فصل من الأحاديث الواردة في ذلك:
قد جاءت المتون في المسح على النعلين والقدمين على أربعة أوجه.
الأول: ما جاء فيه ذكر المسح على النعلين فقط.
الثاني: ما جاء فيه ذكر المسح على النعلين والقدمين.
الثالث: ما جاء فيه ذكر المسح على القدمين فقط.
الرابع: ما جاء فيه ذكر المسح على الجوربين والنعلين.
ويأتي وجه خامس في الرد على هذه الأحاديث فيه ذكر الخفين والنعلين، وكذا غيره.
* ذكر ما جاء في الوجه الأول في المسح على النعلين فقط:
أ - حديث أوس بن أبي أوس:
أخرج الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا يَحْيَى عن شعبة قال: ثنا يعلى بن أمية، عن أوس بن أبي أوس ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه. ثم قام إلى الصلاة.
وأخرجه من طريق ثانية قال: حدثنا وكيع عن شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس ﵁ عن أبيه أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه.
وأخرجه الطبراني في الكبير قال:
[ ١٤٢ ]
حدثنا علي بن عبد العزيز وأبو مسلم الكشي قالا: ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت أبي يمسح على النعلين فقلت أتمسح عليها؟ قال: رأيت النبي - ﷺ - يفعله.
وهذا اللفظ لأحمد عن بهز عن حماد به.
قلت: فهذا ظاهره عن والد أوس بن أبي أوس!! وكذا هو عند ابن حبان من هذه الطريق هكذا.
ثم أخرجه فقال: حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس عن أبيه قال: مررنا على ماء من مياه الأعراب، فقام أبي فبال ثم توضأ ومسح على نعليه، قلت: ألا تخلعهما؟ قال: لا أزيدك على ما رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله.
قلت: وهذا ظاهره أنه عن جد أوس!!! وليس هو المراد، بينت ذلك رواية أحمد من هذا الوجه.
ثم أخرجه الطبراني فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد ثنا زيد بن الحريش حدثني يحيى بن سعيد عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس " سَقطت كلمة " أبي، في المطبوع " ﵁ قال؛ رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه.
ثم أخرجه قال: حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد
[ ١٤٣ ]
عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت النبي - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه، وقام إلى الصلاة.
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس الثقفي أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه. قلت: سقط قوله " عن أبيه ".
ب - حديث ابن عباس ﵄.
أخرجه ابن عدي في الكامل قال: ثنا محمد بن بشر القزاز، ثنا أبو عمير، ثنا رواد عن سفيان، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة ومسح على نعليه.
وقد أخرجه البيهقي من طريق ابن عدي فقال: أخبرنا أبو سعيد أحمد، ثنا أبو أحمد بن عدي به.
ثم أخرجه من طريق آخر قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبدان أنبأ سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان فذكره.
والحديث عند عبد الرزاق بسياق آخر قال:
[ ١٤٤ ]
عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي ظبيان الجنبي قال: رأيت عليًا بال قائمًا حتى أرغى ثم توضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه فجعلهما في كمه ثم صلى. قال معمر، ولو شئت أن أحدث أن زيد بن أسلم حدثني عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - صنع كما صنع عليٌّ فعلت.
قلت: وهذا فيه نكارة شديدة جدًا. إلا بأن يكون المسح المذكور فعل زيادة، وليس هو من الوضوء كان يكون توضأ وهو غير محدث، أو مسح بعد الغسل، على ما سيأتي في موضعه.
ج - حديث ابن عمر ﵄.
قال البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا روح بن عبادة، ابن أبي ذئب أبي عن نافع، أن ابن عمر كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما. ويقول: كذلك كان رسول الله - ﷺ - يفعل.
قال البزار: لا نعلم رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا عن ابن أبي ذئب إلا روح.
قال البزار: وإنما كان يمسح عليهما لأنه توضأ من غير حدث، انتهى كلامه.
د - حديث علي ﵁.
قال ابن خزيمة:
[ ١٤٥ ]
أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البزار، نا إبراهيم بن أبي الليث، نا عبيد الله بن عبد الرحمن عن سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي: أنه دعا بكوز من ماء ثم توضأ وضوءًا خفيفا ثم مسح على نعليه. . .
والحديث أخرجه الدرامي في سننه قال: أخبرنا أبو نعيم. ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن عبد خير قال: رأيت عليًا توضأ ومسح على نعلين فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرها.
قال الدارمي: هذا الحديث منسوخ بقوله (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
* ذكر ما جاء في الوجه الثاني من المسح على النعلين والقدمين.
وفيه: حديث أوس بن أبي أوس الثقفي المتقدم:
قال أبو داود في سننه: حدثنا مسدد وعباد بن موسى قالا: أخبرنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه - قال عباد: قال - أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي: أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على نعليه وقدميه.
