عَن عَائِشَة، أم الْمُؤمنِينَ ﵂ قَالَت: «كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله - ﷺ - فَرْكًا، فيصلِّي فِيهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَمُسلم، فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِهَذَا اللَّفْظ.
وَفِي رِوَايَة لَهما: «أَن النَّبِي - ﷺ - كَانَ يغسل الْمَنِيّ، ثمَّ يخرج إِلَى الصَّلَاة فِي ذَلِك الثَّوْب، وَأَنا أنظر إِلَى أثر الْغسْل فِيهِ» .
فَائِدَة: قَالَ الإِمام أَحْمد، ثمَّ الْبَزَّار: إِنَّمَا رُوي غَسْل الْمَنِيّ عَن
[ ١ / ٤٨٩ ]
عَائِشَة من وَجه وَاحِد، رَوَاهُ عَمْرو بن مَيْمُون، عَن سُلَيْمَان، وَلم يسمع (من) عَائِشَة.
قَالَ الْبَزَّار: فَلَا يكون مُعَارضا للأحاديث الَّتِي فِيهَا الفرك.
كَذَا قَالَا، وَفِي «صَحِيح (البُخَارِيّ)» هُنَا التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهَا.
وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث (عمْرَة) عَنْهَا، بل الْبَزَّار (نَفسه) رَوَى ذَلِك، كَمَا سَيَأْتِي فِي الحَدِيث (الثَّانِي) عشر.
قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ أَنَّهَا تفركه وَهُوَ فِي الصَّلَاة. قَالَ: وَالِاسْتِدْلَال بهَا أَقْوَى.
قلت: بِلَا شكّ، وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة، (رَوَاهَا) أَئِمَّة حفَّاظ، بأسانيد كل رجالها ثِقَات، لَا مطْعن لأحد فيهم.
أَوَّلهمْ: إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، رَوَاهُ فِي «صَحِيحه»، عَن الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي، عَن إِسْحَاق، عَن مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب بن دِثَار، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا كَانَت تَحُتُّ الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي» .
وهذ إِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح، كل رِجَاله ثِقَات فِي الصَّحِيح
[ ١ / ٤٩٠ ]
فالزعفراني أخرج لَهُ البُخَارِيّ. (وَإِسْحَاق هُوَ) (ابْن) يُوسُف الْأَزْرَق، اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ. وَمُحَمّد بن قيس رَوَى لَهُ مُسلم، ووثَّقه وَكِيع وَأحمد وَيَحْيَى وَعلي بن الْمَدِينِيّ. ومحارب بن دثار اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام»: ذكر مَا رُوِيَ من فركه فِي الصَّلَاة. ثمَّ قَالَ: رَوَى ابْن خُزَيْمَة وَسَاقه كَمَا ذكرته.
وثانيهم: الْحَافِظ أَبُو حَاتِم بن حبَان، فإنَّه أخرجه فِي «صَحِيحه»، عَن مُحَمَّد بن (عَلان)، نَا لوين، نَا حَمَّاد بن زيد، عَن هِشَام الدستوَائي، عَن أبي معشر، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «لقد رَأَيْتنِي أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي» .
وَهَذَا إِسْنَاد (فِي غَايَة من الصِّحَّة.
وثالثهم: الْحَافِظ) أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «تَحْقِيقه»: أَنا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز، حَدَّثَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَلّي الْحَافِظ، أَنا أَبُو عمر بن مهْدي، نَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي، نَا إِبْرَاهِيم
[ ١ / ٤٩١ ]
بن (أَحْمد) بن عمر، نَا أبي، نَا وهب بن إِسْمَاعِيل، نَا مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب بن دثار، عَن عَائِشَة قَالَت: «ربَّما حتته من ثوب رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ» .
ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي «الْمعرفَة» للبيهقي، (فِي أثْنَاء الصَّلَاة، ذكره) (من) حَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، (عَن) إِسْحَاق بن يُوسُف، عَن مُحَمَّد بن قيس، عَن محَارب (بن) دثار، عَن عَائِشَة: «أَنَّهَا كَانَت تُحُتُّ الْمَنِيّ من ثِيَاب رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ فِي الصَّلَاة» . ثمَّ قَالَ: (وَهَذَا) وإنْ كَانَ فِيهِ بَين محَارب وَعَائِشَة إرْسَال، (فَفِيمَا) قبله مِمَّا يؤكده.
قلت: (هَذَا) قد تَابعه الْأسود - كَمَا سلف - عَلَى تَقْدِير الإِرسال.
وَأوردهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي «حاويه» من حَدِيث مَيْمُون بن مهْرَان، عَن ابْن عَبَّاس، عَن عَائِشَة قَالَت: «كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله - ﷺ - وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِيهِ» .
فَإِذا عرفت (ذَلِك)، قضيت الْعجب من قَول الشَّيْخ محيي الدَّين
[ ١ / ٤٩٢ ]
النَّوَوِيّ - رَحمَه - الله: أَن الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الَّتِي رَوَاهَا هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الْحفاظ غَرِيبَة. يَعْنِي: أَنه لَا يعرف من رَوَاهَا.