أَنه - ﷺ - قَالَ: «السِّوَاكُ مَطُهَرِةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
هَذَا الحَدِيث مَشْهُور (وَارِد) من طرق، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا سَبْعَة:
أَحدهَا، وَلَعَلَّه أشهرها: عَن عَائِشَة ﵂ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «السِّوَاكُ مطهرةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي عَتيق، قَالَ: سَمِعت أبي، قَالَ: سَمِعت عَائِشَة، فَذَكرته.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله»: الصَّحِيح أَن ابْن أبي عَتيق سَمعه من عَائِشَة وَذكر الْقَاسِم فِيهِ غير مَحْفُوظ.
[ ١ / ٦٨٤ ]
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عَبدة بن سُلَيْمَان الْكلابِي، ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عبد الله بن مُحَمَّد، قَالَ: سَمِعت عَائِشَة تَقول: فَذَكرته.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه»: أَبُو عَتيق هَذَا اسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن أبي قُحَافَة، لَهُ من رَسُول الله - ﷺ - رُؤْيَة. قَالَ: وَهَؤُلَاء (أَرْبَعَة) فِي نسق وَاحِد لَهُ كلهم رُؤْيَة من رَسُول الله - ﷺ -: أَبُو قُحَافَة وَابْنه أَبُو بكر الصّديق (وَابْنه عبد الرَّحْمَن) وَابْنه أَبُو عَتيق. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا لأحد فِي هَذِه الأمَّة (غَيرهم) .
قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِك، فعبد الله بن الزبير أمه أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق وأبوها وجدهَا، فهم أَرْبَعَة متوالدون من الصَّحابة، وَلم أرَ لأبي عَتيق رُؤْيَة وَلَا صُحْبَة، وكأنَّه كَانَ صَغِيرا جدًّا عَلَى عهد رَسُول الله - ﷺ -. لَا جرم لم يذكرهُ ابْن مَنْدَه.
(أمَّا) من رَوَى عَن رَسُول الله - ﷺ - (هُوَ) وَولده، وَولد وَلَده فهم أَرْبَعَة أخر، ذكرهم الْحَافِظ ابْن مَنْدَه أَبُو زَكَرِيَّا فِي جُزْء مُفْرد وهم: أُسَامَة بن زيد بن حَارِثَة، وحَنْظَلَة بن حذيم بن حنيفَة الْمَالِكِي، ومعن بن يزِيد بن الْأَخْنَس السّلمِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَلّي بن شَيبَان (الْحَنَفِيّ) ﵃.
[ ١ / ٦٨٥ ]
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لَا نعلم خَليفَة وَرثهُ أَبوهُ غير أبي بكر الصّديق، لأنَّه توفّي وَأَبُو قُحَافَة حَيّ فورثه.
وَرَوَاهُ الإِمام الشَّافِعِي، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن إِسْحَاق، عَن ابْن أبي عَتيق، عَن عَائِشَة.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن أبي عمر، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن مسعر، عَن ابْن إِسْحَاق، عَن عبد الله بن أبي عَتيق، عَن عَائِشَة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام»: (ورأيته) فِي مُسْند ابْن أبي عمر، كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن ابْن عُيَيْنَة.
ورويناه من «مُسْند الْحميدِي»، نَا سُفْيَان، نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق، فَصرحَ ابْن عُيَيْنَة بالسمَّاع من ابْن إِسْحَاق، فَزَالَتْ الْوَاسِطَة.
(وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» من حَدِيث دَاوُد بن الْحصين، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ) .
وَعَزاهُ غير وَاحِد إِلَى صَحِيح الإِمام أبي بكر ابْن خُزَيْمَة مِنْهُم ابْن الْأَثِير، (والمصنِّف) - أَعنِي الإِمام الرَّافِعِيّ - فِي (شرحي) الْمسند، وَابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْمُهَذّب»، وَالنَّوَوِيّ فِي
[ ١ / ٦٨٦ ]
كتبه، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابيه «الإِمام» و«الإِلمام» وَغَيرهم، قَالُوا: رَوَاهُ من حَدِيث (ابْن) عُمَيْر، عَن عَائِشَة.
