«أَن قَبِيْعَةَ سيف رَسُول الله - ﷺ -، كَانَت من فضَّة» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة أنس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد، وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة، من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حسن غَرِيب، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن همام، عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَقد رَوَى بَعضهم عَن قَتَادَة، (عَن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: «كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - ﷺ -) من فضَّة» .
قُلْتُ: هَكَذَا (أخرجه) أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، فِي (إِحْدَى) روايتيهما، (ونصَّ) الحفَّاظ عَلَى أَن الصَّوَاب هَذِه الرِّوَايَة - أَعنِي رِوَايَة الإِرسال - فَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَالصَّوَاب: (قَتَادَة عَن سعيد مُرْسلا. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله»: إنَّ
[ ١ / ٦٣٥ ]
إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب) . وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّ أَقْوَى الْأَحَادِيث، حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ، (والباقية) ضِعَاف. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل. وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار: إِنَّمَا يُرو عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا، وَهُوَ الصَّوَاب. وَكَذَا قَالَ الدَّارمِيّ لمَّا أخرجه فِي «مُسْنده» (مُسْندًا): هِشَام الدستوَائي (خَالفه) - يَعْنِي جَرِيرًا - قَالَ: قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن، عَن رَسُول الله - ﷺ -، فَزعم النَّاس أَنه الْمَحْفُوظ. وَكَذَا (قَالَ) الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ: إِن الْمُرْسل هُوَ الصَّوَاب.
وَفِي «علل أَحْمد» قَالَ عبد الله: حَدَّثَنَي أبي، عَن عَفَّان، قَالَ: جَاءَ أَبُو جزي - واسْمه: نصر بن طريف - إِلَى جرير بن حَازِم، يشفع لإِنسان فِي حَدِيث، فَقَالَ جرير: نَا قَتَادَة، عَن أنس، قَالَ: «كَانَت (قبيعة) سيف رَسُول الله - ﷺ - من فضَّة» . قَالَ أَبُو جزي: كذب وَالله، مَا حَدَّثَنَاه قَتَادَة إلاَّ عَن سعيد بن أبي الْحسن. قَالَ أبي: وَهُوَ قَول أبي جزي.
[ ١ / ٦٣٦ ]
يَعْنِي: أصَاب وَأَخْطَأ جرير.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه»: تفرد بِهِ جرير، عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَرَوَاهُ قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا. ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الْمَحْفُوظ.
قُلْتُ: رِوَايَة جرير، أخرجهَا التِّرْمِذِيّ، وحَسَّن الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا رَوَى همام عَن قَتَادَة عَن أنس. وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة: همام وَجَرِير عَن قَتَادَة. فَظهر بِهَذَا أَن جَرِيرًا لم يتفرد بِهِ، وَلَفظه فِي هَذِه الرِّوَايَة، عَن أنس، قَالَ: «كَانَت نعل سيف رَسُول الله - ﷺ - من فضَّة، وقبيعة (سَيْفه) فضَّة، وَمَا بَين ذَلِك حلق الْفضة» .
الطَّرِيق الثَّانِي: رِوَايَة (مزيدة) (بن) جَابر الْعَبْدي العصري. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد، من حَدِيث: طَالب بن حُجَيْر، نَا هود بن عبد الله [بن] سعد، عَن جده (مزيدة) ﵁، قَالَ: «دخل النَّبِي - ﷺ -، يَوْم الْفَتْح، وَعَلَى سَيْفه ذهب وَفِضة. قَالَ طَالب: فَسَأَلته عَن الْفضة، (فَقَالَ): كَانَت قبيعة سَيْفه فضَّة» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ ابْن القَطَّان: هُوَ
[ ١ / ٦٣٧ ]
عِنْدِي ضَعِيف لَا حسن؛ لِأَن طَالبا وهودًا مَجْهُولا الْحَال، وَسُئِلَ الرازيان عَن طَالب فَقَالَا: شيخ. قَالَ الذَّهَبِيّ (فِي «الْمِيزَان»): صَدَقَ أَبُو الْحسن.
قُلْتُ: لَا، طَالب رَوَى عَنهُ (جمَاعَة)، وَذكره ابْن (حبَان) فِي «ثقاته» وَفِي «التذهيب»: (هود) بن عبد الله بن سعد، الْعَبْدي، عَن جده لأمه: (مزيدة)، ومعبد بن وهب، وَلَهُمَا صُحْبَة، وَعنهُ: طَالب بن (حُجَيْر) .
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان»: تفرَّد (بِهِ) طَالب، وَهُوَ صَالح الْأَمر - إِن شَاءَ الله - وَهَذَا مُنكر، فَمَا (علمنَا) فِي (حلية) سَيْفه (﵇) ذَهَبا.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة أبي أُمَامَة. أخرجه النَّسَائِيّ: فِي أَوَاخِر الزِّينَة واللباس، عَن عمرَان بن (يزِيد)، ثَنَا عِيسَى ين يُونُس، ثَنَا
[ ١ / ٦٣٨ ]
عُثْمَان بن حَكِيم، عَن أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ: (كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - ﷺ -، من فضَّة) .
وَهَذَا إِسْنَاد لَا ريب فِي صِحَّته، (عمرَان): قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه: لَا بَأْس بِهِ وَعِيسَى: هُوَ (السبيعِي)، أخرج لَهُ السِّتَّة، ووثَّقه أَبُو حَاتِم، وَجمع.
وَعُثْمَان: أخرج لَهُ مُسلم، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَقَالَ أَحْمد، (و) ابْن معِين: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر: هُوَ أوثق أهل الْمَدِينَة وأعبدهم.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن هِشَام بن عَمَّار، نَا مُحَمَّد بن حمير، حَدَّثَنَي أَبُو الحكم (الصيقل)، قَالَ: حَدَّثَنَي مَرْزُوق (الصيقل): «أَنه صقل سيف رَسُول الله - ﷺ - (ذَا) الفقار، وَكَانَت لَهُ قبيعة من فضَّة » الحَدِيث بِطُولِهِ.
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» كَذَلِك، وَلَا أعلم بِهَذَا السَّنَد بَأْسا.
[ ١ / ٦٣٩ ]
«القَبِيعة»: بِفَتْح الْقَاف، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، هِيَ الَّتِي تكون عَلَى رَأس قَائِم السَّيْف، وطرف مقبضه، من (فضَّة)، أَو حَدِيد.
قَالَ الشَّيْخ (زكي الدَّين): «وَقيل: مَا تَحت شاربَيْ السَّيْف، (مِمَّا) يكون فَوق الغمد. وَقيل: هِيَ التومة الَّتِي (تكون) فَوق المقبض» . قَالَ: «وَجَاز ذَلِك فِي السَّيْف لِأَنَّهُ من زِينَة الرجل وآلته، فيقاس عَلَيْهِ المنطقة، وَنَحْوهَا من أَدَاة الْفَارِس، دون أَدَاة الْفرس.