عَن عَائِشَة ﵂: «أَن النَّبِي - ﷺ - نهاها عَن التشميس، وَقَالَ: إنَّه يُورِثُ البَرَص» .
هَذَا (الحَدِيث واهٍ جدًّا)، وَله أَربع طرق:
(أوَّلها): عَن خَالِد بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: «دخل عليَّ رَسُول الله - ﷺ -، وَقد سَخَّنتُ مَاء فِي الشَّمْس، فَقَالَ: لَا تفعلي يَا حُمَيْراء، فإنَّه يُورث البرص» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا»، وَابْن عدي فِي «كَامِله»، وَأَبُو نعيم فِي كتاب «الطِّبّ» بأسانيدهم إِلَى خَالِد بِهِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: خَالِد هَذَا مَتْرُوك.
[ ١ / ٤٢١ ]
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ، فقد ضَعَّفه الْأَئِمَّة، قَالَ ابْن عدي: يضع الحَدِيث عَلَى ثِقَات الْمُسلمين. وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: لايجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال. وَقَالَ الْأَزْدِيّ: كَذَّاب، يحدث عَن الثِّقَات بِالْكَذِبِ.
لَا جرم أَن الْبَيْهَقِيّ لَمَّا ذكره فِي «سنَنه» قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يصحّ.
وَثَانِيها: عَن عَمْرو بن مُحَمَّد (الأَعْسَم)، عَن (فُلَيْح، عَن الزُّهْرِيّ)، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، قَالَت: «نهَى رَسُول الله - ﷺ - أَن يُتَوضَأ بِالْمَاءِ المشمس، أَو يُغتسل بِهِ، وَقَالَ: إنَّه يُورث البرص» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه»، (إِلَيْهِ) ثمَّ قَالَ: عَمْرو بن مُحَمَّد الأعسم مُنكر الحَدِيث، وَلم يروه عَن فليح غَيره، وَلَا يصحّ عَن الزُّهْرِيّ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: عَمْرو هَذَا يروي عَن الثِّقَات الْمَنَاكِير، وَيَضَع أسامي الْمُحدثين، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال.
والأعسم: بِالْعينِ وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ.
وَثَالِثهَا: عَن وهب بن وهب، عَن هِشَام (بن) عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، قَالَت: «أسخنت لرَسُول الله - ﷺ - مَاء فِي الشَّمْس، فَقَالَ: لَا تعودي يَا حميراء، فإنَّه يُورث البرص» .
[ ١ / ٤٢٢ ]
رَوَاهُ ابْن عدي، وَقَالَ: وهب: (أَشَرُّ) من خَالِد بن إِسْمَاعِيل.
قلت: بِلَا شكّ، وَهُوَ وهب بن وهب بن كَبِير: - بِفَتْح الْكَاف، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة - ابْن عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن عبد الْعُزَّى بن قصي، أَبُو البَخْتَري - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق -: قَاضِي بَغْدَاد، وَهُوَ من رُؤَسَاء الْكَذَّابين، قَالَ أَحْمد: كَانَ كَذَّابًا يضع الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش، وَابْن الْمَدِينِيّ، والرازي: كَانَ كذَّابًا. وَقَالَ يَحْيَى: كَذَّاب خَبِيث، كَانَ عَامَّة اللَّيْل يضع الحَدِيث. وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة: ذَاك دَجَّال. وَقَالَ السَّعْدِيّ: كَانَ يكذب ويجسر. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: كَانَ يكذب، ويحدِّث بِمَا لَيْسَ لَهُ أصل. وَقَالَ مُسلم، وَالنَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. زَاد الدَّارَقُطْنِيّ: وكَذَّاب. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُسْتَقِيمًا، كُلّها بَوَاطِيلُ.
رَابِعهَا: عَن الْهَيْثَم بن عدي، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي - ﷺ -، نَحْو الطَّرِيق الأول. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
والهيثم هَذَا: هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الطَّائي، أحد الهلكى، قَالَ
[ ١ / ٤٢٣ ]
يَحْيَى: كَانَ يكذب، لَيْسَ بِثِقَة. وقَالَ عَلّي: لَا أرضاه فِي شَيْء. وَقَالَ السَّعْدِيّ: سَاقِط، قد كشف قناعه. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَذَّاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ، والرازي، والأزدي: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز الرِّوَايَة عَنهُ إلاَّ عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار، وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
قلت: وَلِحَدِيث عَائِشَة طَرِيق خَامِس: أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ، وَلم يذكر إِسْنَاده، فَقَالَ فِي «سنَنه»: وَرُوِيَ بِإِسْنَاد مُنكر عَن ابْن وهب، عَن مَالك، عَن هِشَام. وَلَا يَصح.
وَهَذَا قد بَيَّنه الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه «غرائب أَحَادِيث مَالك الَّتِي لَيست فِي الْمُوَطَّأ»، فَرَوَاهُ بإسنادٍ إِلَيْهِ، بطرِيق هِشَام المتكررة بِلَفْظ: «سَخَّنت لرَسُول الله - ﷺ - مَاء فِي الشَّمْس يغْتَسل فِيهِ، فَقَالَ: لَا تفعلي يَا حميراء، فإنَّه يُورث البرص» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا بَاطِل عَن ابْن وهب، وَعَن مَالك أَيْضا، وإنَّما رَوَاهُ: خَالِد بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي - وَهُوَ مَتْرُوك - عَن هِشَام، ومَنْ دون ابْن وهب - فِي الإِسناد - ضعفاء.
[ ١ / ٤٢٤ ]