا جعفر، قال: حدَّثنا أبو العباس، قال: حدَّثنا يحيى بن معين، قال: حدَّثنا معن، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ ابن الزبير أحرم من التنعيم" (^٢).
وقال الساجي: قال ابن معين: "سمع يحيى بن بكير الموطأ بعرض
_________________
(١) السير (١٠/ ٦١٤).
(٢) معرفة الرجال (١/ ٦٣).
[ ١ / ٢٣٧ ]
حبيب كاتب الليث، وهو شر عرض، كان يقرأ علي مالك خطوط الناس، ويصفح ورقتين، ثلاثة".
وقال مسلمة بن قاسم: "تُكلم فيه؛ لأنَّ سماعه من مالك كان بعرض حبيب" (^١).
وهذا التحامل من ابن معين ﵀ إنَّما هو من تشدُّده، وأما ما ذكره ابن محرز عنه من خطأ ابن بكير في أثر فهو يخطئ كما يخطئ غيره من الثقات، وأمَّا كون سماعه كان بعرض حبيب فقد ردَّ ذلك القاضي عياض فقال: "وهذه الحكاية (أي عن ابن معين) باطلة الأصل، والله أعلم؛ لأنَّ مالكًا ﵀ ومن حضره لم يصح جواز مثل هذا عليهم لحفظهم حديث الموطأ، وقد أنكر هذا بعض أصحاب مالك الجلَّة، وقال: إنَّما كانت عرضتنا علي مالك ورقتين من الموطأ، فكيف يصح هذا؟! " (^٢).
قلت: وممَّا يدلُّ علي صحة قول القاضي عياض أنَّ المتصفِّحَ لرواية ابن بكير يجدها متفقة في الغالب مع روايات غيره في ذكر الكتب والأبواب والأحاديث، فلو صح ما ذُكر عن ابن معين لوُجد ما يبيّن ذلك من نقص أو اختلاف بين الروايات الأخري.
ثمَّ إنَّ هذا الكلام فيه قدحٌ في الإمام مالك، فكأنَّه لا يدري ما يُقرأ عليه، وهو الحافظ الناقد المتيقّظ، ثمَّ إنَّ حوله أصحابًا يحفظون الموطأ، فلو غَيّر حبيبٌ شيئًا منه لتنبّه الشيخُ وفطن التلاميذُ، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٢) ترتيب المدارك (٣/ ٣٧٠).
[ ١ / ٢٣٨ ]
قال القاضي عياض: "وقد ضعَّف أئمّةُ الصنعة روايةَ مَن سمع الموطأ علي مالك بقراءة حبيب كاتبه؛ لضعفه عندهم، وأنَّه كان يخطرف الأوراق حين القراءة ليتعجَّل، وكان يقرأ للغرباء، وقد أُنكِرَ هذا الخبرُ علي قائله؛ لحفظ مالك لحديثه، وحفظ كثير من أصحابه الحاضرين له، وأنَّ مثل هذا ممّا لا يجوز علي مالك، وأنَّ العرض عليه لم يكن من الكثرة بحيث تُخطرف عليه الأوراق ولا يفطن هو ولا من حضر، لكن عدم الثقة بقراءة مثله مع جواز الغفلة والسهو عن الحرف وشبهه، وما لا يُخلُّ بالمعنى مُؤثِّرة في تصحيح السماع كما قالوه، ولهذه العلَّة لم يخرِّج البخاري من حديث ابن بكير عن مالك إلَّا القليل، وأكثر عنه عن الليث، قالوا: لأنَّ سماعه كان بقراءة حبيب، وقد أنكر هو ذلك" (^١).
قلت: وروى القاضي عياض وابن بشكوال بسنديهما عن أسلم بن عبد العزيز قال: قال بقي بن مخلد: "لما وضعت مسندي جاءني عبيد الله وإسحاق ابنا يحيى بن يحيى فقالا لي: بلغنا أنك وضعتَ كتابًا قدّمتَ فيه أبا مصعب الزهري ويحيي بن بكير، وأخّرت أبانا، فقلت لهما: أمَّا تقديمي لأبي مصعب فلقول رسول الله ﷺ: "قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها"، وأمَّا تقديمي لابن بكير فلسنِّه، وقد قال رسول الله ﷺ: "كبِّر كبِّر"، ولأنه سمع الموطأ من مالك سبع عشرة مرة، وأباكما لم يسمع منه إلا مرة واحدة، فخرجا من عنده، وخرجا معه إلي حدّ العداوة" (^٢).
فهذا دليل أنَّ رواية ابن بكير صحيحة عن مالك، زيادة علي ما تقدَّم.
_________________
(١) الإلماع (ص: ٧٧).
(٢) الغنية (ص: ٩٨)، الصلة (١/ ٨٢)، والسند صحيح إلي بقيٍّ.
[ ١ / ٢٣٩ ]
• نسخ الكتاب الخطية:
وقفت لرواية ابن بكير علي ثلاث نسخ خطية، نسخة كاملة، والأخري ناقصة، والثالثة لا أدري حقيقة حالها، والكتاب لم يُطبع بعد، وهو جدير بذلك.
النسخة الأولي: نسخة مكتبة السليمانية بتركيا، وهي كاملة، وتوجد سورة منها بالجامعة الإسلامية تحت رقم: (٢٢٢٨).
وتمتاز هذه النسخة بكمالها، ثم هي مقابلة كما تشير الدوائر المنقوطة فيها.
كتبها موسي بن عبيد بن داود الدمشقي الصوفي في العشر الأخير من شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمان وسبعمائة، وعليها سماع في آخرها.
النسخة الثانية: نسخة دار الكتب الظاهرية، وتوجد سورة منها في الجامعة الإسلامية.
وهذه النسخة متقنة، إلا أنها ناقصة من أولها، فتبدأ من كتاب الزكاة، إلي آخر الموطأ.
وهي مجزّأة إلي ثمانية عشر جزءا، تبدأ بالرابع لفقدان الأجزاء الثلاثة الأول، وفي بداية كل جزء ونهايته توجد سماعات، وتاريخ نسخها سنة (٦٠٠ هـ).
ويُلاحظ علي النسخة أن بعض أوراقها من كتاب الحج اختل ترتيبها، ففي (اللوحة ٢٤٩) -وهي من كتاب الجامع- ذُكرت فيها بعض أبواب كتاب الحج، واستمرت إلي (اللوحة ٢٥٥). وخط النسخة جيّد مقروء.
النسخة الثالثة: نسخة المكتبة الأزهرية برقم: (٤٤٥)، ووقع لي بعض أوراقها مصوّرة، ولا أدري هل النسخة كاملة أم لا.
[ ١ / ٢٤٠ ]