وقال عباد - يعني بالإسناد المذكور - رأيت رسول الله - ﷺ - أتى على كظامة قوم - يعني الميضأة - ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة - ثم اتفقا - فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
[ ١٤٦ ]
قال في عون المعبود: وغرض أبي داود من هذا الإيراد أن مسددًا وعباد بن موسى قد اختلفا في هذا الحديث في ثلاثة مواضع:
الأول: لفظ: أخبرني أوس، فقال عباد: أخبرني بصيغة الإخبار، ولم يقل به مسدد.
الثاني: قال عباد: رأيت رسول الله - ﷺ -، وقال مسدد إن رسول الله - ﷺ -.
الثالث: زيادة ذكر الكظامة والميضأة في حديث عباد.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق أبي داود.
* الوجه الثالث الذي ذكر فيه المسح على القدمين فقط.
أ - حديث علي بن أبي طالب.
قال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة، قال سمعت النزال بن سبرة يقول: صلى علي الظهر في الرحبة ثم جلس في حوائج الناس حتى حضرت العصر، ثم أتى بكوز من ماء فصبّ منه كفًا فغسل به وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضل الماء وهو قائم وقال: إن أناسًا يكرهون أن يشربوا وهم قيام، ورأيت رسول الله - ﷺ - فعل الذي فعلت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث.
والحديث أخرجه البخاري من طريق شيخ أبي داود فيه فقال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة به. . . فذكره.
[ ١٤٧ ]
إلا أنه قال: " وذكر رأسه ورجليه " وليس عنده: (هذا وضوء من لم يحدث).
وأخرجه النسائي في سننه فقال: أخبرنا عمرو بن يزيد قال حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا شعبة به. وعنده فيه " فأخذ منه كفًا فمسح به وجهه وذراعيه، ورأسه ورجليه ".
وأخرجه الإمام أحمد من طريق بهز بنفس لفظ النسائي.
وأخرجه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.
ولفظه: " فمسح يديه وذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه. . ".
وأخرجه من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن عبد الملك به فذكر الحديث، وفيه: " فأخذ كفًا من ماء فمضمض واستنشق ومسح وجهه وذراعيه ورأسه ثم شرب. . " فلم يذكر فيه وضوءًا، ولا ذكر القدمين.
هذا وقد أخرجه في مواضع أخرى لكن اقتصر في روايته على الشرب دون ذكر الوضوء، ولا المضمضة ولا المسح.
وأخرجه البيهقي في السنن من رواية آدم، نا شعبة به، التي هي طريق البخاري.
[ ١٤٨ ]
وذكر مثل لفظ أبي داود المتقدم.
وأخرجه البغوي من طريق شعبة به، ولم يذكر فيه الرجلين، بمثل لفظ أبي داود المتقدم.
قلت: فهذه الروايات مختلفة جدًا.
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " بعد ذكر رواية البخاري التي فيها: " وذكر رأسه ورجليه ".
قال الحافظ: كذا هنا، وفي رواية بهز " فأخذ منه كفًا فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه " وكذلك عند الطيالسي " فغسل وجهه ويديه، ومسح على رأسه ورجليه "، ومثله في رواية عمرو بن مرزوق عند الإسماعيلي.
قال: ويؤخذ منه أنه في الأصل " ومسح على رأسه ورجليه " وأن آدم توقف في سياقه فعبر بقوله " وذكر رأسه ورجليه ".
قلت: ربما يكون الذي توقف في ذلك هو البخاري نفسه، فإن تصرفه في بعض الألفاظ المشكلة في الصحيح معروف. والذي يقوي هذا أن البيهقي قد أخرجه من طريق آدم من غير توقف كما قدمت.
قال ابن حجر: ووقع في رواية الأعمش: " فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ورأسه " وفي رواية علي بن الجعد عند الإسماعيلي: " فمسح
[ ١٤٩ ]
بوجهه ورأسه ورجليه " ومن رواية أبي الوليد عن شعبة ذكر الغسل والتثليث في الجميع، وهي شاذة مخالفة لرواية أكثر أصحاب شعبة، والظاهر أن الوهم فيها من الراوي عنه أحمد بن إبراهيم الواسطي شيخ الإسماعيلي فيها، فقد ضعفه الدارقطني.
قلت: وقد وقع في رواية منصور عن عبد الملك عند ابن خزيمة، مثل رواية بهز عند النسائي، وكذا عند ابن حبان مثل شيخه ابن خزيمة لكنه فضل: " ومسح وجهه وذراعيه، ومسح برأسه، ومسح رجليه ".
قلت: ولحديث علي في الوضوء طريق آخر من رواية عبد خير عنه.
أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ولكن لم يذكر أحد منهم ذكرَ المسح على القدمين فيه، بل في جميعها الغسل وفي رواية منها أنه غسل رجليه وهما في النعل.
