رُوِيَ «أَنه - ﷺ - كَانَ إِذَا تَوَضّأَ (أَدَارَ) المَاءَ عَلَى مرْفَقَيْهِ»، وَيُروَى «أَنَّهُ (أَدَارَ) المَاءَ عَلَى مرْفَقَيْهِ، ثَمَّ (قَالَ): هَذَا وضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بِهِ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأوَّل: الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنَيْهِمَا» من رِوَايَة عباد بن يَعْقُوب، ثَنَا الْقَاسِم بن مُحَمَّد (بن عبد الله بن مُحَمَّد) بن عقيل، عَن جدِّه، عَن جَابر بن عبد الله، عَن النَّبِي - ﷺ -.
وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن سُوَيْد بن سعيد، عَن الْقَاسِم بالسند الْمَذْكُور عَن جَابر، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِي - ﷺ - يُدِيرُ المَاءَ عَلَى المرْفَقِ» . وَسكت الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن هَذَا الحَدِيث، وَلم يعقباه بتصحيح وَلَا بِتَضْعِيف. وَذكره الشَّيخ زكي الدَّين فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» بِإِسْنَادِهِ، ثمَّ بَيَّضَ لَهُ بَيَاضًا. وكأنَّه - وَالله أعلم - إنَّما فعل ذَلِكَ
[ ١ / ٦٦٩ ]
(لضَعْفه)، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا صرح بِهِ الشَّيخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي «كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب» وَلم يبَيِّن سَبَب ضعفه.
وَأَقُول: سَببه أَن فِي إِسْنَاده (ثَلَاثَة) رجال مُتَكَلم فيهم.
أحدهم: عباد بن يَعْقُوب الروَاجِنِي، رَوَى لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا بآخر، قَالَ فِي حقِّه ابْن حبَان: إِنَّه رَافِضِي دَاعِيَة، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير، فاستحقَّ التَّرك.
الثَّانِي: الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عقيل، قَالَ ابْن عدي: قَالَ الإِمام أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ الْعقيلِيّ: قَالَ عبد الله بن أَحْمد: سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: أَحَادِيثه مُنكرَة، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث. وَخَالف أَبُو حَاتِم (بن حبَان)، فَذكره فِي «ثقاته» فِي أَتبَاع التَّابعين. وَهَذِه قولة مِنْهُ تفرد بهَا. وَقد نصَّ غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث بِسَبَب الْقَاسِم هَذَا. فَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «التَّحْقِيق» بعد استدلاله بِهِ: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، ثمَّ ذكر مقَالَة أَحْمد وَأبي حَاتِم فِي الْقَاسِم.
[ ١ / ٦٧٠ ]
وَقَالَ الشَّيخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» - بعد رِوَايَته لَهُ من طَرِيق الدَّارقطني وَالْبَيْهَقِيّ -: سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ، وَلم يتعرَّض لَهُ بِشَيْء. ثمَّ نقل مَا قدمْنَاهُ عَن الْأَئِمَّة فِي تَضْعِيف الْقَاسِم.
وَقَالَ ابْن الصّلاح، ثمَّ النَّووي فِي كَلَامهمَا عَلَى «الْمُهَذّب»: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف.
وَالثَّالِث: جده عبد الله بن مُحَمَّد (بن عقيل) . وَفِيه مقَال قريب سَنذكرُهُ وَاضحا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي أخريات هَذَا الْبَاب.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه»: فِي بَاب لَا يتَطَهَّر بِالْمُسْتَعْملِ لم يكن بِالْحَافِظِ وَأهل الْعلم (مُخْتَلفُونَ) فِي الِاحْتِجَاج بِرِوَايَاتِهِ.
وسُويد (بن سعيد)، (فِي الراوية الْأُخْرَى) وَإِن أخرج لَهُ مُسلم، فقد قَالَ ابْن معِين: هُوَ حَلَال الدَّم. (وَقَالَ): كَذَّاب سَاقِط، لَو كَانَ (فِي يَدي) فرس ورمح (كنت) أغزوه. وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق وَكَانَ كثير
[ ١ / ٦٧١ ]
التَّدليس. وَقيل: إِنَّه عمي فِي آخر عمره، فَرُبمَا لقن مَا لَيْسَ فِي حَدِيثه، فَمن سمع مِنْهُ وَهُوَ بَصِير فَحَدِيثه عَنهُ حسن. وَقَالَ أَحْمد: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ قد عمي فتلقن مَا (لَيْسَ) من حَدِيثه.
وَقَالَ ابْن حبَان: يَأْتِي بالمعضلات عَن الثِّقَات، يجب مجانبة مَا رَوَى. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ ثِقَة، (غير أَنه لما كبر) قُرئ عَلَيْهِ حَدِيث فِيهِ بعض (النكارة) فيجيزه.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب من قَالَ لَا يقْرَأ: تغيَّر بِأخرَة، فَكثر الْخَطَأ فِي رِوَايَته.
قُلْتُ: ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة عَلَى دُخُول الْمرْفقين فِي غسل الْيَد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي «صَحِيح مُسلم»: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيهِ حتَّى أَشْرَعَ فِي العَضدَيْنِ، وَغَسَلَ رِجْلَيهِ حتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُول الله - ﷺ - يَتَوَضَّأ» .
وَسَيَأْتِي بِطرقِهِ عقب هَذَا الحَدِيث. فَثَبت بِهَذَا أَنه - ﷺ - غسل مرفقيه، وَفعله بَيَان للْوُضُوء الْمَأْمُور بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: (وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق)، وَلم ينْقل تَركه ذَلِكَ.
[ ١ / ٦٧٢ ]