بالاحتجاج بخبر الآحاد
اعلم رحمك الله أن أدلة القائلين بالاحتجاج قد انقسمت من حيث الأصلين لفرعين أساسيين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية.
قال الشيخ الرازي في المحصول:
" والذين قالوا: وقع التعبد به - يعني خبر الآحاد - اتفقوا على أن الدليل السمعي دلّ عليه، واختلفوا في الدليل العقلي هل دلّ عليه أم لا. فذهب القفال وابن سريج منّا، وأبو الحسين البصري - من المعتزلة - إلى أن دليل العقل دل على وقوع التعبد به. وأما الجمهور منا ومن المعتزلة كأبي عليّ وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار، فقد اتفقوا على أن دليل التعبد به: السمع فقط. وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية. انتهى.
لكن الآمدي في " الإحكام " يزيد ذكر أسماء القائلين بوجود الدليل العقلي فيقول: " واختلفوا في دليل وجوبه بدليل العقل: فأثبته
[ ١٧ ]
أحمد بن حنبل، والقفال وابن سريج من الشافعية، وأبو الحسين من المعتزلة وجماعة كثيرة.
ونفاه الباقون.
وفصل أبو عبد الله البصري - بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة، وما لا يسقط بها، فمنع منه في الأول، وجوزه في الثاني، انتهى. قلت: فهذا أوان الشروع في تفصيل هذين الفرعين وفيهما: الدليل العقلي، ثم ذكر الأدلة السمعية من الكتاب والسنة والقياس والإجماع.
[ ١٨ ]
أ - الفرع الأول: في بيان الحجج العقلية:
وحيث أن الآمدي لا يقول بصحة الحجج العقلية على دليل العمل بخبر الواحد، - وإن كان يقول بحجية الخبر الواحد من أدلة أخرى - فقد اخترت إيراد ما ذكره من هذه الححج العقلية ومناقضته لها، ومناقشته في ذلك.
قال ﵀ في " الإحكام ":
فأما من قال بكونه - يعني الدليل العقلي - حجة، فقد احتجوا بحجج ضعيفة، لا بد من ذكرها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
١ - الحجة الأولى من جهة المعقول:
وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العمل بخبر الآحاد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل.
وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار، وحسن اجتلاب المنافع. فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا نفصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلًا لما علمناه جملة من وجوب التحرز عن المضار.
وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودًا وعدمًا، وذلك بعينه موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به، وذلك لأنا قد
[ ١٩ ]
علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي - ﷺ - فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا.
فإذا ظننا بخبر الواحد، أن النبي - ﷺ - قد دعانا للانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، يوجب العمل به.
قال الآمدي:
ولقائل أن يقول: أما أولًا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، بل غايته إذا ظننا صدقه، أن يكون العمل بخبره أولى من تركه، وكون الفعل أولى من الترك، أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب، فلا يلزم منه الوجوب.
قلت: قول الآمدي: ". . . العمل بخبره أولى من تركه. . . لشموله للمندوب، فلا يلزم منه الوجوب " منقوض بسائر المسائل التي لا يسع القول بالندب فيها مجالًا. أو التي لا يمكن أن تكون إلا ندبًا أصلًا.
مثال الأول الأحاديث التي تخبر عن فرضية الغسل للجمعة مثلًا، فإن ندب الاغتسال لها ثابت عند سائر الفقهاء، وإحالة أحاديث الفرض على الندب فيه إهمال لأنه أبطل الخبر الزائد فيه إبطالًا تامًا.
ومثال الثاني أحاديث ندب وضع اليدين على الصدر في الصلاة، أو تحريك الأصبع في التشهد ونحوها من أحاديث الندب، فإن القول فيها بالندب على رأي الآمدي هو إعمال تام للخبر، فيرد عليه فيه.
وذلك أن قولنا بوجوب العمل بخبر الواحد لا يعني منه أحاديث الفرض فقط، بل المستحبات، وكذلك المحرمات والمكروهات. فإذا تأملت هذا علمت اضطراب قوله في سائر الأحاديث التي تفيد إما الاستحباب وإما الكراهة حسب، دون التحليل أو التحريم، ولا الفرائض.
[ ٢٠ ]
ثم قال الآمدي ﵀:
" سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ذكرتموه من الدوران، فلا يدل على أن المدار علة الدائر، لجواز أن تكون العلة معنى ملازمًا لما ذكرتموه لا ما ذكرتموه. . . " إلى آخر ما قال.
