على وجوب العمل بخبر الآحاد إلا من شذ
وقبل الشروع في بيان أعدادهم وتقسيماتهم، وأدلة إثباتهم ونفيهم، فالواجب معرفته أننا نعني هنا بالاحتجاج في مسائل التعبد وإثبات السنن، بخلاف ما يسوقه المتكلمون من مسألة إفادة العلم اليقيني من خبر الآحاد، وبخلاف ما يسوقه بعض المصنفين في العقائد من الاحتجاج به في العقيدة، وغيرها من المسائل، فتلك أشياء أخرى قد اختلفوا فيها واتفقوا، في ما يحتاج غير هذا الموضع لبيانه، وبسطه على النحو المرضي، وإنما القول عندنا هنا عن الاحتجاج فيما يستدل به الفقهاء على الأحكام الشرعية في إثبات الدلالات وإقامة الحجج والبراهين على انتصاب مسائل الحلال والحرام، والسنة والبدعة، وبنحوها مما هو ليس من جنس تلك المسائل الطويلة العريضة في المبنى، والتي إنما هي من عمل فئة قليلة من أهل العلم فضلًا عن المتعلمين.
قال الشوكاني ﵀ في الإرشاد:
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد، وأنه وقع التعبّد به. وقال القاشاني والرافضة وابن داود، لا يجب العمل به، وحكاه
[ ١٣ ]
الماوردي عن الأصم وابن علية وقال: إنهما قالا: لا يقبل خبر الواحد في السنن والديانات، ويقبل في غيره من أدلة الشرع، وحكى الجويني في "شرح الرسالة" عن هشام والنظام أنه لا يقبل خبر الواحد، إلا بعد قرينة تنضم إليه وهو علم الضرورة بأن يخلق الله في قلبه ضرورة الصدق. قال: وإليه ذهب أبو الحسين اللبان الفرضي، قال بعد حكاية هذا عنه:
فإن تاب فالله يرحمه، وإلا فهي مسألة التكفير لأنه إجماع، فمن أنكره يكفر، انتهى.
قلت: وهذا الذي قاله هو أو نقله عن غيره فيه أمور:
أولها: أن من ذكر أسمائهم لا يكاد يعتد بأحد منهم أصلًا - أعني الثلاثة الأول - فإن القاشاني وابن داود ليسا ممن يخرق بخلافهم الإجماع، لكونهما ليسا من أئمة هذا الشأن أصلًا ولم يقع على قول أحد منهما التعويل في مسألة من مسائل الأصول أصلًا، ثم لم يأتيا كما سيأتي على حجة تذكر، ولذلك فكأن الجويني ﵀ رأى هذا المذهب، فذكر كما تقدم استكمال الإجماع، وحذر من مسألة التكفير في نقض الإجماع، لكن على ما سيأتي في خامسها.
وثانيها: إطلاقه القول في رفض الرافضة للاحتجاج به، وهو مردود، فإنه قول طائفة من الرافضة قليلة كما حكاه غير واحد منهم، كالكاظمي في " العناوين "، والجيلاني في " القوانين "، والحيدري في " أصول الاستنباط ". فلم ينسبوه لسائر الرافضة.
لكن ربما عنى الشوكاني فيه معنى آخر، فأخذه من أنهم لا يعتمدون
[ ١٤ ]
في المسائل إلا قول طائفة من العلماء عندهم، ولو كان الخبر خلاف مسائلهم، فهو خاص مردود، لأن هذه الطائفة عندهم قبلت خبر الواحد فيما حكاه أهل التصنيف عنهم.
وثالثها: أننا لا نعبأ بخلاف الرافضة أصلًا، وبيننا وبين القول بقواعدهم وأصولهم، التي حرروها مفاوز ما أظنها تتجاوز.
ورابعها: أن قول هشام والنظام لا يعتبر نفيًا للقول بحجة خبر الآحاد، وإنما هو زيادة شرط منهما حتى يقبل الخبر.
وإنما كان وجه الإنكار عليهما الاتساع في وضع هذا الشرط الذي ينال كل حديث مهما بلغت صحته وارتفع قبوله، بخلاف غيرهما من الفقهاء الذين اشترطوا شروطًا أخرى في أشياء مخصوصة، كالتي شرطها الحنفية كما سيأتي، وبخلاف اشتراط طائفة من المحدثين أشياء أخرى مبسوطة في كتب المصطلح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وبيان الشروط الصحيحة منها والفاسدة.
وخامسها: في بيان الإجماع الذي حكاه الجويني، فإن المراد به إما الصحابة، وإما مَن بعدهم، وقد قدمنا أن من لا يعبأ بخلاف من خالف لا يتوانى عن ذكر الإجماع في المسألة، وعلى عدم اعتبار المشترطين من القائلين بالنفي. وأنها مسألة إجماع من العلماء، وذلك بعد الارتفاع عن مسألة نفي العلم أو العلم بالنفي التي يثيرها المتكلمون.
وأما إن كان المراد إجماع الصحابة على ذلك، فهذا نقله غير واحد من العلماء وحكاه عنهم، بل وجعله من أدلة القول على العمل بخبر الواحد، لأنه يكون دليلًا لا يقبل الرد عند سائر من يعتبر إجماع الصحابة، ولا يجيز مخالفتهم.
كما سيأتي بيان هذه المسألة عند دليل الإجماع على صحة قبول خبر الواحد.
[ ١٥ ]
وقد قال الإمام الشافعي في الرسالة:
" لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد ".
يعني في العمل به.
[ ١٦ ]