«أنَّ أَعْرَابِيًا بَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: صُبّوا عَلَيْه ذنوبًا مِنْ مَاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، مرويّ من طَرِيقين صَحِيحَيْنِ، لَا مطْعن لأحد فيهمَا:
[ ١ / ٥٢٤ ]
أَحدهمَا: عَن أنس ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحن فِي الْمَسْجِد مَعَ رَسُول الله - ﷺ - إِذْ جَاءَ أَعْرَابِي، فَقَامَ يَبُول فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله - ﷺ -: مَه مَه، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: لَا تُزْرِمُوه دَعوه. فَتَرَكُوهُ حتَّى بَال، ثمَّ إنَّ رَسُول الله - ﷺ - دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ هَذِه الْمَسَاجِد لَا تصلح لشَيْء من هَذَا الْبَوْل وَلَا (القذر)، إنَّما هِيَ لذكر الله - ﷿ - وَالصَّلَاة، وَقِرَاءَة الْقُرْآن - أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله - ﷺ - فَأَمَرَ رجلا من الْقَوْم، فجَاء بِدَلْو من مَاء، فشنَّه عَلَيْهِ» .
رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا»، وَاللَّفْظ لمُسلم.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد فَبَال، فتناوله النَّاس، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: دَعوه (وهريقوا) عَلَى بَوْله سَجْلًا من مَاء - أَو ذَنُوبًا من مَاء - فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، وَلم تُبعَثوا معسرين» .
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ.
وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» عَنهُ: «دخل أَعْرَابِي الْمَسْجِد، وَرَسُول الله جَالس، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي ولمحمد، وَلَا تغْفر لأحد مَعنا. فَقَالَ
[ ١ / ٥٢٥ ]
﵇: لقد (احتظرت) وَاسِعًا. ثمَّ تنحَّى الْأَعرَابِي فَبَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد. فَقَالَ (الْأَعرَابِي بعد أَن فَقِهَ الإِسلام: إنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ لَهُ: إِن هَذَا الْمَسْجِد) إِنَّمَا هُوَ لِذِكْر الله، وَالصَّلَاة وَلَا يُبَال فِيهِ. ثمَّ دَعَا بسجل من مَاء، فأفرغه عَلَيْهِ» .
(و) اعْلَم: أنَّ الإِمام الرَّافِعِيّ لمَّا نَقَل عَن أبي حنيفَة: أَن الأَرْض لَا تطهر حتَّى تُحْفَر إِلَى الْموضع (الَّذِي) وصلت إِلَيْهِ النداوة، وينقل التُّرَاب. قَالَ: لنا هَذَا الحَدِيث. ثمَّ قَالَ إثره: وَلم يَأْمر بِنَقْل التُّرَاب. انْتَهَى.
وَقد رُوِيَ الْأَمر بذلك من طرق، (لَكِنَّهَا) مُتَكَلم فِيهَا:
أَحدهَا: عَن عبد الله بن معقل بن مقرن ﵁ قَالَ: «قَامَ أَعْرَابِي إِلَى زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد، [فانكشف]، فَبَال فِيهَا، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: خُذُوا مَا بَال عَلَيْهِ من التُّرَاب فألقوه، وأهريقوا عَلَى مَكَانَهُ مَاء» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمَا» . قَالَا: وَعبد الله بن معقل تَابِعِيّ، وَهُوَ مُرْسل. قَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ الإِمام أَحْمد: هَذَا حَدِيث مُنكر. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقد رُوي مَرْفُوعا وَلَا يصحّ.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي (وَائِل)، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: (جَاءَ أَعْرَابِي فَبَال فِي الْمَسْجِد، فَأمر رَسُول الله - ﷺ - بمكانه فاحتُفر، وصُبَّ عَلَيْهِ دلو من مَاء، فَقَالَ الْأَعرَابِي: يَا رَسُول الله، الْمَرْء يحب الْقَوْم و(لمَّا) يعْمل (عَمَلهم) . فقَالَ ﵇: الْمَرْء مَعَ من أحب» .
رَوَاهُ (الدَّارَقُطْنِيّ) فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد فِيهِ ضعيفان: أَحدهمَا: سمْعَان بن مَالك، قَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. الثَّانِي: أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي، قَالَ البُخَارِيّ: رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ عَلَى ضعفه.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث أصل. وَقَالَ ابو زرْعَة: مُنكر.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أنس ﵁ «أَن أَعْرَابِيًا بَال فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: احفروا مَكَانَهُ، ثمَّ صبوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا من مَاء» .