وَهُوَ كَمَا قَالُوا، فقد رَأَيْته كَذَلِك فِيهِ بالقدس الشريف فِي رحلتي إِلَيْهَا.
فَأخْرجهُ من حَدِيث سُفْيَان، عَن ابْن جريج، عَن عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان، عَن عبيد بن عُمَيْر عَنْهَا، مَرْفُوعا بِهِ.
وَذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» فِي كتاب الصّيام تَعْلِيقا، فَقَالَ: وَقَالَت عَائِشَة ﵂، عَن النَّبِي - ﷺ -: «السِّوَاكُ مطهرةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» . وَهَذَا التَّعليق صَحِيح لأنَّه بِصِيغَة جزم، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح من غير شكّ وَلَا مرية، وَلَا يضرّهُ كَونه فِي بعض أسانيده ابْن إِسْحَاق كَرِوَايَة ابْن عُيَيْنَة ومسعر، فإنَّ إِسْنَاد البَاقِينَ ثَابت صَحِيح لَا مطْعن لأحد فِي رِجَاله، وَقد شهد لَهُ بذلك غير وَاحِد.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي «شرح السّنة»: هُوَ حَدِيث حسن. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب: هَذَا حَدِيث (ثَابت) . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَيْهِ أَيْضا: رجال إِسْنَاده كلهم ثِقَات. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام»: إِسْنَاده (جيد) .
[ ١ / ٦٨٧ ]
قَالَ: وَلِهَذَا أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِيمَا بَلغنِي. وَكَلَام البُخَارِيّ يشْعر بِصِحَّتِهِ فإنَّه أوردهُ بِصِيغَة الْجَزْم.
قُلْتُ: وَهَذَا الحَدِيث لم أره فِي الْمُسْتَدْرك فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من النُّسخ الشاميَّة والمصرية، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين - ﵀ - لم يجْزم بعزوه إِلَيْهِ، وإنَّما تردد فِيهِ، لكنه جزم بذلك فِي «الإِلمام» . وَقد عثر بعض شُيُوخنَا الْحفاظ، فَجزم بأنَّه فِي الْمُسْتَدْرك تقليدًا مِنْهُ، فتنبَّه لذَلِك.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ﷿» . أخرجه أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» والدّارقطني فِي «علله» وَأَبُو نعيم من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ابْن أبي عَتيق، عَن أَبِيه، عَن أبي (بكر) بِهِ.
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله»: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث، (فَقَالَا): هُوَ خطأ، إنَّما هُوَ ابْن أبي عَتيق، عَن أَبِيه، عَن
[ ١ / ٦٨٨ ]
عَائِشَة. قَالَ أَبُو زرْعَة: أَخطَأ فِيهِ حَمَّاد (وَقَالَ أبي: الْخَطَأ من حَمَّاد) أَو ابْن أبي عَتيق.
وَقَالَ الدّارقطني فِي «علله»: [يرويهِ] حَمَّاد بن سَلمَة (هَكَذَا) - يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ عَن أبي بكر مَرْفُوعا - وَخَالفهُ جمَاعَة من أهل الْحجاز وَغَيرهم، فَرَوَوْه عَن ابْن أبي عَتيق، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَهُوَ الصّواب.
قُلْتُ: وأمّا ابْن السَّكن فإنَّه ذكره فِي «صحاحه» .
الطَّرِيق الرّابع: عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مَطْيَبَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ﵎» .
رَوَاهُ الإِمام أَحْمد فِي «مُسْنده» . وَفِيه ابْن لَهِيعَة، وَسَيَأْتِي بَيَان حَاله فِي الْبَاب.
وَذكره ابْن عدي فِي «كَامِله» فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة النَّيْسَابُورِي: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن أنس بن مَالك ﵁ «أنَّ رَسُول الله - ﷺ - كَانَ يستاك وَهُوَ صَائِم وَيَقُول: هُوَ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» .
رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث هِشَام بن سُلَيْمَان، ثَنَا يزِيد الرقاشِي،
[ ١ / ٦٨٩ ]
عَن أنس بِهِ. وَيزِيد هَذَا قَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره: مَتْرُوك.
الطَّرِيق السَّادس: عَن أبي أُمَامَة ﵁ أنَّ رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «تَسَوَّكُوا فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَا جَاءنِي جِبْرِيلُ إِلاَّ أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ؛ حتَّى لَقَدْ خَشيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي، وَلَوْلا أَنِّي أَخَافُ أَنْ (أَشُقَّ) عَلَى أُمَّتِي لَفْرَضته لَهُم، وَإِنِّي لأَسْتَاكُ حتَّى لَقَدْ خَشيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادمَ فَمِي» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن ابْن هِشَام بن عمار - وَهُوَ حَافظ أخرج لَهُ البُخَارِيّ محتجًا بِهِ - عَن مُحَمَّد بن (شُعَيْب) - وَهُوَ ابْن شَابُور الدِّمَشْقِي، أخرج لَهُ الْأَرْبَعَة وَوَثَّقَهُ ابْن الْمُبَارك ودحيم. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ أثبت من بَقِيَّة وَابْن حمير - عَن عُثْمَان بن أبي العاتكة وَهُوَ الدِّمَشْقِي (الْقَاص)، ضعفه النَّسَائِيّ وَوَثَّقَهُ غَيره - عَن عَلّي بن يزِيد - وَهُوَ الْأَلْهَانِي، ضعفه جمَاعَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان»: صَالح - عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو عبد الرَّحْمَن لَقِي جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَمِنْهُم أَبُو أُمَامَة ﵁ -.
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه»، كَذَلِك من حَدِيث الْوَلِيد
[ ١ / ٦٩٠ ]
بن مُسلم عَن عُثْمَان (بِهِ) مثله إلاَّ أنَّه (قَالَ) «مطيبة»، بدل «مطهرة» .
ثمَّ أخرجه من حَدِيث سعيد بن أبي مَرْيَم، نَا يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن (عبيد الله) بن زحر، عَن عَلّي بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
وَهَذَا سَنَد واه. ثمَّ أخرجه من حَدِيث بَقِيَّة عَن إِسْحَاق بن مَالك الْحَضْرَمِيّ، عَن يَحْيَى بن الْحَارِث، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: «السَّوَاكُ مَطْيَبَةً لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
الطَّرِيق السّابع: عَن عَطاء، (عَن) ابْن عَبَّاس من قَوْله: «السَّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي «مُسْنده»، ثمَّ قَالَ: لَا نعلم حدَّث (بِهِ) عَن ابْن جريج إلاَّ الرّبيع بن بدر، وَلم يَك بِالْحَافِظِ.
(و) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن حنين، عَن أَبِيه، عَن جدِّه، عَن ابْن عَبَّاس أنَّه سمع النَّبي
[ ١ / ٦٩١ ]
(يَقُول: «السَّوَاكُ يُطَيِّبُ الْفَمْ وَيُرْضِي الرَّبَ» .
(و) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجم شُيُوخه» من حَدِيث (بَحر بن كنيز) السقاء الْمَتْرُوك، عَن جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «السَّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَمَجْلاَةٌ لِلْبَصَرِ» . وَسَيَأْتِي من طَرِيق آخر مَرْفُوعا من حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي فصل مَنَافِع جَاءَت فِي السِّواك - إِن شَاءَ الله - والاعتماد فِي (هَذِه الطّرق) عَلَى الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلين والبواقي متابعات وشواهد لَهَا.
والمطهرة: بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا، لُغَتَانِ: حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَابْن السّكيت. وَغَيرهمَا. وَالْفَتْح أفْصح. وَهِي كل مَا يتَطَهَّر بِهِ.
قَالَ ابْن السّكيت: من كسر جعلهَا آلَة، وَمن فتحهَا جعلهَا موضعا يفعل فِيهِ. شبَّه السِّوَاك (بهَا) لأنَّه ينظف الْفَم. وَالطَّهَارَة: النَّظَافَة.