رَوَى النُّعْمَان بن بشير ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله - ﷺ - بِإِقَامَة الصُّفُوف. فَرَأَيْت الرجل منا يلزق مَنْكِبه بمنكب أَخِيه وكعبه بكعبه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا»، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من رِوَايَة أبي الْقَاسِم الجدلي، قَالَ: سَمِعت النُّعْمَان بن بشير ﵁ يَقُول: «أقبل رَسُول الله - ﷺ - عَلَى النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ - ثَلاَثًا - وَاللهِ (لَتُسَوُّنَّ) صُفُوَفكُمْ اَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» . قَالَ: فَرَأَيْت الرجل يلزق كَعبه بكعب صَاحبه (وركبته بركبة صَاحبه) ومنكبه بمنكبه» .
وَذكره ابْن السكن أَيْضا (فِي صحاحه) .
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه) تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم، فَقَالَ فِي (أَبْوَاب) تَسْوِيَة الصّفوف: وَقَالَ النُّعْمَان بن بشير: رَأَيْت الرجل منا
[ ١ / ٦٧٨ ]
يلصق كَعبه بكعب صَاحبه) . وتعليقات البُخَارِيّ إِذا كَانَت بِصِيغَة الْجَزْم تكون صَحِيحَة يحتجّ بهَا.
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه»، وَلَفظه: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بِيْنَ (قُلُوبِكُمْ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَقَد رَأَيْت الرجل منا يلْتَمس منْكب أَخِيه بمنكبه وركبته بركبته وَقدمه بقدمه» .
قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه»: أَبُو الْقَاسِم (الجدلي) هَذَا هُوَ (حُسَيْن) بن الْحَارِث من جديلة قيس، رَوَى عَنهُ زَكَرِيَّا وَأَبُو مَالك - يَعْنِي الْأَشْجَعِيّ - وحجاج بن أَرْطَاة، وَعَطَاء بن السَّائب، عداده فِي الْكُوفِيّين.
وَقَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه»: أَبُو الْقَاسِم هَذَا اسْمه (حُسَيْن) بن قيس من جديلة قيس، من (كبار التَّابِعين) .
وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين: (اسْم) أبي الْقَاسِم (حُسَيْن) بن الْحَارِث، وَقد سمع من النُّعْمَان بن بشير، يعد فِي الكوفيِّين.
قَالَ: وَقَالَ الْحَازِمِي: لَا أعرف لَهُ عَن النُّعْمَان حَدِيثا مُسْندًا سُوَى هَذَا الحَدِيث.
[ ١ / ٦٧٩ ]
وَاعْلَم: أَن الإِمام الرَّافِعِيّ - ﵀ - أورد هَذَا الحَدِيث محتجًا بِهِ عَلَى أَن الكعب هُوَ الْعظم الناتىء عِنْد مفصل السَّاق والقدم، رادًا عَلَى من يَقُول: إنَّه مجمع (عِنْد مفصل السّاق والقدم)، وَكَذَلِكَ ترْجم لَهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» .
وممَّا يستدلّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضا - وَهُوَ غَرِيب عَزِيز - الحَدِيث الصَّحِيح، حَدِيث طَارق الْمحَاربي قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله - ﷺ - (مر) فِي سوق ذِي الْمجَاز وَعَلِيهِ حلَّة حَمْرَاء، وَهُوَ يَقُول: أَيُّهَا النَّاسُ: قُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ الله تُفْلِحُوا، وَرجل يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ، وَقد أدْمَى (كَعبه وعرقوبه) وَهُوَ يَقُول: يَا أيّها النَّاس: لَا تطيعوه، فإنَّه كَذَّاب. فَقلت: من هَذَا؟ فَقَالُوا: إنَّه غُلَام بني عبد الْمطلب. فَقلت: من هَذَا الَّذِي يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ؟ فَقَالُوا: عبد الْعُزَّى أَبُو لَهب» .
اسْتدلَّ بذلك إِمَام الأئمَّة أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» . عَلَى أَن الكعب مَا قدمْنَاهُ، من حَيْثُ أَن الرَّمية إِذا (جَاءَت) من وَرَاء (المرمى) لَا تصيب ظهر الْقدَم، إِذا السَّاق مَانع أَن تصيب الرَّمية ظهر الْقدَم.
وَاسْتدلَّ لذَلِك ابْن خُزَيْمَة أَيْضا فِي «صَحِيحه» - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِكَ
[ ١ / ٦٨٠ ]
ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا - بِحَدِيث حمْرَان «أَن عُثْمَان ﵁ دَعَا يَوْمًا بِوضُوء »، فَذكر الحَدِيث فِي صفة وضوء رَسُول الله - ﷺ - إِلَى أَن قَالَ: «ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاث مَرَّات، واليسرى مثل ذَلِكَ» .
قَالَ ابْن خُزَيْمَة: فِيهِ دلَالَة عَلَى أَن الْكَعْبَيْنِ هما العظمان الناتئان فِي جَانِبي الْقدَم. إِذْ لَو كَانَ الْعظم الناتئ عَلَى ظهر الْقدَم لَكَانَ للرجل الْيُمْنَى كَعْب لَا كعبان.