حديثان في أحدهما نظر.
٣١/ حديث: "نادى أبيَّ بنَ كعبٍ وهو يصَلي. . . ".
فيه: "إنِّي لأرجو أن لا تَخرُجَ من المسجدِ حتى تَعْلَمَ سورةً ما أُنزِل في التوراةِ ولا في الإنجِيلِ ولا في الفُرقان مثلها"، وفيه: "كيف تقرأ إذا افتَتَحْتَ الصلاةَ؟ "، وفيه: "هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم".
في باب: أمِّ القرآن.
عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي سعيد (^١) مولى عامِر بن كُرَيز، رفعه (^٢).
وفيه: قال أُبَيٌّ: "فجعلتُ أُبْطِئُ في المَشْي". ولهذا وما بَعده يُنسب إليه، وهو مقطوعٌ (^٣).
رواه عبد الحميد بن جعفر، عن العَلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أُبَيِّ بنِ كعب (^٤).
_________________
(١) في الأصل: "سعد"، وكتب في حاشية النسخة: "صوابه سعيد". وهو الصواب.
(٢) الموطأ كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في أمّ القرآن (٩١/ ١) (رقم: ٣٧).
(٣) أي منقطع؛ فإنَّ أبا سعيد لم يسمع من أُبَيّ بن كعب. وقال ابن حجر: "وهو في الموطأ في صورة المرسل". إتحاف المهرة (١/ ٢٦٥). وقد خالف جماعةٌ مالكًا في إسناده كما سيأتي بيانه.
(٤) أخرجه الترمذي في السنن كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الحجر (٥/ ٢٧٧) (رقم: ٣١٢٥)، وأحمد في المسند (٥/ ١١٤)، والدارمي في السنن كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة =
[ ٢ / ٨٨ ]
وقال فيه عبد العزيز بن محمّد: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أنَّ النبيَّ ﷺ خرج على أُبَيٍّ وهو يصلي" جعله لأبي هريرة (^١).
_________________
(١) = الكتاب (٢/ ٥٣٨) (رقم: ٣٣٧٢)، وعبد الله بن أحمد في الزيادات على المسند (٥/ ١١٤)، وابن جرير في تفسيره (٧/ ٥٤٠) (رقم: ٢١٣٥٤)، وابن خزيمة في الصحيح (١/ ٢٥٢) (رقم: ٥٠٠، ٥٠١)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (٣/ ٥٣) (رقم: ٧٧٥) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (رقم: ١٤٦). وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد اختلف على العلاء بن عبد الرحمن فيه، فرواه مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر بن كُرَيز، عن أُبَيِّ بن كعب، ورواه شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ". وتابع عبدَ الحميد بنَ جعفر: الوليدُ بن كثير، ذكره الدارقطني في الأحاديث التي خولف فيها مالك (ص: ١١٦).
(٢) أخرجه الترمذي في السنن كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب (٥/ ١٤٣) (رقم: ٣١٢٥)، والدارمي في السنن كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب (٢/ ٥٣٨) (رقم: ٣٣٧٣). وتابع عبدَ العزيز بنَ محمّد الدراوردي كلٌّ من: - عبد الرحمن بن إبراهيم، عند أحمد في المسند (٢/ ٤١٢)، والطبري في تفسيره (٧/ ٥٤١) (رقم: ٢١٣٦٠). - وإسماعيل بن جعفر في حديثه (رقم: ٢٩٢)، وعند أحمد في المسند (٢/ ٣٥٧)، وأبي عبيد في فضائل القرآن (ص: ١١٦)، وأبي يعلى في المسند (٦/ ٧٠) (رقم: ٦٤٥١). - وروح بن القاسم عند النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٣٥١) (رقم: ١١٢٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٣٧) (رقم: ٨٦١)، والطبري في تفسيره (٧/ ٥٤٠) (رقم: ٢١٣٥٢). - وحفص بن ميسرة عند ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٣٧) (رقم: ٨٦١). - وعبد الرحمن بن إسحاق عند الطبري في تفسيره (٧/ ٥٤٠) (رقم: ٢١٣٥١). - ومحمد بن جعفر عند الطبري في تفسيره (٧/ ٥٤٠) (رقم: ٢١٣٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧٥). - وعبد السلام بن حفص عند ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٨).
[ ٢ / ٨٩ ]
قال الترمذي: "وهذا أتمّ وأصحّ من حديث عبد الحميد" (^١).