رَوَاهُ ابْن صاعد، عَن عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن أنس.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله»: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وهم عبد الْجَبَّار
[ ١ / ٥٢٧ ]
عَلَى ابْن عُيَيْنَة؛ لِأَن أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة الحفَّاظ رَوَوْهُ عَنهُ، عَن يَحْيَى بن سعيد، فَلم يذكر أحد مِنْهُم «الْحفر» وإنَّما رَوَى ابْن عُيَيْنَة هَذَا عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «احفروا مَكَانَهُ» مُرْسلا، فاختلط عَلَى عبد الْجَبَّار المتنان.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام»: عبد الْجَبَّار هَذَا هُوَ ابْن الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار أَبُو بكر [الْعَطَّار] الْبَصْرِيّ، أخرج لَهُ مُسلم وَابْن خُزَيْمَة، وَرَوَى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مكي صَالح. وَقَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: شيخ. وَسُئِلَ عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل، فَقَالَ: رَأَيْته (عِنْد) ابْن عُيَيْنَة حسن الْأَخْذ.
الطَّرِيق (الرَّابِع): عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُول الله - ﷺ - فَدخل أَعْرَابِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدًا، وَلَا ترحم مَعنا أحدا. فَقَالَ لَهُ: وَيحك - أَو وَيلك - لقد حظرت وَاسِعًا. ثمَّ تَنَحَّى الْأَعرَابِي فَبَال قَائِما، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: دَعوه حتَّى يَفْرُغَ من مباله. ثمَّ دَعَا رَسُول الله - ﷺ - بِسَجْلٍ من مَاء فَصَبَّه عَلَيْهِ» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه»، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه»، وَفِي
[ ١ / ٥٢٨ ]
إِسْنَاده عبيد الله بن أبي حُميد الْهُذلِيّ، وَهُوَ ضَعِيف، سُئِلَ عَنهُ الإِمام أَحْمد فَقَالَ: تُرِكَ حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ مُنكر الحَدِيث، (ضَعِيف الحَدِيث) . وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
(إِذا) عرفت طرق هَذَا الحَدِيث، فلنعد إِلَى تَبْيِين مَا وَقع (فِيهِ) من الْغَرِيب، فَنَقُول:
قَوْله ﵇: «لَا تُزْرِموه» هُوَ: بِضَم التَّاء، وَإِسْكَان الزَّاي الْمُعْجَمَة، بعْدهَا رَاء مُهْملَة مَكْسُورَة، وَمَعْنَاهُ: لَا (تقطعوه) . والإِزرام: (الْقطع) .
و«الدَّلْو» فِيهِ لُغَتَانِ: التَّذْكِير، والتأنيث.
و«الذَّنوب» بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة: الدَّلْو إِذا كَانَت الدَّلْو ملأى، قَالَ ابْن سِيده فِي «الْمُحكم»: الذَّنُوب: الدَّلْو فِيهَا مَاء. وَقيل: الذُّنُوب: الدَّلْو الَّذِي يكون المَاء دون ملئها. وَقيل: هِيَ الدَّلْو الملأى. وَقيل: هِيَ الدَّلْو مَا كَانَت. كل ذَلِك مُذَكّر عِنْد اللحياني. (قَالَ): وَقد (يؤنث) الذُّنُوب.
و«السَّجْل» بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة، وبالجيم الساكنة: الدَّلْو الْكَبِيرَة إِذا كَانَ فِيهَا مَاء، قَلَّ أَو كثر، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهُوَ مُذَكّر، وَلَا يُقَال: سجل إِذا لم يكن فِيهِ مَاء.
[ ١ / ٥٢٩ ]
و«مَه» كلمة زجر، وَيُقَال: «بِهِ» بِالْبَاء أَيْضا، وَهُوَ اسْم مَبْنِيّ عَلَى السّكُون، مَعْنَاهُ: اسْكُتْ. قَالَ صَاحب «الْمطَالع»: أَصْلهَا: مَا هَذَا، ثمَّ حذفت تَخْفِيفًا. قَالَ: وَقَالَ يَعْقُوب: هِيَ لتعظيم الْأَمر كبخٍ بخ. وَقد تنوَّن مَعَ الْكسر، ويُنَوَّن الأول ويُكسر الثَّانِي بِغَيْر تَنْوِين.
وَقَوله: «فَشَنَّه عَلَيْهِ» يُروى بالشين الْمُعْجَمَة، والمهملة، وَمَعْنَاهُ: صَبَّه. وفرَّق بعض الْعلمَاء بَينهمَا، فَقَالَ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ: الصب فِي سهولة، وبالمعجمة: التَّفْرِيق فِي صبه.
فَائِدَة مهمة يُرحل إِلَيْهَا:
وَهِي أَن الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد، مَا اسْمه؟ وليُعْلَم أَنه ذُو الْخوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ، كَذَا سَاقه بِإِسْنَادِهِ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة»، وَلَا أعلم أحدا ذكره فِي المبهمات، وَهُوَ أحد مَا يسْتَدرك عَلَيْهِم ويُستفاد.