وقد ضربت على القسم الآخر من قوله لأنه داخل على التحقيق في مبحث آخر من مباحث القياس في معرفة العلة والطرق التي تتبع في ذلك، وليس ذلك من مباحث هذا الكتاب.
قال الآمدي:
٢ - الحجة الثانية:
قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن، فلو لم نعمل به، لكنا تاركين لأمر الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط. قال الآمدي: ولقائل أن يقول: صدق الراوي وإن كان ممكنًا وراجحًا، فلم قلتم بوجوب العمل به والاحتياط بالأخذ بقوله، وإن كان مناسبًا، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة، ولا يمكن القياس على الأول، لأن ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته الوجوب إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني، وذلك لأن براءة الذمة معلومة وهي الأصل، وغاية قول الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة بالنظر إلى جميع الناس، وإن سلمنا صحة القياس فغايته أنه مفيد لظن لإلحاق. وهو غير معتبر في إثبات الأصول. . .
[ ٢١ ]
٣ - الحجة الثالثة:
أنهم قالوا: إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع.
قال الآمدي: " ولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله، وأما عدم الدليل فلا، ولهذا فإنه لو لم يظفر في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، والمصير إلى البراءة الأصلية ".
قلت: وهذا منه ﵀ كاف في دفع هذه الحجة الثالثة بمثاله المذكور، فلا حاجة للإطالة في ذكر بقية جوابه.
قال الآمدي:
٤ - الحجة الرابعة:
قالوا: إنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة الرسول - ﷺ - إلى كل أهل عصره. وذلك ممتنع، وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره، والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد، والتواتر إلى كل أحد متعذر، فلو لم يكن خبر الواحد مقبولًا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).
قال الآمدي رادًّا:
ولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجبًا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس لذلك. بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه، إما بالمشافهة أو
[ ٢٢ ]
بخبر التواتر، وكذلك كل واحد من الأئمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه، وأما مع عدم علمه به فلا، ولهذا فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي - ﷺ - لم يكن مكلفًا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفًا بما أرسل به،. انتهى كلام الآمدي.
قلت: وقول الآمدي باطل، وما ادعاه من شرط شمول التبليغ ونفيه ليس بلازم، وبيان صورة الرد في المثال الآتي:
وهو أن رسله - ﷺ - الذين أرسلهم، كان بعضهم آحادًا، ولو لم يكن خبرهم حجة لما حل له - ﷺ - منابذة الرافضين منهم إلى القتال في مواقع معلومة من السيرة بل ودعائه - ﷺ - على من مزق كتبه.
بل وكيف يستقيم أن يرسل - ﷺ - إلى القبائل من يعلمهم الشرائع آحادًا،
وهو يعلم من شريعته - ﷺ - أن خبر الواحد ليس بحجة!!!
لكن النظر عندي في هذه الحجة هل تلحق على الصواب بالعقلية أم النقلية منها، والأصوب الثاني قال الآمدي:
٥ - الحجة الخامسة:
قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول - ﷺ -، وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل الراجح والمرجوح معًا، أو تركهما معًا، أو العمل بالمرجوح دون الراجح أو بالعكس.
[ ٢٣ ]
وبالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث لأنه محال. فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب ".انتهى.
قلت: وهذا احتجاج بين البطلان، فلم نذكر رد الآمدي عليه لوضوحه.
[ ٢٤ ]
ب - الفرع الثاني: في بيان النقلية: وهي أنواع.
١ - أولها: حجج القرآن الكريم:
* الحجة الأولى في قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢).
قال الرازي وغيره من العلماء فيها:
وجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحذر بأخبار الطائفة، والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم، ومتى وجب الحذر بإخبار عدد لا يفيد قولهم العلم فقد وجب العمل بالخبر الذي لا نقطع بصحته.
وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر - عند إخبار الطائفة - لأنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة، والإنذار هو الإخبار.
وإنما قلنا: إنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة لقوله تعالى: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وكلمة " لعل " للترجي، وذلك في حق الله تعالى محال، وإذا تعذر حمله على ظاهره وجب حمله على المجاز، وذلك لأن المترجي طالب للشيء. فإن كان الطلب لازمًا للترجي وجب حمل هذا اللفظ على الطلب، فيلزم أن يكون الله طالبًا للحذر، وطلب الله تعالى هو الأمر فثبت أن الله تعالى أمر بالحذر عند إنذار الطائفة. وإنما قلنا: إن الإنذار هو الإخبار، لأنه عبارة عن الخبر المخوف، والخبر داخل في الخبر المخوف، فثبت أن الله تعالى أوجب الحذر عند إخبار الطائفة.