قال الشيخ أبو العبّاس ﵁: وقد جاء مثلُ هذا عن أبي سعيد بن المعلّى قال: "كنت أُصلي، فناداني النبيُّ ﷺ فقَضيتُ صلاتي ثم لَحِقْتُه. . . ". وفيه: "ألم تسمع اللهَ تعالى يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (^٢) ".
_________________
(١) سنن الترمذي (٥/ ٢٧٨/ تحت حديث رقم: ٣١٢٥)، ولفظه: "حديث عبد العزيز أطول وأتمّ، وهذا أصحّ من حدلِث عبد الحميد بن جعفر، هكذا روى غيرُ واحد عن العلاء بن عبد الرحمن". وذكر الدارقطني اختلاف الرواة على العلاء فقال بعد أن ذكر رواية مالك عن أبي سعيد: "رواه عبد الحميد بن جعفر والوليدُ بن كثير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ. ورواه عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه شعبة وأبو أويس والحسن بن الحر، عن العلاء، عن أبيه، عن أُبيّ بن كعب". الأحاديث التي خولف فيها مالك (ص: ١١٧، ١١٦)، وانظر: العلل (٩/ ١٤). قلت: سبقت رواية عبد الحميد وعبد الرحمن بن إبراهيم. ورواية شعبة عند الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٨). وبقية الروايات لم أقف عليها. هذا حاصل الاختلاف على العلاء، ورجّح الإمام الترمذي رواية عبد العزيز بن محمّد ومن تابعه لكثرتهم، وقوّاه الحافظ في الفتح (٨/ ٧). وقال الدارقطني: "ويشبه أن يكون الحديث عن العلاء على الوجهين". العلل (٩/ ١٦). ومال ابن عبد البر إلى ترجيح رواية عبد الحميد بن جعفر فقال: "وهو الأشبه عندي". التمهيد (٢٠/ ٢١٨). والصحيح أنَّ الاضطراب جاء من العلاء نفسه، وأشار إلى ذلك الإمام ابن عبد البر فقال: "اختلف على العلاء في هذا الحديث كما ترى في الإسناد والمتن، وأظنه كان في حفظه شيء". التمهيد (٢٠/ ٢٢٢). وهو كما قال وقد سبق بعض أقوال أئمّة الجرح والتعديل فيه (ص: ٨٠)، وأنَّه أُنكر عليه بعض الأحاديث، وانفرد بأشياء يهم فيها. فالظاهر أنَّ العلّة منه لا من الرواة عنه، خاصة أن فيهم الإمامين مالك وشعبة، والله أعلم.
(٢) سورة الأنفال، الآية: (٢٤).
[ ٢ / ٩٠ ]
وفيه: "لا تخرج من المسجدِ حتى أُعلِّمك سُورة" وقوله: "فاتحة الكتاب هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم". خرّجه البزار من طريق شعبة، عن خُبَيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلّى، وهو من الصحابة (^١).
وأبو سعيد هذا مُختلف في اسمِه واسمِ أبيه، فقيل: المُعلّى هو أبوه،
وقيل: بل هو جدُّه (^٢).
وأبو سعيد مولى عامر لا يُسَمَّى، ويُقال له: مولى عبد الله بن عامر بن
_________________
(١) لم أقف على أحاديث أبي سعيد بن المعلى في مسند البزار ولعله مما فُقد. ومن هذا الطريق أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: التفسير، باب: ما جاء في فاتحة الكتاب (٥/ ١٧٣) (رقم: ٤٤٧٥)، وفي باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٥/ ٢٤١! (رقم: ٤٦٤٧)، وفي باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٥/ ٢٦٩) (رقم: ٤٧٠٣)، وفي كتاب: فضائل القرآن، باب: فاتحة الكتاب (٦/ ٤٢١) (رقم: ٥٠٠٦). ولعل المصنف ذكره من حفظه فعزاه للبزار دون البخاري، والله أعلم.
(٢) كثُرت الأقوال في اسمه واسم أبيه فقيل: الحارث بن نفيع بن المعلّى بن لوذان الزرقي، قاله خليفة بن خياط كما في الطبقات (ص: ١٠١)، وأقره ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/ ٤٨٥). وقال في باب: الكنى (٤/ ١٧٦٠): "لا يوقف له على اسم عند أكثرهم". وقيل: رافع بن المعلّى بن لوذان الزرقي. قاله أبو نعيم كما في معرفة الصحابة (٢ (ل: ٢٦٤ /أ)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٠)، وابن حبان في الثقات (٣/ ١١٢٢، والصحيح (٣/ ٥٧). وقال ابن عبد البر: "من قال هذا فقد وهم". الاستيعاب (٢/ ٤٨٥). وقيل: الحارث بن المعلّى، وقيل: أبو سعيد بن أوس بن المعلّى، وقيل: أوس بن المعلّى حكاها ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٦٦٩)، ثم قال: "ومن قال هو رافع بن المعلى فقد أخطأ؛ لأنَّ رافع بن المعلى قُتل ببدر، وأصح ما قيل والله أعلم في اسمه: الحارث بن نفيع بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة من بني زريق الأنصاري النجاري". وانظر تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٤٨)، والإصابة (٧/ ١٧٥).