لكن أخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ الحديث فقال: حدثنا أحمد بن المغلس، قال: نا أبو همام، قال: نا عيسى - يعني ابن يونس - قال: نا الأعمش عن رجاء عن عبد خير عن علي ﵇ قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالغسيل، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح ظاهرهما.
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا إسحاق بن يوسف عن شريك عن السدي عن عبد خير قال:
[ ١٥٠ ]
رأيت عليا ﵁ دعا بماء ليتوضأ فتمسح به تمسحًا ومسح على ظهر قدميه ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق. ثم شرب.
وأخرجه من طريق ربعي في موضع آخر فقال: " وتمسح " ولم يفصِّل فتركنا ذكر هذه الرواية.
ب - حديث أوس بن أبي أوس الثقفي ﵁ - وهو المتقدم -.
أخرجه ابن شاهين قال: حدثنا أحمد قال نا بشر بن موسى نا سعيد بن منصور. قال: نا هشيم قال: نا يعلى بن عطاء عن أبيه قال أخبرني أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله - ﷺ - أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على رجليه، قال هشيم: كان هذا في مبدأة الإسلام.
وأخرجه الطبراني في الكبير قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت النبي - ﷺ - أتى كظامة - يعني مطهرة - فتوضأ ومسح على قدميه.
ج - حديث عثمان ﵁:
أخرجه ابن شاهين قال: نا أحمد - بن سليمان بن الحسن الفقيه، نا عبيد بن شريك، نا عبد الغفار - يعني ابن داود - قال: نا ابن لهيعة، عن أبي الأسود عن عباد بن تميم عن عثمان أن النبي - ﷺ - توضأ ومسح على القدمين.
وكان عروة يفعل ذلك حتى أسود ظاهر قدميه.
[ ١٥١ ]
د - حديث تميم ﵁:
وقد خالف سعيد بن أبي أيوب ابن لهيعة فيه فجعله من مسند عباد بن تميم عن أبيه. فأخرجه ابن خزيمة قال: أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا أبو زهير عبد المجيد بن إبراهيم المصري، نا المقري نا سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود - وهو محمد بن عبد الرحمنِ مولى آل نوفل يتيم عروة بن الزبير - عن عباد بن تميم عن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ ويمسح الماء على رجليه.
والحديث قد ذكره الهيمثي في المجمع عن عباد بن تميم عن أبيه، ونسبه للطبراني في الأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني.
وفي لفظ آخر: "رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ، ومسح بالماء على لحيته ورجليه " قال الهيثمي: ورجاله موثوقون.
قلت: وإسناد الطبراني فيه: حدثنا هارون بن ملول المصري، ثنا أبو عبد الرحمن المقري، ثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود عن عباد بن تميم عن أبيه به.
هـ - حديث رفاعة بن رافع ﵁:
أخرجه الدارقطني في سننه: حدثنا الحسين بن إسماعيل، نا يوسف بن
[ ١٥٢ ]
موسى، نا هشام بن عبد الملك، والحجاج بن المنهال - واللفظ لأبي الوليد - قلت: هو هشام - قالا: نا همام نا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع قال:. . . .
فقال رسول الله - ﷺ -: " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر. . وذكر الحديث ".
قلت: قال في التعليق المغني: رجاله ثقات.
* الوجه الرابع الذي فيه المسح على الجوربين والنعلين.
أ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁:
قال الإمام أحمد ثنا وكيع أنا سفيان عن أبي قيس عن هذيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع به.
وقال الترمذي، حدثنا هنَّاد ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا وكيع به.
وقال أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع به.
[ ١٥٣ ]
وأخرجه البيهقي من هذه الطريق.
وبنحو هذا اللفظ أخرجه الطبراني في الكبير، وابن حزم في المحلّى.
وابن خزيمة كذلك.
ب - حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
أخرجه ابن ماجه في سننه قال: حدثنا محمد بن يحيى، ثنا معلى بن منصور وبشر بن آدم قالا: ثنا عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
ومن هذه الطريق أخرجه الطحاوي
والطبراني في معجمه.
[ ١٥٤ ]
الوصل الثاني: ذكر ما جاء عن الصحابي الواحد في الأوجه الأربعة، وبيان درجة الحديث:
١ - حديث أوس بن أبي أوس الثقفي.
جاء في حديثه ذكر المسح على النعلين فقط في روايتي أحمد، وروايات الطبراني، وعند ابن حبان وابن أبي شيبة، وأبي داود الطيالسي.
وجاء في حديثه ذكر المسح على القدمين والنعلين عند أبي داود السجستاني والبيهقي.
وجاء في حديثه ذكر المسح على القدمين فقط عند ابن شاهين والطبراني.
