رُوِيَ أَنه - ﷺ - قَالَ: «أَلَيْسَ فِي (الشَّبِّ)، والقرظ، وَالْمَاء مَا يُطَهِّره؟» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِذكر الشَّبِّ فِيهِ، لَا أعلم من خَرَّجه بِهِ، وَلَعَلَّ الإِمام الرَّافِعِيّ قَلَّد فِيهِ الإِمام، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «نهايته»: إِنَّه جَاءَ فِي رِوَايَة: «أَلَيْسَ فِي الشَّبِّ والقرظ مَا يطهره؟»؛ وَالْمَاوَرْدِيّ فإنَّه قَالَ فِي
[ ١ / ٦٠١ ]
«حاويه»: جَاءَ فِي الحَدِيث النَّص عَلَى الشث (والقرظ) . وَالْمَاوَرْدِيّ والإِمام (قلَّدا) الْأَصْحَاب (فِي ذَلِك)، فقد قَالَ الشَّيْخ (أَبُو حَامِد) فِي «تَعْلِيقه»: رُوي أَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها؟» . قَالَ: وَهَذَا الَّذِي أعرفهُ مرويًّا. قَالَ: وأصحابنا يَرْوُونَهُ (الشب والقرظ)، وَلَيْسَ بِشَيْء.
فَهَذَا شيخ الْأَصْحَاب، قد نَصَّ عَلَى (أَن) هَذِه الرِّوَايَة لَيست بِشَيْء.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «الْخُلَاصَة»: هُوَ بِهَذَا اللَّفْظ بَاطِل، لَا أصل لَهُ. وَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب»: «لَيْسَ للشَّبِّ ذِكْر فِي هَذَا الحَدِيث، وإنَّما هُوَ من كَلَام الشَّافِعِي، فإنَّه قَالَ: والدباغ بِمَا كَانَت الْعَرَب تدبغ بِهِ، وَهُوَ الشب والقرظ.
وَاخْتلف فِي الشب فِي كَلَام الشَّافِعِي، هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة، (أم بالثاء الْمُثَلَّثَة، فَقَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة)، وَهُوَ من الْجَوَاهِر الَّتِي جعلهَا الله فِي الأَرْض، يُدْبَغ بِهِ يشبه الزاج. قَالَ: وَالسَّمَاع فِيهِ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَقد صَحَّفَه بَعضهم، فَقَالَ بِالْمُثَلثَةِ، (وَهُوَ شجر مُرّ الطّعْم، لَا أَدْرِي أَيُدبغ بِهِ أَمْ لَا؟ .
[ ١ / ٦٠٢ ]
وَفِي «الصِّحَاح»: الشث - بِالْمُثَلثَةِ) -: نبت طيب الرَّائِحَة، (مر) الطّعْم، يدبغ بِهِ.
ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك ابْن الْأَثِير فِي «النِّهَايَة»، فِي أول بَاب الشين مَعَ (الثَّاء): (أَنه مَرَّ بِشَاة [ميتَة]، فَقَالَ [عَن جلدهَا]: أَلَيْسَ فِي الشث والقرظ مَا يطهره؟) .
فَإِذا عرفت ذَلِك، فَاعْلَم: أَن الْمَعْرُوف من متن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي كتب الحَدِيث «أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها؟»، كَمَا أوردهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد، كَذَلِك ورد من طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «مَرَّ النَّبِي - ﷺ - بِشَاة ميتَة، فَقَالَ: هلا انتفعتهم بإهابها؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّهَا ميتَة! قَالَ: إنَّما حَرُم أكلهَا، أَوَلَيْس فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها؟» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أوليس فِي الدّباغ وَالْمَاء مَا يطهرها؟» .
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا فِي «سنَنه» . وإسنادهما حسن. قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب»: هَذَا حَدِيث حسن، وَرِجَاله ثِقَات، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه»، ثمَّ ذكر بعده
[ ١ / ٦٠٣ ]
أَحَادِيث من مَعْنَاهُ، وَقَالَ: هَذِه أَسَانِيد صِحَاح، قَالَ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فإنَّه رَوَاهُ عَن الإِمام أبي بكر النَّيْسَابُورِي - وشهرته تغني عَن ذكره - عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ - وَقد كتب عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم، وَكَانَ ثِقَة (صَدُوقًا) - عَن عَمْرو بن الرّبيع - وَهُوَ ابْن طَارق، كتب عَنهُ أَبُو حَاتِم (الرَّازِيّ) وَالِد عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم وسُئِل عَنهُ، فَقَالَ: «صَدُوق» عَن يَحْيَى بن أَيُّوب - وَهُوَ: (أَبُو) الْعَبَّاس الْمصْرِيّ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مستشهدًا بِهِ، وَمُسلم محتجًا (بِهِ) - عَن عقيل - وَهُوَ: ابْن خَالِد الْأَيْلِي - عَن الزُّهْرِيّ - وَهُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ - عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة - وكل مِنْهُم ثِقَة ثَبت، مخرج (حَدِيثه) فِي «الصَّحِيحَيْنِ» - عَن (عبد الله) بن عَبَّاس.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الْعَالِيَة بنت سُبيع، عَن مَيْمُونَة ﵂، حدثتها: «أَنه مَرَّ برَسُول الله - ﷺ - (رجالٌ) يَجُرُّون شَاة لَهُم مثل الْحمار، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله - ﷺ -: لَو أَخَذْتُم إهابها؟ فَقَالُوا: إنَّها ميتَة! فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: (فَإِنَّهَا) يُطَهِّرُها المَاء والقرظ» .
رَوَاهُ: أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، فِي «سُنَنهمْ»، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه»، وَكَذَا ابْن السكن فِي
[ ١ / ٦٠٥ ]
«صحاحه»، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِسْنَاده حسن.
وَاعْلَم: أَن الْوَاقِع فِي (رِوَايَة) هذَيْن الْحَدِيثين: «يطهرها» بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق - وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ عَلَى ذَلِك -: «يطهره» وَهُوَ تَحْرِيف لَفْظِي، وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا.
وَأما الحَدِيث الْوَارِد عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا): «اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا هِيَ دُبغت، بِتُرَاب، أَو ملح، أَو رماد، أَو مَا كَانَ بعد أَن يرد صَلَاحه»: فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيره، (و) ضَعَّفه ابْن عدي، وَآخَرُونَ، وإنْ ذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُتنبه لَهُ: أَن «الْقرظ» يكْتب بالظاء، لَا بالضاد، (وَهُوَ) وَإِن كَانَ وَاضحا، فَلَا يضر التَّنْبِيه عَلَيْهِ، فقد صُحِّف.
والقرظ: ورق شجر السَّلَم - بِفَتْح السِّين وَاللَّام - وَمِنْه: «أَدِيم مقروظ»: أَي مدبوغ (بالقرظ)، والقرظ: نبت بنواحي تهَامَة.
[ ١ / ٦٠٦ ]