[ ٢٥ ]
وإنما قلنا: إن الطائفة ها هنا: عدد لا يفيد قولهم العلم، لأن كل ثلاثة فرقة، والله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة، والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان، وقول الواحد أو الاثنين لا يفيد العلم.
وإنما قلنا إنه تعالى لما أوجب الحذر عند خبر العدد الذي لا يفيد قولهم العلم وجب العمل بذلك الخبر لأن قومًا إذا فعلوا فعلًا، وروى الراوي خبرًا يقتضي المنع من ذلك الفعل، فإما أن يجب عليهم تركه عند سماع ذلك الخبر أو لا يجب.
فإن وجب فهو المراد من وجوب العمل بمقتضى الخبر، وإذا ثبت وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر - في هذه الصورة - وجب العمل به في سائر الصور، ضرورة أن لا قائل بالفرق.
وإن لم يجب الترك، لم يجب الحذر، وذلك ينافي ما دلت عليه الآية من وجوب الحذر.
قلت: بقي الجواب عما إذا وقع النقاش مع حصر الطائفة في العدد الذي لا يفيد العلم، والجواب: أنه لا يخلو من أن يكون المراد من لفظ الطائفة التي وجب عليها الخروج للتفقه، والإنذار إذا رجعت أمرين:
الأول: العدد الذي ينتهي لحد التواتر.
الثاني: العدد الذي لا ينتهي لحد التواتر.
ومن يحصر المراد بالأول يلزمه القول بأن الواجب على كل طائفة، وأهل قرية، أو بادية إذا كان عددهم ما دون حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والإنذار، وهذا لا يقول به قائل في أي عصر من الأعصار، بل القول خلافهم، فدل على أن المراد يشمل الأمر الثاني للخروج من هذا الإلزام.
والله أعلم.
وبهذا العرض يكون وقع الجواب عما يمكن أن يبديه أهل الاعتراض على صحة هذا الاستدلال، اللهم إلا وجهين نذكرهما، والجواب عليهما.
[ ٢٦ ]
* مناقشة الاعتراض الأول:
فإنهم قالوا: الحمل على الفتوى - أي حمل الخبر على الفتوى - متعذر لوجهين:
الأول:
أنا لو حملناه على الفتوى، لاختص لفظ القوم بغير المجتهدين، لأن المجتهد لا يجوز له العمل بفتوى المجتهد، لكن التقييد غير جائز لأن الآية مطلقة. انتهى اعتراضهم.
قلت: وقد دفعه غير واحد من غير وجه، ولم أوردها جميعها، إذ لا حاجة لها، بل هي دفع للخطأ بجنسه، فإن أصل الاعتراض غير صحيح، ولا هو في باب الموضوع، إذ أننا بصدد الرواية عن الشارع، لا بصدد نقل فتوى المجتهد، وإلزام الآخر بها، فإننا لا نريد إلزام المجتهد إلا بقبول خبر الآحاد في الرواية فقط.
* مناقشة الاعتراض الثاني:
فإنهم قالوا: ومع تطرق هذه الاحتمالات فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو من جملة الأصول، والخصم مانع لصحته، فالقاعدة الأصولية أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل في الاستدلال. انتهى الاعتراض الثاني.
قلت: والجواب على الاعتراض من أوجه:
الأول: أن الاحتمال المذكور في القاعدة إنما هو الاحتمال غير المدفوع، ولا المنفي، وإلا فلترد كل قاعدة بأي احتمال ولو كان خطأً، وهو
[ ٢٧ ]
غير صحيح، وبه تبطل سائر الأصول لأنه لا يخلو من إيراد احتمال ولو في غير موضعه، فعلمنا من هذا أن الاحتمال المراد إنما هو الاحتمال الذي لا يرد، ولا دليل على بطلانه، ولكننا قدمنا دفع جميع هذه الاحتمالات فلم يعد من معنى للاستدراك بها على بطلان أصلنا هذا.
الثاني: أن الفقهاء يحتجون بغلبة الظن، وهو لا يكون إلا في معرض الاحتمال، وكذا الأصوليون في كثير من مسائل الترجيح التي لا يظهر فيها الصواب بينًا، ولم يمنعهم من ذلك العمل بها، والاعتماد عليها.
الثالث: أن الدلالات الظنية إذا جتمعت أفادت القطع، بحسب كثرتها، ونحن لنا في هذا الباب ما لا ينضبط من الأدلة، التي لو تأملها المتأمل أفادت القطع عنده، والله أعلم.