[ ٢ / ٩١ ]
كُريز القرشي (^١). وكُريز هذا بضمّ الكاف مصغرًا (^٢).
وكَريز بفتح الكاف جدّ طلحة بن عبيد الله الخزاعي (^٣)، مذكور في مرسله (^٤).
قال ابن وضّاح: "كَريز بفتح الكاف في خزاعة، وبضمّها في بني عبد شمس بن عبد مناف" (^٥).
٣٢ / حديث: في قراءة أُبيّ: ثلاثة أيام متتابعات. . .
في الصيام.
عن حُمَيد بن قيس، عن مجاهد قال لمن سأله عن صيام الكفّارة: لا تَقْطَعْها، فإنَّها في قراءة أُبَيِّ بن كعب: "ثلاثة أيَّام متتابعات". يعني قوله تعالى في كفّارة الأَيمان: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (^٦) (^٧).
_________________
(١) ذكره ابن حبّان في الثقات (٥/ ٥٨٦). وقال الذهبي: "ثقة". الكاشف (٣/ ٣٠١). وقال ابن حجر: "مقبول". التقريب (رقم: ٨١٣٢). والأقرب قول الذهبي؛ لإخراج مسلم له في صحيحه، ومالك في موطئه، والله أعلم. وانظر: تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٥٨)، تهذيب التهذيب (١٢/ ١٢٢).
(٢) انظر: الإكمال (٧/ ١٦٧)، المؤتلف والمختلف للدّارقطني (٤/ ١٩٥٥)، ولعبد الغني (ص: ١٠٨).
(٣) انظر: الإكمال (٧/ ١٦٦)، المؤتلف والمختلف للدّارقطني (٤/ ١٩٥٨)، ولعبد الغني (ص: ١٠٨)، توضيح المشتبه (٧/ ٣٢٤).
(٤) انظر: (٤/ ٥٥٦).
(٥) ذكر ابن ناصر الدين هذا الكلام في توضيح المشتبه (٧/ ٣٢٥) ولم ينسبه لأحد فقال: "قال بعضهم في تقييد كُريز وكَريز: أن المضموم في قريش والمفتوح في خزاعة".
(٦) سورة المائدة، الآية: (٨٩).
(٧) الموطأ كتاب: الصيام، باب: ما جاء في قضاء رمضان والكفّارات (١/ ٢٥٢) (رقم: ٤٩). ولم يذكره الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة.
[ ٢ / ٩٢ ]
وهذا الحديث معناه الرفع، لأنَّ القراءة مأخوذةٌ عن رسول الله ﷺ، وطريقُها النَّقل، لا مدخلَ للمقاييس فيها، فما قرأ به الصحابةُ حُمل على الرَّفعِ إنْ لم يُصَرِّحوا برفعه، إذ لا يُظنُّ بأحدٍ منهم أنَّه قَرَأَ بما لم يُقْرَأ، هم المُقَدَّسون عن ذلك، وبِمِثل هذا تُلُقِّيَت سائرُ القراءات (^١).
وقد رُوي من غير وجه: "أن النبيَّ ﷺ أَقْرَأَ أُبيًّا" (^٢). وقال لأصحابه: "أقرَؤُكم أُبَيٌّ" (^٣).
_________________
(١) قال ابن كثير في تفسيره (٨٥/ ٢): "وهذا إذا لم يثبت كونها متواترا فلا أقلّ أن يكون خبرًا واحدا أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: المناقب، باب: مناقب أبيّ بن كعب ﵁ (٣/ ٦٠٤) (رقم: ٣٨٠٩)، ومسلم في صحيحه كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبيّ. . . (٤/ ١٩١٥) (رقم: ٧٩٩) عن أنس ﵁: قال النبي ﷺ لأبيّ: "إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وسمّاني لك؟ قال: نعم. قال: فبكى". قال الحافظ ابن حجر: "قال أبو عبيد: المراد المراد بالعرض على أُبيٍّ ليتعلّم منه أُبيٌّ منه القراءة ويتثبت فيها، وليكون عرض القرآن سنة، وللتنبيه على فضيلة أبيّ بن كعب وتقدّمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبي ﷺ شيئًا بذلك العرض". الفتح (٧/ ١٥٩).