ولم يأت في حديثه شيء في الوجه الرابع.
وملخص طرقه:
أ - عن يحيى عن شعبة ثنا يعلى بن أمية عن أوس.
ب - عن شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس - زاد في رواية: عن أبيه - يعني والد أوس -.
ج - عن حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس عن أبيه - وفي أخرى: لم يقل: عن والد أوس -.
د - عن يحيى بن سعيد عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس.
هـ - عن يحيى بن سعيد عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن
أوس.
و- عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس.
[ ١٥٥ ]
قلت: وفي هذه الأسانيد مسائل:
الأولى: في الاختلاف على صاحب الحديث، أهو أوس أم والده.
والجواب: أنهم ذكروا أوسًا وأباه في الصحابة، فهو غير مؤثر على الحديث. وبهذا يعرف ضعف قول صاحب " النيل ": فزيادة " عن أبيه " توجب كون أوس في التابعين فيحتاج إلى النظر في حاله!!!
الثانية: الخلاف على اسم أوس، أهو أوس بن أبي أوس، أم هو أوس بن أوس؟
والجواب: أن لا فرق عند بعض العلماء حيث عدوهما واحدًا، وأما على رأي من فرق بينهما، فيكون في مسند صحابيين إن ثبت ما في النسخة، والصواب أن ما في النسخة خطأ، لاتحاد المتن ومن نقل عنه الخبر.
المسألة الثالثة: ما حكاه البيهقي من الانقطاع بين يعلى وأوس.
وقد رد هذا ابن التركماني فقال:
أخرجه الحازمي في الناسخ والمنسوخ وقال: لا يعرف مجودًا متصلًا إلا من حديث يعلى بن عطاء، وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه، فالاحتجاج به كاف. انتهى.
قلت: وقد ذكر له المزي سماعًا منه ورمز له فاندفعت شبهة البيهقي.
المسألة الرابعة: ما أعله به ابن القطان من جهالة عطاء والد يعلى. وقال: لم يرو عنه غير ابنه يحيى.
وهو مردود، فإن كان جهله ابن القطان فقد عرفه غيره، ذكره ابن حبان
[ ١٥٦ ]
في الثقات وقال ابن حجر مقبول - يعني عند المتابعة - وهو متابع في إحدى روايتي أحمد بيعلى بن أميّة. بل وبرواية ابنه عند من يثبت سماعه من أوس كما قدمنا.
وأما قوله: لم يرو عنه غير ابنه يحيى كما في تهذيب التهذيب، فأنت ترى أن هذا الحديث ليس من رواية يحيى، بل هو من رواية يعلى، وربما تكون تحرفت يعلى إلى يحيى، وعلى كل حال فمثل هذا لا يضر من ثبتت عدالته.
المسألة الخامسة: قالوا: في إسناده هشيم عن يعلى. وقد قال أحمد: لم يسمع هشيم هذا من يعلى، مع ما عرف من تدليس هشيم.
والجواب: أنه وقع في رواية سعيد بن منصور التي أخرجها ابن شاهين التصريح بالإنباء والتحديث بين هشيم ويعلى فزال إشكال العنعنة، ثم إنه موصول من غير طريق هشيم، فلا وجه لإعلاله بذلك أصلًا، وهذا يعرفه الإمام، إلا أنه ذكره لأن هذه الطريق عنده هي أمثل طرق الحديث.
هذا وقد ضعف أبو عمر بن عبد البر هذا الحديث في ترجمة أوس، ولم يبين وجه تضعيفه له، فيبقى قولًا من غير دليل نعرفه حتى نجيب عنه. والله علم.
ويعلى بن أمية الذي جاء ذكره في المسند لوحده أظنه تحرف، وإلا فلم أعرفه. وليس في أسماء الرجال من اسمه يعلى بن أمية، إلا الصحابي المشهور. وليس هو هذا.
* * *
[ ١٥٧ ]
والخلاصة أن الحديث لا ينزل عن رتبة الحسن.
٢ - حديث ابن عباس ﵄ في المسح على النعلين.
والكلام على الطريق الأولى عن رواد عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس:
قال البيهقي: هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو يتفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة - يعني المسح على النعلين - ورُوِيَ عن زيد بن الحباب عن الثوري هكذا، وليس بمحفوظ.
- قلت: وقد تقدمت له هذه الطريق -.
ثم قال: الصحيح رواية الجماعة، ورواه عبد العزيز الدراوردي وهشام بن سعد عن زيد بن أسلم فحكيا في الحديث رشًا على الرجل وفيها النعل، وذلك يحتمل أن يكون غسلهما في النعل. فقد رواه سليمان بن بلال، ومحمد بن عجلان وورقاء بن عمر ومحمد بن جعفر ابن أبي كثير عن زيد بن أسلم فحكوا في الحديث غسله رجليه. والحديث حديث واحد، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه. انتهى.