* الحجة الثانية في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ). ووجه الاستدلال من هذه الآية أن الله تعالى أوجب البيان على كل فرد من الذين أوتوا الكتاب تبيان ما عرف وأن لا يكتم، فلو لم يكن بيانه حجة، ولا بلاغًا، لما كان من معنى في مطالبته بذلك.
وإنما قلنا بأن الأمر لكل واحد منهم، لأن الخطاب يكون على حسب الوسع، وليس في الوسع اجتماعهم جميعهم في مكان واحد، وإبلاغهم إبلاغًا واحدا لكل إنسان، فتبين أن المخاطب بذلك هو كل واحد منهم. وإنما قلنا بالوجوب، لأن الميثاق والعهد من أبلغ الالتزام الذي هو مقتضى الوجوب.
[ ٢٨ ]
لكن تطرق الاحتمال لهذه الآية بخلاف سابقتها، وذلك بأن المراد بذلك العدد الذي تقوم به الحجة، دون ما لا تقوم به.
فتبقى هذه الآية الدلالة منها على سبيل الاحتمال لا الجزم. وهذا موجود في آيات أخرى منها:
* الحجة الثالثة فى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) الآية.
* الحجة الرابعة في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الآية.
* الحجة الخامسة في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وفيها مناقشات أخرى سوى تطرق الاحتمال المذكور.
* الحجة السادسة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا). ووجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين:
الأول: أنه علق وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن غير الفاسق بخلافه، وذلك إما أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، ولا جائز أن يقال بالأول، وإلا كان خبر العدل أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال، فلم يبق غير الثاني.
[ ٢٩ ]
الثاني: وهو ما جاء في سبب نزول الآية.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي عاصم في تفسيره، والطبراني في معجمه، وابن مندة، وابن مردويه في التفسير، بإسناد حسن عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال:
قدمت على رسول الله - ﷺ - فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، قلت: يا رسول الله: أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولًا (بأبان) كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة، ممن استجاب له وبلغ الأبان الذي أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه، احتبس الرسول فلم يأت، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله - ﷺ - كان وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله - ﷺ - الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا فنأتي رسول الله، وبعث رسول الله - ﷺ - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض المال وكان عنده مما جمع من الزكاة، فلما سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله - ﷺ - البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟، قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله - ﷺ - بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأيته ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله - ﷺ - قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي.
[ ٣٠ ]
قال: والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا رآني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله - ﷺ -، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) إلى قوله (حَكِيمٌ).
وأخرجه الطبراني وابن مندة وابن مردويه من حديث علقمة بن ناجية ﵁.
وأخرجه الطبراني في الأوسط وابن مروديه من حديث جابر ﵁.
وأخرجه ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة ﵂.
وأخرجه ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد مرسلًا.
وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن مرسلًا.
وأخرجه عبد بن حميد في مسنده عن عكرمة مرسلًا.
وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة مرسلًا، وفيه أنهم أقبلوا نحوه فهابهم فرجع فأخبر رسول الله - ﷺ - بأنهم ارتدوا. وأخرجه ابن المنذر عن الضحاك مرسلًا.
[ ٣١ ]
ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي - ﷺ - عمل بخبر الواحد، حيث أرسل إليهم بعثًا لقتالهم، ولو لم يكن ذلك حجة عنده لما فعله.
وقد اعترض على الاستدلال الأول بأنه مأخوذ من مفهوم المخالفة، وهو مصدر تشريعي مختلف فيه، واعترض على الاستدلال الثاني أن المذكور من سبب النزول هذا هو خبر من أخبار الآحاد فلا يكون حجة في الأصول.
قلت: ولي أنا على الاستدلال اعتراض ثالث، وهو أن قوله " فتبينوا " هو من مواضع الاستدلال من الآية، وليس فيه العدد. فيبقى محتملًا كباقي الآيات، وأما القول على موضع الاستدلال الأول الذي ذكروه في مفهوم المخالفة فتقدم.
الخلاصة:
أن ما تقدم من الآيات لا يخلو الاستدلال بها من اعتراض، إلا الأولى، فهي حجة في الباب لمن تأمل، والله أعلم.
