أَن رَسُول الله - ﷺ -، قَالَ: «أَيُّما إهَاب دبغ فقد طَهر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، يُروى من طرق:
أَحدهَا: رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم»، وَفِي «مُسْنده»، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن زيد بن أسلم، عَن عبد الرَّحْمَن بن (وَعلة)، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله - ﷺ - يَقُول » فَذكره بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف سَوَاء.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه»، عَن قُتَيْبَة، عَن سُفْيَان بِهِ
[ ١ / ٥٨٤ ]
سَوَاء، ثمَّ قَالَ: «هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح» . وصحَّحه ابْن حبَان أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. وَرَوَاهُ مُسلم، عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَمْرو النَّاقِد، عَن سُفْيَان بِهِ، وَلَفظه: «إِذا دُبِغ الإِهاب فقد طهر» . وَلم يخرج البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» هَذَا (الحَدِيث) .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «شرح الإِلمام»: لَيْسَ تظهر لنا الْعلَّة فِي تَركه إلاَّ التوهُّم (فِي) أَن يكون ابْن وَعلة عِنْد البُخَارِيّ لم يبلغ الرُّتْبَة الَّتِي يَعْتَبِرهَا، وَلَيْسَ يُعلم فِي ابْن وَعلة مطْعن، وَهُوَ: عبد الرَّحْمَن بن (السميفع) بن وَعلة (السبائي)، وَقد رَوَى عَنهُ: أَبُو الْخَيْر مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي، وَيَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَزيد بن أسلم، فقد ارْتَفَعت الْجَهَالَة عَنهُ عَلَى مَا عُرِف من مَذَاهِب الْمُحدثين.
هَذَا وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو سعيد بن يُونُس فِي «تَارِيخ مصر»: أَنه كَانَ شريفًا بِمصْر فِي أَيَّامه، وَله وفادة عَلَى مُعَاوِيَة، وَصَارَ إِلَى أفريقية، وَبهَا مَسْجده، ومواليه. وَهَذِه شهرة شهيرة، عَلَى رِوَايَة الْجَمَاعَة عَنهُ، مَعَ تَخْرِيج مَالك لحديثه فِي الْمُوَطَّأ.
قُلْتُ: وَمَعَ تَوْثِيق أبي حَاتِم ابْن حبَان لَهُ، وَقَبله ابْن معِين، وَالْعجلِي، وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ. وَنقل عَن الإِمام
[ ١ / ٥٨٥ ]
(أَحْمد): أَنه ذكر (لَهُ) هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: وَمن ابْن وَعلة؟ .
وَهَذِه (الطَّرِيقَة) أولَى من (الطَّرِيقَة) الَّتِي سلكها الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، (أَعنِي): ذكر من (وَثَّقَهُ)، دون سرد تَارِيخه.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إِسْنَاده حسن.
قُلْتُ: فِي سَنَده (مُحَمَّد) بن عَقِيْل الْخُزَاعِيّ، وَلَا بَأْس بِهِ، وثَّقه النَّسَائِيّ. وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم: ثِقَة، حَدّث بحديثين، لم يُتابع عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْن حبَان فِي «ثقاته»: رُبمَا أَخطَأ، حدَّث بالعراق بِمِقْدَار عشرَة أَحَادِيث مَقْلُوبَة. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان»: وتَفَرَّد بِهَذَا الحَدِيث.
قُلْتُ: قد سَرقه (مِنْهُ) قطن بن إِبْرَاهِيم الْقشيرِي، (النَّيْسَابُورِي)، كَمَا قيل. فطالبوه (بِأَصْلِهِ)، فَأخْرج جُزْءا، وَقد كتبوه عَلَى حَاشِيَته، وَلِهَذَا ترك مُسلم الِاحْتِجَاج بحَديثه.
[ ١ / ٥٨٦ ]
الطَّرِيق (الثَّالِث): عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر» .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي «تلخيصه» .