وتعقبه ابن التركماني في " الجوهر النقي " قال: في الكامل لابن عدي: رواد يكتب حديثه، وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحول من هناك، وقال ابن حنبل: لا بأس به صاحب سنة إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير.
[ ١٥٨ ]
وقال ابن معين: ثقة مأمون.
ثم لم ينفرد بهذا الحديث، بل رواه كرواية ابن الحباب كما ذكر البيهقي، فعلى هذا لا ينبغي أن يعد هذا الحديث من مناكير رواد.
ثم العجب من البيهقي كيف يجعله مما انفرد به عن الثوري - ثم يذكر هو أن ابن الحباب رواه عن الثوري - كروايته.
وزيد بن الحباب ثقة مشهور، وثقة ابن المديني وابن معين وأخرج له مسلم، وقال ابن حنبل: كان صاحب حديث كيسًا، رحل إلى خراسان ومصر والأندلس كتبت عنه بالكوفة وها هنا، وقال ابن عدي هو من أثبات مشايخ الكوفة ممن لا يشك في صدقه.
قال ابن التركماني: فإذا كان كذلك فهذا الحديث لو انفرد به قُبِلَ، فكيف وقد تابعه عليه غيره كما مرّ، وجاءت له متابعة أخرى، وهي أن عبد الرزاق، قال في مصنفه أنا معمر. . - وذكر الرواية التي قدمناها هناك - انتهى.
قلت: فالحديث صحيح ولكن لا حجة فيه.
ومحصل سائر الروايات المتقدمة التي ذكرها البيهقي أن روّادًا وزيدًا، أتيا ببعض الحديث، وهو المسح على النعلين، وأتى عبد العزيز وهشام بالرش على الرجل وفيها النعل، وأتى غيرهم وهم الأكثر بغسل الرجلين.
فمتى صحت هذه الطرق جميعها لم يجز إعمال بعضها دون بعض، وبإعمالها جميعًا، يصح المسح على النعلين في هذا الحديث، لكن بعد الغسل والرش.
[ ١٥٩ ]
ويؤيد هذا الرواية التي قدمناها وأشار لها ابن التركماني وهي عند عبد الرزاق، فإن فيها أنه مسح على النعلين، ثم لما دخل المسجد خلعهما ثم صلى.
ولو كان مسح عليهما فقط دون غسل، لم يجز له أن يخلعهما ويصلي فيهما، بعد أن مسح عليهما، سواءً عند من يقول بجواز المسح على النعلين كابن حزم، وعند من لا يقول بذلك وهم سائر الفقهاء.
أو أن يكون توضأ من قبل وهو غير محدث، ثم فعل هذا، على ما سيأتي الكلام عليه عند حديث علي في قوله: " هذا وضوء من لم يحدث ".
وهذا كله من الاستشهاد بحديث عبد الرزاق - فيما لو صحَّ. فإن يزيد بن أبي زياد ضعيف، ولم يذكروا لمعمر سماعًا عنه.
* * *
٣ - حديث ابن عمر ﵄ وهو في المسح على النعلين.
قلت: حديث صحيح، ورجاله ثقات، وإسناده متصل، ولا علة له، والتفرد من مثل هؤلاء الثقات الأثبات المتقنين، لا أثر له على صحة الحديث.
ولذلك لم يجد البزار سبيلًا لدفعه، لأن لا يقول به، إلا بالتأويل الذي ذكره، والذي يجنح إليه سائر أهل الحديث في مثل هذه المواطن. أو إلى القول بالنسخ، كما فعل ابن خزيمة وابن شاهين وغيرهما.
* * *
٤ - حديث علي بن أبي طالب ﵁.
وله في المسح على النعلين طريقان: الأولى التي لابن خزيمة، وهي ضعيفة فيها إبراهيم بن أبي الليث وهو متروك، لكن له متابع كما سيأتي، بغير هذا اللفظ.
[ ١٦٠ ]
والثانية التي للدارمي.
وهي طريق صحيحة، رجالها ثقات حفاظ، وإسنادها متصل، ولا علة لها.
وأما في المسح على القدمين: فقد تقدم أن الطريق فيه عند البخاري - مع ما قدمنا من إبهام اللفظ - وعند ابن حبان في صحيحه من غير إبهام، وغيرهما، فلا طريق للقول بضعفه من جهة الإسناد، إلا أن يعلّ بكثرة الاضطراب الحاصل في متنه.
ثم إنا إن لم نقل بإعلاله من الاختلاف الحاصل في المتون لكون حفاظ هذه الطرق لم تتباين ألفاظهم لمن تأمل، ويمكن أن تخرج تخريجا واحدًا، فإنه يبقى الكلام على الزيادة الحاصلة في آخره وهي قوله: " هذا وضوء من لم يحدث ".
