«سُئِلَ النَّبِي - ﷺ -: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أفضلت الحُمُر؟ قَالَ: نعم، وَبِمَا أفضلت السِبَاعُ كُلُّها» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن أَبِيه، عَن جَابر بن عبد الله، (قَالَ): «قيل: يَا رَسُول الله، أَنَتَوَضَّأُ » الحَدِيث، كَمَا ذكر المُصَنّف.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «مُسْنده» عَن سعيد بن سَالم - وَهُوَ القَدَّاح -
[ ١ / ٤٦٧ ]
(عَن) (ابْن) أبي حَبِيبَة - أَو ابْن حَبِيبَة - عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن جَابر بِهِ. وَهَذَا الشَّك فِي أَنه (ابْن) أبي حَبِيبَة أَو ابْن حَبِيبَة، شكٌ من الرّبيع، كَمَا رَوَاهُ الْأَصَم، وَالرجل هُوَ: ابْن أبي حَبِيبَة بِلَا شكّ. وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن النَّيْسَابُورِي عَن الرّبيع، فَقَالَ: ابْن (أبي) حَبِيبَة بِلَا شكّ، لَكِن لَفظه: «أَن رَسُول الله - ﷺ - تَوَضَّأ بِمَا أفضلت السبَاع» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - بعد أَن أخرجه من طَرِيق الشَّافِعِي الأولَى -: وَفِي غير روايتنا، قَالَ الشَّافِعِي: وأُخْبِرنا عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن دَاوُد بن الْحصين بِمثلِهِ. وَحَاصِل مَا يُعلَّل بِهِ هَذَا الحَدِيث وَجْهَان:
أَحدهمَا: الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده، حَيْثُ رُوِيَ عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن جَابر، وَعَن دَاوُد عَن أَبِيه، عَن جَابر كَذَلِك.
رَوَاهُ جماعات: الزَّعْفَرَانِي، وَالربيع عَن الشَّافِعِي، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن دَاوُد بن الْحصين، وَابْن أبي ذِئْب عَن دَاوُد.
[ ١ / ٤٦٨ ]
قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند»: فَيُشبه أَن تكون الرِّوَايَة الأولَى مُرْسلَة، (قَالَ): وَيدل عَلَيْهِ أَنهم لم يذكرُوا فِي تَعْرِيف دَاوُد بن الْحصين رِوَايَته عَن جَابر، ولاغيره من الصَّحَابَة. (وَذكر هَذَا التَّعْلِيل الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند»)، وَهُوَ تَعْلِيل لَا يقْدَح؛ لِأَن الحَدِيث رُوي من طَرِيقين، إِحْدَاهمَا مَقْطُوعَة، وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَة، وَالْحكم للمتصلة.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن فِي إِسْنَاده جمَاعَة تُكُلِّم فيهم:
أَوَّلهمْ: إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، وَالْجُمْهُور عَلَى تَضْعِيفه، كَمَا مر فِي الْبَاب قبله، وصَرَّح ابْن عدي بِأَن الْبلَاء فِي هَذَا الحَدِيث مِنْهُ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة ابْن أبي يَحْيَى: كَأَنَّهُ أُتِي من قِبَل شَيْخه - يَعْنِي دَاوُد بن الْحصين - (لَا من قبله. فَاخْتلف كَلَامه) .
وثانيهم: سعيد بن سَالم القَدَّاح. أدخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب «الضُّعَفَاء» وَقَالَ: إنَّه يُرمى بالإِرجاء. وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد: لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي صَدُوق.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وثالثهم: إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي حَبِيبَة الأشْهَلِي الْمدنِي. قَالَ البُخَارِيّ: عِنْده مَنَاكِير. وَقَالَ (النَّسَائِيّ): ضَعِيف. وَقَالَ أَحْمد: ثِقَة. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين مرّة: صَالح الحَدِيث. وَمرَّة قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَمرَّة قَالَ: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ صَالح فِي بَاب الرِّوَايَة يكْتب حَدِيثه مَعَ ضعفه. (وَقَالَ) [مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ]: كَانَ مصليًّا عابدًا، صَامَ سِتِّينَ سنة، وَكَانَ قَلِيل الحَدِيث. وأَعَلَّه الإِمام أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ بِوَجْه ثَالِث، فَقَالَ فِي كِتَابه «التَّحْقِيق»: دَاوُد بن الْحصين قَالَ فِيهِ ابْن حبَان: إِنَّه حَدَّث عَن الثِّقَات بِمَا (لَا) يشبه حَدِيث الْأَثْبَات، يجب مجانبة رِوَايَته.
قلت: هَذَا الْوَجْه لَيْسَ بِشَيْء، فإنَّ دَاوُد بن الْحصين، وإنْ كَانَ تَكَلَّم فِيهِ ابْن حبَان وَغَيره، فإنَّه ثِقَة مَشْهُور، رَوَى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» عَلَى سَبِيل الِاحْتِجَاج بِهِ، وَرَوَى عَنهُ الإِمام مَالك، وَقد عُلِمَ شدَّة تحرِّيه فِي الرِّجَال، وَلأَجل ذَلِك قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَوْلَا أنَّ مَالِكًا (رَوَى عَنهُ) لتُرك حَدِيثه. ووثَّقه يَحْيَى بن معِين وَغَيره. وَقَالَ (النَّسَائِيّ) (وَغَيره): لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن عدي: إِذا رَوَى عَنهُ
[ ١ / ٤٧٠ ]
ثِقَة فَهُوَ صَالح الرِّوَايَة، إلاَّ أَن يروي عَنهُ ضَعِيف، فَيكون الْبلَاء مِنْهُ، مثل: ابْن أبي (حَبِيبَة)، وَإِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى. مَعَ أَن ابْن حبَان ذكره فِي كتاب «الثِّقَات» لَكِن رَمَاه بِأَنَّهُ (كَانَ) يذهب مَذْهَب الشراة - يَعْنِي الْخَوَارِج - لَكِن لم يكن دَاعِيَة حَتَّى يُجْتَنَب مَا رَوَاهُ.
قلت: ووالد دَاوُد ضَعَّفه أَبُو حَاتِم وَغَيره. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة»: هَذَا الحَدِيث إِذا ضُمَّت أسانيده بَعْضهَا إِلَى بعض أخذت قُوَّة. قَالَ: وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيث أبي قَتَادَة، وَإِسْنَاده صَحِيح، والاعتماد عَلَيْهِ.