أ - الأول: توقف النبي - ﷺ - عن قبول خبر ذي اليدين في أنه - ﷺ - صلى ركعتين فقط، وهو يظن - ﷺ - أنه صلى أربعًا.
وقد رد الأصوليون هذه الدعوى من أوجه متعددة، وأقوى الردود عليها، لم أر أحدًا منهم ذكره.
وهو:
إن هذا الحديث حجة لنا في قبول خبر الواحد، لا علينا، وذلك أنه - ﷺ - قد صلّى فيما يحسب أنه صلى أربعًا.
وأقل هذا الحسب منه - ﷺ -، أو من غيره، إنما هو بمقام الرواية الواحدة، التي تفيد أن الركعات كانت أربعًا، - ومحل ذلك على القطع حيث لا شك في كونها أربعًا عند من صلاها - فإذا أخبرك مخبر بأنك صليت اثنتين، كان بمثابة روايتين متضادتين، والشرع والعقل يقضي في مثل هذا الموضع الترجيح، وله أحوال:
الأول: إلغاء أحد الخبرين، وإعمال الآخر من غير دليل، ولا برهان. والثاني: انضمام قرينة أو شاهد آخر لأحد الخبرين ليكون أقوى من مضادِّه فيعمل به.
[ ٥٢ ]
والأول باطل.
أما الثاني فهو الذي عمل به النبي - ﷺ -، فدل على أنه أقام شهادة ذي اليدين بمقام عمله هو - ﷺ -، فهل يكون أبلغ من هذا الاحتجاج.
ثم إنه - ﷺ - لما سأل أصحابه، فأخبروه خبر ذي اليدين، خلاف ما كان يظن أنه فعل، فترجح عنده أحد الخبرين على الآخر فعمل به.
ولو أنه - ﷺ - أبطل خبر ذي اليدين، ولم يره حجة، ولا ينتهض به دليل، لما جعله مساويًا لما عرفه هو - ﷺ -، وطلب الترجيح. والله أعلم.
ب - الثاني: ردُّ عمر بن الخطاب ﵁ خبر أبي موسى الأشعري أن الاستئذان ثلاث، حتى شهد له بذلك أبو سعيد، ﵃.
والجواب عنه كالأول، وذلك أن عمر ﵁ كان كثير الدخول والاستئذان على رسول الله - ﷺ -، نحوًا من عشرين سنة، وهو في كل هذا لم يسمع خبر أبي موسى، فكان استقر عنده بما لا شك - خاصة فيمن عاش مدته تلك، ودخل مداخله - أن الاستئذان ليس فيه هذا الشرط، من وجوب الرجوع بعد الثلاث.
فلما سمع خبر أبي موسى، تناقض عنده الأمران، خبره هو وخبر أبي موسى، فاستعان بمرجح لأحد الخبرين، فقام بذلك أبو سعيد، بل وغيره كما في السياق، فترجح خبر أبي موسى على ما علم عمر. سيما وقد وقع في لفظ للموطأ: " أما إني لم أتهمك ".
[ ٥٣ ]
والذي يؤكد هذا الذي قضينا به، أن سائر الأخبار التي جاءت عن عمر قد رجع فيها القول بخبر الواحد دون إشهاد عليه من غيره، وذلك لأنه لم يكني له فيه خبر سمعه، أو علم ما قام مقام الخبر.
وكذا ما لو خالف الخبر رأيه المستنبط، فإن عمر ﵁ لم يطلب دليلًا على صحة الخبر من غيره، ما دام صدق ناقله.
ومن أخبار عمر ﵁ في الرجوع لخبر الواحد والعمل به على مثل ما وصفنا حوادث:
أولها: أن عمر ﵁ كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى أخبره الضحاك بن سفيان، أن رسول الله - ﷺ - كتب إليه، أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته. فرجع إليه عمر.
ثانيها: أن عمر ﵁ قال:
أذكر الله امرءًا سمع من النبي - ﷺ - في الجنين شيئا؟.
فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال:
كنت بين جارتين لي - يعني ضرتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله - ﷺ - بغرَّة عبد.
[ ٥٤ ]
فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.
وفي رواية أخرى: " إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا ".
وقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ تذييلًا على الحديثين هذين الآخرين في " اختلاف الحديث " ليس يكون أحسن منه فقال: وفي كل هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد، إذا كان صادقًا من أخبره، ولو جاز لأحد رد هذا بحال جاز لعمر بن الخطاب أن يقول للضحّاك: " أنت رجل من أهل نجد ".
ولقال لحمل بن النابغة:
[ ٥٥ ]
" أنت رجل من أهل تهامة ".
وأنتما لم تريا رسول الله - ﷺ - ولم تصحباه إلا قليلًا.
ولم أزل معه ومن معي من المهاجرين والأنصار، فكيف غرب هذا عن جماعتنا وعلمته أنت. وأنت واحد يمكن فيك أن تغلط وتنسى.
بل رأى الحق اتباعه، والرجوع عن رأيه، في ترك توريث المرأة من دية زوجها، وقضى في الجنين بما أعلم من حضر أنه لو لم يسمع عن النبي - ﷺ - شيئًا قضى فيه بغيره.
ولكن الله تعبَّده والخلق بما شاء، على لسان نبيه - ﷺ -، فلم يكن له ولا لأحد إدخال: " لِمَ " ولا " كيف " ولا شيئًا من الرأي، على الخبر عن رسول الله - ﷺ -، ولا رده على من يعرفه بالصدق في نفسه، وإن كان واحدًا ".
ثالثها: أن عمر ﵁ رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف في طاعون عمواس.
رابعها: أن عمر ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب ".
[ ٥٦ ]
وخامسها: أن عمر ﵁ لم يأخذ الجزية من المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي - ﷺ - أخذها من مجوس هجر، وأشياء أخرى عن عمر يطول ذكرها.
ج - الثالث: رد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس.
والجواب عنه كالجواب عن سابقيه، وأنه حجة لنا في قبول خبر الواحد، لا علينا، يدل على ذلك لفظ الحديث عند الشيخين فعندهما: أن الشعبي حدّث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله - ﷺ - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود بن يزيد كفًا من حصى، فحصبه به، وقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟!
قال عمر ﵁: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت".
[ ٥٧ ]
ففي قول عمر هذا ﵁، بيان واضح في قبوله خبر الآحاد، لأنه لم يعلل عدم أخذه بالحديث لأنه من رواية الآحاد، بل أعله بأنه شك في قدرتها على الضبط وحفظها، وهذا قول كل من يحتج بخبر الآحاد، فإن الشك في حفظ الراوي مع القطع بصدقه، يمنع وجوب العمل بالحديث المروي، وما زال أهل العلم بالحديث يعلّون الحديث أو يضعفونه بقولهم: " فيه فلان سيّء الحفظ " أو " تغير بآخره " أو " ربما تلقن " أو " في حفظه شيء " أو " ليس بالمتقن " أو نحو هذا العبارات التي تعلم بققة ضبط الناقل للخبر.
ولم يرد عمر الخبر لأنه من رواية الآحاد كما هو بين.
ثم عارضه عنده سنة، وخبر متواتر يشهد له عموم القرآن، فدل على هذا الذي حكيناه من العمل بترجيح أحد الخبرين على الآخر.
فسبحان الله، وكيف يقال: رد عمر خبر الواحد، مع ما قرعنا به أسماع النافين من روايات القبول عنه له.
وهذه الثلاثة التي ذكرناها هي أقوى ما استدل به أصحاب دعوى ترك الاحتجاج بخبر الواحد قد أبطلناها، وما دونها أوهى منها بكثير، وظاهرة الفساد والبطلان.
وقد ذكر منها أشياء الرازي في " المحصول " وغيره، فمن شاء فلينظرها.
[ ٥٨ ]
٣ - ثالثها: القياس:
قال الرازي في " المحصول ".
" لو وجب في خبر الواحد أن لا يقبل، لما كان كون خبر الفاسق غير مقبول معلّلًا بكونه فاسقًا، لكنه معلّل به، فلم يجب في خبر الواحد أن لا يقبل، فإذا لم يجب أن لا يقبل، جاز قبوله في الجملة، وهو المقصود " انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره مردود.
وذلك أن الذي لا يجوز أن يرد في الجملة، جاز أن يرد في الانفراد بخلاف هذا الذي زعمه.
فالشاهد الواحد في الزنى مردود الشهادة عند تفرده، ما لم يكن زوجًا ولاعن، وهو بعينه مقبول في الجملة مع ثلاثة مثله.