(٣) هو قطعة من الحديث المرويّ عن أنس عن النبي ﷺ ولفظه: "أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر وأشدّهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبن بن كعب وأفرضهم زيد وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح". أخرجه الترمذي في السنن كتاب: المناقب، باب: مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت. . . (٥/ ٦٢٣) (رقم: ٣٧٩١)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب: المناقب (٥/ ٦٧) (رقم: ٨٢٤٢)، وابن ماجه في السنن -المقدّمة- (١/ ٥٥) (رقم: ١٥٤، ١٥٥)، وأحمد في المسند (٣/ ١٨٤، ٢٨١)، والطيالسي في المسند (ص: ٢٨١)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٧٩)، وابن حبان في صحيحه (الإحسان) (١٦/ ٨٤) (رقم: ٧١٣١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢١٠) من طرق عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس موصولًا. والصحيح في هذا الإسناد الإرسال إلا قوله في أبي عبيدة فإنَّه موصول. =
[ ٢ / ٩٣ ]
ومِن حُكم هذه القراءة وما كان مثلها، ما لم يَثْبُتْ في المُصحفِ، ولا أُجْمِعَ عليه أَنْ تُحْكَى وتُروى، ولا يُقرأ بها في صلاةٍ، ولا فيما يُتلَى من القرآنِ، إذا لم تَنْقُلها الكافَّةُ نَقْلَ تواترٍ، وإنَّما تُقرأ كذلك ما ثَبَتَ في المصاحفِ وما نُقِلَ تواترًا، لأنَّ نَقْلَ التواتر يُوجِبُ العلمَ ضرورةً وقطعًا، وليس عندنا من القرآن الثابتِ غيرِ المنسُوخ إلَّا ما عُلَمَ ضرورةً أنَّه مِن كلامِ الرَّب سبحانه، وما لم يَنقلْه إلّا الآحادُ ولم يَبلغْ حَدَّ التواترِ فلا يَقع العِلمُ الضروريُّ به، ولا يُطلقُ القولُ بأنَّه من القرآن النزَّل، وإنْ احتَمَل عندنا أن يكون اللهُ تعالى قد أنزله على رسولِه ﷺ ثم نَسَخَه، لكنه يُحكى ويُروى، وإن تضَمَّنَ حُكْمًا لَزِمَ العملُ به، وكان حُجّةً إن اتَّصَلَ سَندُه، وثبتَتْ عدالةُ ناقِلِيهِ، ولم يُعارِضْه ما يَدْفَعُه.
وللكلامِ على هذه القاعدةِ مَوضعٌ غير هذا (^١).
_________________
(١) = قال البيهقي عقب إيراده للحديث: "ورواه بشر بن المفضّل وإسماعيل بن عليّة ومحمّد بن أبي عدي عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلًا إلَّا قوله في أبي عبيدة فإنهم وصلوه في آخره فجعلوه عن أنس بن مالك عن النبيِّ ﷺ وكلُّ هؤلاء الرواة ثقات أثبات والله أعلم". وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ١١٤): "وهذا مِن نوع آخر علّته، فلو صحّ بإسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذّاء عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ قال: "أرحم أمتي. . . " مرسلًا، وأسندَ ووَصَلَ: "إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ أمينًا وأبو عبيدة أمين هذه الأمة" هكذا رواه البصريّون الحفاظ عن خالد الحذّاء وعاصم جميعا، وأُسقط المرسل من الحديث وخُرّج المتّصل بذكر أبي عبيدة في الصحيحين". وقال الخطيب البغدادي في الفصل للوصل (٢/ ٦٧٧): "لم يكن أبو قلابة يسند جميع المتن، وإنما كان يرسله غير ذكر أبي عبيدة وحده فإنه كان يسنده عن أنس عن النبي ﷺ. . . ". وقال ابن حجر في الفتح (٧/ ١١٧): "وإسناده صحيح إلا أن الحفّاظ قالوا أن الصواب في أوّله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم".
(٢) وهذا قول جمهور أهل العلم، وخالف المالكية وبعض الشافعية ورواية عن أحمد. انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٥ - ٤٨٠)، المنهاج في ترتيب الحجاج (ص: ٦٣)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٣٨)، إرشاد الفحول (ص: ٢٧).