فهي من جهة الإسناد ثابتة على شرط البخاري وغيره، والزيادة من الثقة مقبولة - فكيف من الثقات -.
فبطل الاحتجاج بهذا الحديث لمسألتنا، والله أعلم.
بقي الكلام على رواية ابن شاهين: فعنده: قال علي: كنت أرى باطن القدمين أحق بالغسيل، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح ظاهرهما ".
وهذا اللفظ عنده من رواية عيسى بن يونس نا الأعمش عن رجاء عن عبد خير عن علي، وهذا منقطع بين رجاء وعبد خير. ورجاء لم يذكروا فيه شيئا يعتمد عليه.
ثم هو مخالف سندًا ومتنًا.
[ ١٦١ ]
فقد أخرجه أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق، عن عبد خيرٍ عن علي، قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر قدميه ".
وهذا إسناد متصل.
وقال: حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا يحيى بن آدم، قال أخبرنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش بإسناده بهذا الحديث قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظهر خفيه ".
قال أبو داود: ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح ظاهرهما " قال وكيع يعني الخفين.
قال أبو داود: ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع.
قلت: فتبين أن عيسى الذي روى عنه ابن شاهين قد اختلف عليه أيضًا.
قال أبو داود: ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه، قال رأيت عليًا توضأ فغسل ظاهر قدميه وقال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله وساق الحديث.
كذا قال أبو داود.
قلت: ويزاد على هذا طريق أحمد عن إسحاق بن يوسف عن شريك
[ ١٦٢ ]
عن السدي عن عبد خير، فإنه ذكر فيها بعد المسح على القدمين قال: " لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق. . ".
قلت: فحاصل ما تقدم من حديث علي ﵁.
أ - صحة الحديث الوارد في المسح على النعلين بمفردهما.
ب - صحة الحديث الوارد في المسح على القدمين، وأنه كان متوضئًا حين فعل ذلك.
* * *
٥ - حديث عثمان بن عفان ﵁ في المسح على القدمين.
له طريق واحدة:
وله علتان:
الأولى: ضعف ابن لهيعة لسوءٍ في حفظه.
الثانية: مخالفة ابن لهيعة لمن هو أحفظ منه. فقد رواه سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود عن عباد بن تميم عن أبيه، فصار الحديث من مسند تميم - إن صح الحديث - أعني السند إليه وهو الآتي:
* * *
٦ - حديث تميم ﵁ في المسح على القدمين.
فقد أخرجه ابن خزيمة، والطبراني كلاهما من حديث سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود عن عباد بن تميم عن أبيه.
لكن الراوي عن سعيد عند ابن خزيمة أبو زهير عبد المجيد بن إبراهيم المصري.
والراوي عنه عند الطبراني هو هارون بن ملول المصري.
[ ١٦٣ ]
ولم أقف على ترجمة لأحد منهما - فلينظرا.
ويبقى الحديث على عهدتهما. والله أعلم.
* * *
٧ - حديث رفاعة بن رافع ﵁ في المسح على القدمين.
رجاله ثقات كما ذكر في التعليق المغني، وأورده صاحب النيل فلم يتعلق عليه بشيء، وليس للحديث ما يعل به، إلا التفرد، وهو غير قادح كما قدمنا.
والحديث جاء في مقام التعليم، فهو حجة قاطعة في الباب، لا تنفع معه دعاوي من قال بأنه وضوء من لم يحدث، ولا من قال أنه حاصل بعد الغسل، ولا غيره، والله أعلم.
* * *
٨ - حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الجوربين والنعلين.
وطريقه واحدة عند الجميع من طريق وكيع، أنا سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي وهو عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة.
أما وكيع وسفيان فاثنان أجل من أن يتكلم فيهما.
وأما أبو قيس الأودي:
فقال يحيى بن معين: ثقة.
وقال العجلي: ثقة ثبت.
وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف هو حديثه؟
[ ١٦٤ ]
قال: صالح هو، ليِّن الحديث.
وقال الإمام أحمد: يخالف في أحاديثه.
وذكره ابن حبان في الثقات:
وروى له الجماعة سوى مسلم.
واختصر الحافظ ابن حجر جميع ما تقدم من الأقوال في " تقريب التهذيب " فقال: صدوق ربما خالف.
وأما هزيل بن شرحبيل.
فقال فيه ابن حبان: ثقة.
وقال ابن سعد: ثقة.
وقال العجلي: كوفي ثقة.
وقال الذهبي: ثقة.
وقال الدارقطني: ثقة.
وقال ابن حجر: ثقة مخضرم.
وقد روى له الستة سوى مسلم.
[ ١٦٥ ]
قلت: والحاصل مما تقدم أن العهدة في هذا الحديث على أبي قيس الأودي إن كان حفظ، ولم يخالف، وقد انقسم أهل العلم في المقصود بالمخالفة هنا على وجهين:
الأولون: الذين قالوا: هذا الحديث مخالف لحديثه المخرج في الصحيحين وغيرهما، أنه مسح على الخفين.