وكذا القول في كل أنواع الشهادات التي يشترط فيها العدد، وحتى في تلك التي يمكن أن يقوم اليمين فيها مقام الشاهد.
لكن الصواب في هذا أن يقع القياس على إرساله الآحاد إلى الآفاق مبلغين عنه في الجملة، بل ويمكن القياس على الرسالة نفسها له - ﷺ -، وللأنبياء من قبله، فإن القبول في الأخذ عن الرسل لا يشترط فيه إلا صدق النبي - ﷺ - فيما يبلغ عن ربه، سواء ظهر منه ما يؤكد نبوته من إخباره بالمغيبات، وقيامه بالمعجزات أم لا.
ولذلك أسلمت خديجة ﵂، وأبو بكر وعلي رضي الله
[ ٥٩ ]
عنهما، ولم يكونوا عهدوا من رسول الله - ﷺ - شيئًا من معجزاته ودلائل نبوته إلا الصدق وصالح السيرة التي عرفوه بها - ﷺ -، وكذا سائر من أسلم ممن هو مثلهم. ﵃ أجمعين.
[ ٦٠ ]
٤ - رابعها: الإجماع:
قال الشوكاني: " واستدلوا من الإجماع بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحد، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكره أحد، ولو أنكره منكر لنقل إلينا، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح ".
قال ابن دقيق العيد: ومن تتبع أخبار النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعًا ". انتهى.
وقد أجاب الرازي عن هذه الطائفة اليسيرة التي عناها الشوكاني، وهو لا يعني بذلك شرح كلام الشوكاني قطعًا لأنه توفي قبل مولده بسنين فقال: " فأما قول المرتضى: إن النظام وجمعًا من شيوخ المعتزلة والقاشاني والإمامية ينكرون ذلك ويقسمون بالله: " إنهم لا يجدون علمًا ولا ظنًا ".
قلنا: رواية المذاهب لا تجوز بالتشهي واليمين، والنظام ما أنكر ذلك، بل سلّم - يعني بإجماع الصحابة - إلا أنه قال: " إجماع الصحابة ليس بحجة ". . .
وأما الإمامية فالإخباريون منهم - مع كثرة الشيعة في قديم الزمان - ما كانت إلا منهم فهم لا يعوّلون في أصول الدين فضلًا عن فروعه إلا على الأخبار التي يروونها عن أئمتهم.
[ ٦١ ]
وأما الأصوليون، فأبو جعفر الطوسي وافقنا على ذلك، فلم يبق من فيه ينكر العلم هذا إلا المرتضى، مع قليل من أتباعه.
فلا يستجعد اتفاق مثل هذا الجمع على المكابرة في الضروريات.
ومما يحقق ذلك أنه قال: " إنهم يقسمون بالله على أنهم لا يعلمون، بل ولا يظنون ".
ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الروايات، وإن تقاصرت على العلم إلا أنها ما تقاصرت عن الظن، فعلمنا أن غرض المرتضى مما ذكر محض المكابرة ". انتهى.
قلت: فقد رأى غير واحد من القائلين بصحة دليل الإجماع في هذه المسألة وقيامه وحصوله أنه حاصل من هذا الباب المتقدم، وهو عدم معرفة مخالف من الصحابة في ذلك، فقرروه بمسألة نفي الضد.
ورأى غير واحد منهم أن المسألة مقررة بما جاء يوم سقيفة بني ساعدة، لما احتج أبو بكر ﵁ على الأنصار بقوله ﵊: " الأئمة من قريش " مع أنه مخصص لعموم قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) " فقبلوه، ولم ينكر عليه أحد، فإن كتب السيرة قد تظاهرت بهذا الخبر.
ولم يقل له أحد: كيف تحتج علينا بخبر لا نقطع بصحته.
فلما لم يقل أحد منهم ذلك، علمنا أن ذلك كان كالأصل المقرر عندهم.
وعلى الجملة فكما قال الشوكاني: " ولم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به،
[ ٦٢ ]
ومن تتبع عمل الصحابة وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط ".
وإذا وقع في بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد، من ريبة في الصحة أو تهمة في الراوي، أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك ".
وهذا آخر ما أردنا حكايته والحمد لله.
[ ٦٣ ]