الْخَبَر الْمَشْهُور: أَنه ﵊ دُعِي إِلَى دارٍ فَأجَاب، ودعي إِلَى دَار أُخرى فَلم يجب، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: «إنَّ فِي دَار فلَان كَلْبا» . فَقيل: وَفِي دَار فلَان هرَّة، فَقَالَ: «الهرَّة لَيست بِنَجِسة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «مُسْنده»، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ»، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا»، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يَأْتِي دَار قوم من الْأَنْصَار، ودونهم دَار لَا يَأْتِيهَا، فشقَّ ذَلِك عَلَيْهِم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! تَأتي دَار فلَان، وَلَا تَأتي دَارنَا؟ ! فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: «إنَّ فِي (داركم)
[ ١ / ٤٤٥ ]
كَلْبا» قَالُوا: فإنَّ فِي دَارهم سنورًا. فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: «السنور سبع» .
هَذَا لَفظهمْ، وَإِسْنَاده صَحِيح، كل رِجَاله ثِقَات، إلاَّ عِيسَى بن الْمسيب، فَفِيهِ مقَال.
وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ فِي «الإِمام»، وَالْمُنْذِرِي فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب»: إِن إِسْنَاده صَحِيح إِلَيْهِ. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَعِيسَى بن الْمسيب تفرد بِهِ عَن أبي زرْعَة، قَالَ: وَهُوَ صَدُوق وَلم يجرح قطّ. كَذَا قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَهَذَا من أعجب الْعجب، فقد تكلم جماعات. قَالَ يَحْيَى بن معِين، و(النَّسَائِيّ): ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ضَعِيف. وَقَالَ الرازيان: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: يقلب الْأَخْبَار وَلَا يعلم، ويخطئ وَلَا يفهم، حتَّى خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا مَن هُوَ مثله، أَو دونه. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله»: سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لم يرفعهُ أَبُو نعيم، وَهُوَ أصح، وَعِيسَى لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ اخْتِلَاف فِيهِ، فَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الضُّعَفَاء» عَنهُ أَنه قَالَ: هُوَ ضَعِيف. وَنقل الْبَيْهَقِيّ، وَالْمُنْذِرِي، وَصَاحب «الإِمام»
[ ١ / ٤٤٦ ]
عَنهُ أَنه قَالَ: صَالح الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَأَيْته فِي «سنَنه» عقب هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي: قَالَ ابْن عدي: عِيسَى بن الْمسيب صَالح فِيمَا يرويهِ.
وضَعَّفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة» بِسَبَبِهِ، وَقَالَ: إنَّه حَدِيث لَا يَصح.
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي «شرح التِّرْمِذِيّ»: أشكل مَعْنَى هَذَا الحَدِيث - إنْ صحّ - وَقَالَ بَعضهم: سقط مِنْهُ، وَتَمَامه: «الْهِرَّة لَيست بِسبع» . قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَلَيْسَ (كَذَلِك)، بل هِيَ سبع، والْحَدِيث تَامّ، وَالْمعْنَى فِيهِ: أَن الْهِرَّة سبع ذَات نَاب، ينْتَفع بهَا، وَالْكَلب لَا مَنْفَعَة فِيهِ.
وَمن الْعَجَائِب: أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - ﵀ - بَيَّضَ لهَذَا الحَدِيث بَيَاضًا فِي «شرح الْمُهَذّب» وَلم يعزه لأحد، وَهُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَذْكُورَة، وَتَابعه الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة فِي «الْمطلب»، وَزَاد - لأجل أَنه لم يعزه -: إِنَّه غير مَشْهُور.
وَاعْلَم: أَن الإِمام الرَّافِعِيّ لم يُورد هَذَا الحَدِيث كَمَا سردته لَك، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيَوَانَات طَاهِرَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثَة، أَحدهَا: الْكَلْب، لقَوْله ﵇ فِي الحَدِيث الْمَشْهُور: «إِنَّهَا لَيست بنجسة» . قَالَ: وَوجه الِاسْتِدْلَال مَشْهُور. فأفصحت لَك بِهِ، وَإِيَّاك أَن تَقول: مُرَاده حَدِيث أبي قَتَادَة الْآتِي، فَإِن الْكَلْب لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ، (فَافْهَم ذَلِك) .
[ ١ / ٤٤٧ ]
وإنْ كَانَ ذَلِك وَقع فِي كتب أهل الْأُصُول فِي كَلَامهم عَلَى الْأَسْمَاء.