والآخرون: الذين قالوا: هذه واقعة أخرى، أو هي زيادة، والزياة من الثقة مقبولة، وقد استعرض الزيلعي في نصب الراية أقوالهم فقال: قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال النسائي في " سننه الكبرى ": لا نعلم أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أنه ﵇ مسح على الخفين " انتهى.
ورواه ابن حبان في صحيحه، في النوع الخامس والثلاثين من القسم الرابع.
وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين، قال: وروى أبو موسى الأشعري أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل ولا بالقوي. . .
وذكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: إنه حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخفين، ويروى عن جماعة أنهم فعلوه، انتهى.
قال النووي: كل واحدٍ من هؤلاء لو انفرد لقدم على الترمذي، مع أن
[ ١٦٦ ]
الجرح مقدم على التعديل، قال: واتفق الحفاظ على تضعيفه. ولا يقبل قول الترمذي: إنه حسن صحيح. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين - ابن دقيق العيد - في الإمام: أبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثروان، احتج به البخاري في صحيحه، وذكر البيهقي في سننه أن أبا محمد يَحْيَى بن منصور قال: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر. وقال: أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان، وخصوصًا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل.
قال: فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي فسمعته يقول: سمعت علي بن محمد بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري لو حدثتني حديث أبي قيس عن هزيل، ما قبلته منك. فقال سفيان: الحديث ضعيف.
ثم أسند البيهقي عن أحمد بن حنبل قال: ليس يروى هذا الحديث إلا من رواية أبي قيس الأودي، وأبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث بهذا الحديث، وقال: هو منكر.
وأسند البيهقي أيضًا عن علي بن المديني قال: حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال ومسح على الجوربين فخالف الناس.
[ ١٦٧ ]
وأسند أيضًا - يعني البيهقي - عن يَحْيَى بن معين قال: الناس كلهم يروونه على الخفين، غير أبي قيس.
قال الشيخ - تقي الدين ابن دقيق العيد -: ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما ورد، ولا يعارضه، لا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة لم يشارك المشهور في سندها. انتهى.
وبه ينتهي ما نقله صاحب " نصب الراية ".
(تنبيه):
قد جاء في الحديث المذكور - حديث المغيرة - أمران:
الأول: المسح على الجوربين.
الثاني: المسح على النعلين.
فأما الأول فليس من شرطنا في الكتاب، لأنه يوجد بين الفقهاء من يقول به.
وأما الآخر: فليس من قائل به إلا ابن حزم، وهو على شرطنا في الكتاب. ثم هو ليس بحديث فرد حتى يعلّ بالمخالفة والشذوذ، لما قدمنا من الأحاديث في المسح على النعلين، فلا يعلّ بمثل هذه العلّة، والله أعلم.
* * *
[ ١٦٨ ]
٩ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁. في المسح على الجوربين والنعلين.
وله طريق واحدة: عن عيسى بن يونس عن عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى.
وقد أشار أبو داود لهذا الحديث ثم قال: وليس بالمتصل ولا بالقوي.
وفسر البيهقي قوله فقال: الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى، فهو ليس بمتصل، وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به.
ثم أسند البيهقي عن يحيى بن معين قال: عيسى بن سنان ضعيف.
قلت: وبهذا أعله العقيلي في الضعفاء.
وقد ناقش المباركفوري تضعيف حديث أبي موسى فقال: فإن قلت: قال الشيخ علاء الدين المارديني: إن التضعيف بعد ثبوت سماع عيسى بن سنان عن أبي موسى هو على مذهب من يشترط للاتصال ثبوت السماع.
قال: ثم هو معارض بما ذكره عبد الغني فإنه قال في الكمال: سمع الضحاك من أبي موسى، قال: وابن سنان وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في الجنائز حديثًا في سنده عيسى بن سنان هذا وحسَّنه.
انتهى.
قال المباركفوري: إن ثبت سماع الضحاك من أبي موسى ترتفع العلة الأولى وتبقى الثانية، وهي كافية لضعف حديث أبي موسى المشهور.
وأما قول المارديني: " وابن سنان وثقه ابن معين وضعفه غيره " ففيه أن ابن معين أيضًا، ضعّفه.
قال الذهبي في الميزان: ضعفه أحمد وابن معين، وهو مما يكتب على لينه. .
[ ١٦٩ ]
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال يعقوب بن شيبة عن ابن معين: ليِّن الحديث.
وقال جماعة عن ابن معين: ضعيف الحديث.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث.
وقال العجلي: لا بأس به.
وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن خراش صدوق، وقال مرة: في حديثه نكارة.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الكناني عن أبي حازم: يكتب حديثه ولا يحتج به، انتهى كلام الحافظ في التهذيب.
وقال: أبو زرعة: مخلط ضعيف الحديث.
قال المباركفوري: ولضعف هذا الحديث علة ثالثة، وهي أن عيسى بن سنان مخلّط، كما تقدم.
قال المباركفوري: وأما إخراج الترمذي له حديثًا في الجنائز وتحسينه، فمما لا يصغى إليه، فإن الترمذي يحسّن الحديث مع تصريحه بالانقطاع، ومع تصريحه بضعف رواته، ثم تساهل الترمذي مشهور.
انتهى.
قلت: وخلاصة جميع ما تقدم من الأحاديث أن المسح على القدمين قد صح فيه حديث أوس وحديث علي، وحديث رافع، وله شواهد أخرى ضعيفة.
[ ١٧٠ ]
وأن المسح على النعلين قد صح فيه حديث أوس، وحديث ابن عباس ولكن لا حجة فيه على المسألة، وحديث ابن عمر، وحديث علي، وحديث المغيرة بن شعبة، وفيه حديث ضعيف عن أبي موسى. ﵃ أجمعين.
[ ١٧١ ]
الوصل الثالث: في بيان أن قول الفقهاء خلاف الحديث الوارد في المسح على النعلين، وذكر حججهم في دفع ذلك:
وإنما ذكرنا هنا حديث المسح على النعلين وحده، وهو الوجه الأول، لأنه هو المراد من هذا الموضع، دون الثلاثة الباقية التي أسلفت ذكرها في أول الباب، لأنها ثمة من أفتى بها، كالمسح على الجوربين، أو القدمين.
قال البخاري ﵀ في الصحيح: " باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين " فقال الحافظ في الشرح: أي لا يكتفي بالمسح عليهما كما في الخفين، وأشار بذلك إلى ما روي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم في الوضوء ثم صلوا، وروي في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود وغيره، من حديث المغيرة بن شعبة، لكن ضعفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره من الأئمة، واستدل الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا تخرقا حتى تبدو القدمان أن المسح لا يجزئ عليهما، قال: فكذلك النعلان لأنهما لا يفيدان القدمين. انتهى.
قال ابن حجر: وهو استدلال صحيح، لكنه منازع في نقل الإجماع المذكور، وليس هذا موضع بسط المسألة. انتهى.
قلت: هو الموضع عندنا، والإجماع الذي ذكره الطحاوي له وجهان:
الأول: إجماعهم جواز المسح على الخفين.
والثاني: إجماع من قال بالمسح على الخفين، بعدم جواز المسح على الخف غير الساتر لما فوق الكعبين.
فأما الأول: فقد نقل المنذري عن ابن المبارك أنه قال ليس في المسح
[ ١٧٢ ]
على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من رُوي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته.
وذكر أبو القاسم ابن مندة من رواه في تذكرته فكانوا ثمانين صحابيًا، وكذا فعل غيره.
وما روي عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة في إنكار ذلك فقد قال ابن عبد البر: لا يثبت وكذا قال غيره عن غيرهم.
وقد قال ابن عبد البر: لا أعلم من روى عن أحد من الفقهاء من السلف إنكاره، إلا عن مالك مع أن الروايات الصحيحة مصرحة عنه بإثباته.
قلت: وخلاف داود الظاهري هو المشهور في ذلك، وجماعة لا يعتد بخلافهم من غير أهل السنة، وسواء في مسألتنا بحصول الإجماع على ذلك أم لا، فهو غير مؤثر.
فالقائل بمنع المسح إن اعتد بخلافه، وليس بذاك - هو مانع أيضا للمسح على النعلين من باب أولى.
والقائل بجواز المسح، قد اشترط ستر ما يستره النعل، فهو مانع للمسح على النعلين أيضًا لعدم تحقق شرطه، وهذا هو المراد بالإجماع الثاني، وهذا الشرط متوفر عند الجميع كما قال الطحاوي، وذكر اشتراط ذلك عن الجميع، ليس لهذه العجالة.
فتحقق أن ليس من قائل بجواز المسح على النعلين إلا من تقدم ذكره من الصحابة، والمنقول فيه عن ابن حزم ﵀، وقد قدمناه.
والأصل الأقوى الذي أعلّوا به العمل بهذه الأحاديث، هو المخالفة
[ ١٧٣ ]
للأحاديث الصحيحة الصريحة في المسح على الخفين، وأن الاختلاف نتيجة الوهم، لا الحصول.
والوجه الآخر، هو أنهم قالوا: إنه كان يلبس جوربين منعلّين، وهو جواب يخالفه ظاهر الخبر.
والثالث وهو أضعفها، من أن المراد بالنعل الخف.
ولهم أجوبة في ذلك غير هذه.
[ ١٧٤ ]