[ ٣٢ ]
٢ - ثانيها حجج السنة:
وقبل الشروع في بيان أدلتها لا بد من التنبيه على أن القائلين بترك العمل بخبر الواحد، وأنه غير واجب العمل به، لا يعتدون بشيء من أدلة السنة إلا ما كان متواترًا، بخلاف سائر الأئمة القائلين بصحة الاحتجاج به، فإنه لا يلزمهم حصول هذا الشرط فيه، ولذلك فإنني أبتدئ هذه الحجج من السنة بالخبر الذي هو متواتر عند جمهور المحدثين والأئمة، بخلاف المتعنتين الذين ليس لقولهم حجة ولا برهان، الذين قالوا: أربعين.
أن يبلغ عدد المخبرين أربعين كالعدد المعتبر في الجمعة.
أو الذين قالوا: سبعين لقوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا).
أو الذين قالوا: ثلثمائة وبضعة عشر بعدد أهل بدر.
أو الذين قالوا: خمس عشرة مائة.
أو الذين قالوا: سبع عشرة مائة.
أو الذين قالوا: أربع عشرة مائة، وهؤلاء ثلاثتهم عزوه لعدة أهل بيعة الرضوان.
أو الذين قالوا: عدد هذه الأمة.
فإن هؤلاء جميعهم مجازفون مغالون، بل هاذون أعني القائلين منهم بما هو فوق السبعين.
وأما سائر بقية العلماء فقد قالوا بما هو دون ذلك بكثير، ما بين الأربعة إلى العشرين، ومعلوم أن هذا العدد مشروط في سائر الطبقات عند الجميع.
وهذا ذكر الحديث الأول الذي هو متواتر عند طائفة غير قليلة من
[ ٣٣ ]
المحدثين والفقهاء الأصوليين، وهو أول حديث ذكره الشافعي ﵀ في " الرسالة " في باب الحجة في تثبيت خبر الواحد.
١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع ".
[ ٣٤ ]
٢ - حديث زيد بن ثابت ﵁ عن النبي - ﷺ - مثله وفيه: " فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه. . ".
[ ٣٥ ]
٣ - حديث جبير بن مطعم ﵁ النبي - ﷺ - بمثل حديث زيد.
[ ٣٦ ]
٤ - حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي - ﷺ - بمثله.
[ ٣٧ ]
٥ - حديث النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - به، وعنه عن أبيه به. ﵄.
٦ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - به.
[ ٣٨ ]
٧ - حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ عن النبي - ﷺ - به.
٨ - حديث جندرة بن خيشنة عن النبي - ﷺ - به.
[ ٤٠ ]
٩ - حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي - ﷺ - به.
١٥ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - به
١١ - حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - به.
١٢ - حديث عبيد بن عمير عن أبيه عن جدّه عن النبي - ﷺ - به.
[ ٤١ ]
١٣ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي - ﷺ - به.
١٤ - حديث عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - به.
١٥ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - به.
١٦ - حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي - ﷺ - بلفظ: " رحم الله امرءًا سمع منا حديثًا فوعاه، ثم بلغه من هو أوعى منه ".
١٧ - حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - بلفظ: " نضر الله عبدا سمع مقالتي هذه فحفظها ثم وعاها فبلغها عني ".
١٨ - حديث عمر بن الخطاب ﵁.
١٩ - حديث عثمان بن عفان ﵁.
٢٠ - حديث علي بن أبي طالب ﵁. ثلاثتهم عن النبي - ﷺ - به.
[ ٤٢ ]
٢١ - حديث ربيعة بن عثمان التيمي ﵁ عن النبي - ﷺ - به.
وإن هذه الروايات المتقدمة لو ضمت لحديث " ليبلغ الشاهد الغائب " بلغت ضعف هذا القدر الذي أوردناه، وتركنا ذلك خشية الإطالة.
والشاهد من الحديث كما قال الإمام الشافعي ﵀:
فلما ندب رسول الله - ﷺ - إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءا يؤديها، - والامرؤ واحد - دلّ على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب، وحدٌ يقام، ومقال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا.
ودل على أنه قد يحتمل الفقه غير فقيه، يكون حافظًا ولا يكون فقيهًا.
قلت: فهذا حديث حجة في إثبات خبر الواحد، قد يرد على من اعترض عليه من فهم ردودنا على الاعتراضات الأولى.
[ ٤٣ ]
حديث آخر:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال النبي - ﷺ -: " لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ".
حديث ثالث:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلًا قبَّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين، فأخبرتها، فقالت أم سلمة: إن
[ ٤٤ ]
رسول الله - ﷺ - يقبِّل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله عندها، فقال رسول الله - ﷺ -، ما بال هذه المرأة؛ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك، فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرًا وقال: لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء.