[ ٢ / ٩٤ ]
والحديث الذي كلامنا فيه هو مقطوعٌ في الموطأ غيرُ متّصِلٍ فيه؛ لأنَّ مجاهدًا -وهو ابن جبر- لم يَلقَ أُبَيًّا (^١)، وإنَّمَا قرأ القرآنَ على ابنِ عبّاس، وقرأ
_________________
(١) اختلف في وفاة مجاهد فقيل إحدى أو اثنين أو ثلاث أو أربع ومائة وهو ابن ثلاث وثمانون سنة فيكون مولده على أكثر تقدير سنة (١٨ هـ). واختلف أيضًا في وفاة أُبيّ فقيل (٣٢ هـ)، وهذا على أكثر ما قيل، فيكون عُمْر مجاهد عند وفاة أبيّ -على هذا التقدير- أربع عشرة سنة، ومجاهد مكيّ وأُبيّ مدني، إلّا أنَّه يُحتمل أن يسمع منه لو سافر أبيُّ إلى مكة. واختلف في سماع مجاهد من أبي هريرة وعائشة وغيرهما من الصحابة الذين تأخرت وفاتهم، فبالأحرى أن لا يسمع من أبيّ، والله أعلم. انظر: المراسيل (ص: ١٦١)، جامع التحصيل (ص: ٢٧٣)، تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٢٨)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٨). فالسند منقطع كما قال المصنّف. وقد توبع مجاهد، تابعه أبو العالية الريّاحي: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف (٣/ ٨٨) (رقم: ١٢٣٦٨) من طريق وكيع. وابن جرير في التفسير (٥/ ٣١) (رقم: ١٢٥٠٢) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٦٠) من طريق من طريق عبيد الله بن موسى، كلاهما عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ متتابعات. وهذا السند ضعيف، أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن أبي عيسى قال عنه الحافظ في التقريب (رقم: ٨٠١٩): "صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة". والربيع بن أنس البكري، قال عنه الحافظ في التقريب (رقم: ١٨٨٢): "صدوق له أوهام". وذكره ابن حبّان في الثقات (٤/ ٢٢٨) وقال: "الناس يتّقون حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه؛ لأنَّ فيه اضطراب كثير". وهذا السند من رواية أبي جعفر عنه. ثم إنَّ أبا جعفر قد اضطرب في إسناده، فرواه عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع قال: "كانت في قراءة أبيّ"، أخرجه من طريقه ابن أبي داود في المصاحف (ص: ٦٤). وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٣١) (رقم: ١٢٥٠١) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، وهناد السري، وسفيان بن وكيع، ثلاثتهم عن وكيع عن أبي جعفر عن الربيع قال، وذكره. =
[ ٢ / ٩٥ ]
ابنُ عبّاسٍ على أُبَيٍّ، وهذا مذكورٌ في إسناد قراءة ابنِ كثير، وأبي عَمرو بنِ العلاء (^١).
فصل: في الكنى: أبو أمامة، وقيل: اسمه إياس بن ثعلبة (^٢).
وأبو رافع، وقيل: اسمه أسلم (^٣).
* * *
_________________
(١) = وهذه الرواية تخالف رواية ابن أبي شيبة عن وكيع، والصواب أنَّ الاضطراب في ذلك إنما جاء من أبي جعفر، وصدق ما قاله عنه ابن حبان، فالسند ضعيف. ويشهد لقراءة أبيّ قراءةُ ابن مسعود ﵁ وأصحابه بها، انظر رواياتهم في مصنف عبد الرزاق (٨/ ٥١٣) وابن أبي شيبة (٣/ ٨٨) وتفسير ابن جرير (٥/ ٣١، ٣٢) والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٦٠)، وقال عقب إيراده لروايات أصحاب ابن مسعود عنه: "وكلُّ ذلك مراسيل عن عبد الله بن مسعود ﵁ والله أعلم".
(٢) قال مكي بن أبي طالب: "وأمَّا ابن كثير فإنَّه قرأ على مجاهد، وقرأ مجاهد على ابن عبّاس، وقرأ ابن عبّاس، على أبيّ، وقرأ أبيّ وزيد على النبي ﷺ". التبصرة (ص: ٦٠، ٦١). وذكر في (ص: ٦٣) إسناد أبي عمرو بمثل إسناد ابن كثير. وابن كثير هو عبد الله بن كثير الداري المكي أبو معبد القرئ. وأبو عمرو بن العلاء هو ابن عمار بن العُريان المازني النحوي المقرئ.
(٣) سيأتي مسنده (٣/ ١٥٠).
(٤) سيأتي مسنده (٣/ ١٦٨).
[ ٢ / ٩٦ ]