فغضب رسول الله - ﷺ - ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده.
قال الشافعي الإمام ﵀:
في ذكر قول النبي - ﷺ -: " ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك " دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله، لأنه لا يأمر بأن تخبر عن النبي - ﷺ - إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته.
وهكذا خبر امرأته له إن كانت من آهل الصدق عنده.
حديث رابع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء
[ ٤٥ ]
في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
قال الشافعي الإمام ﵀:
وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله - ﷺ - ولم يسمعوا ما أنزل عليه في تحويل القبلة، فيكونوا مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعًا من رسول الله، وبخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي - ﷺ - أنه أحدث عليهم بتحويل القبلة.
ولم يكونوا ليفعلوه - إن شاء الله - بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق - يعني المخبر بذلك -.
ولا ليحدثوا أيضًا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه.
ولا يدعون أن يخبروا رسول الله - ﷺ - بما صنعوا منه.
ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله - ﷺ - في تحويل القبلة وهو فرض، مما يجوز لهم لقال لهم - إن شاء الله - رسول الله: قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة، من سماعكم أو من خبر عامة. أو أكثر من خبر واحد عني.
[ ٤٦ ]
حديث خامس:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح، وأبى بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فجاءهم آتٍ فقال: إن الخمر قد حرّمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت.
وهؤلاء في العلم والمكان من النبي - ﷺ - وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم.
وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه فجاءهم آتٍ، وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة وهو مالك الجرار، بكسر الجرار، ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله - ﷺ -، مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة.
حديث سادس:
قال الشافعي الإمام ﵀:
وأمر رسول اللَّه - ﷺ - أنيسًا أن يغدو إلى امرأة رجل ذكر أنها زنت " فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها.
أخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن
[ ٤٧ ]
أبي هريرة، وزيد بن خالد، وساقا الخبر عن النبي - ﷺ -، وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد: شبلًا.
حديث سابع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا عبد العزيز عن ابن الهاد، عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا عليّ بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله - ﷺ - يقول: إن هذه الأيام أيام طعام وشراب، فلا يصومن أحد، فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك.
قال الشافعي الإمام ﵀:
ورسول الله - ﷺ - لا يبعث بنهيه واحدًا صادقًا إلا لزم خبره عن النبي - ﷺ - بصدقه عند المنهيين عما أخبرهم أن النبي - ﷺ - نهى عنه.
[ ٤٨ ]
ومع رسول الله - ﷺ - الحاج، وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا، فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق.
وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله - ﷺ -.
حديث ثامن:
قال الشافعي الإمام ﵀:
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خالٍ له - إن شاء الله - يقال له يزيد بن شيبان قال: كنا بموقف لنا بعرفة، - يباعده عمرو من موقف الإمام جدًا - فأتا ابن مربع الأنصاري - فقال لنا: أنا رسول رسول الله إليكم، يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم.
حديث تاسع:
قال الشافعي الإمام ﵀:
وبعث رسول الله - ﷺ - أبا بكر واليًا على الحج في سنة تسع، وحضر الحج كثيرون من بلدان مختلفة وشعوب متفرقة، فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله - ﷺ - بما لهم وما عليهم، وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ
[ ٤٩ ]
إلى قوم على سواء، وجعل لهم مُددًا، ونهاهم عن أمور.
قال الإمام:
فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان مَنْ جَهِلَهُما - أو أحدهما - من الحاج، وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما.
ولم يكن رسول الله - ﷺ - ليبعث إلا واحدًا الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله.
حديث عاشر وحادي عشر. . .
قال الإمام الشافعي ﵀:
وقد فرق النبي - ﷺ - عمالًا على نواحي، عرفنا أسماءهم والمواضع التي فرقهم عليهما:
فبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وابن نويرة، كلًا إلى عشيرته بعلمهم بصدقهم عندهم.
وقدم عليهم وفد البحرين، فعرفوا من معه، فبعث معهم ابن سعيد بن العاص.
وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه، ويعلمهم ما فرض الله عليهم. . . . ".
إلى آخر ما ذكره الشافعي ﵀ مما يطول ذكره.
[ ٥٠ ]
وإن في هذا الذي أوردناه من الحجة والدلالة، ما يقنع به، من كان له لب، ومارس شيئًا من العلم، وتعلم كيف تنتصب الأدلة، ويقوم عماد البرهان.
فلنطو هذه الطومار إلى غيرها.
[ ٥١ ]