وَاعْلَم أَن مَا ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كتاب «الْمدْخل إِلَى معرفَة كتاب الإِكليل» أَن الصَّحَابِيّ أَو التَّابِع إِذا لم يكن لَهُ إلَّا راوٍ واحدٍ، لم يخرِّجا حَدِيثه فِي «الصَّحِيحَيْنِ» - أَعنِي [الشَّيْخَيْنِ]- لم يشترطاه، وَلَا (وَاحِد مِنْهُمَا)، وَهُوَ منقوض بِمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كتاب «أَدَاء الزَّكَاة»، إِن شَاءَ الله - تَعَالَى.
فصل
وَأما «سنَن أبي دَاوُد» - ﵀ - فقد حَكَى عَنهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر - أَن (شَرطه) إِخْرَاج أَحَادِيث أقوامٍ لم يُجْمَع عَلَى تَركهم، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد من غير قطع وَلَا إرْسَال.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي (كتاب) «(شُرُوط) الْأَئِمَّة»: قَالَ أَبُو دَاوُد: كتبت عَن رَسُول الله - ﷺ - خَمْسمِائَة ألف حَدِيث، انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته «كتاب السّنَن»، جمعت فِيهِ أَرْبَعَة (آلَاف) حَدِيث، (وَثَمَانمِائَة حَدِيث)، ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ، وَمَا يُقَارِبه.
وَقد اشْتهر عَنهُ من غير وَجه مَا مَعْنَاهُ: أَنه يذكر فِي كل بَاب أصح مَا عرفه فِي ذَلِكَ الْبَاب.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَقَالَ: مَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ (وَهَنٌ) شَدِيد فقد بَيَّنْتُه، وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح، وَبَعضهَا أصح من بعض. نقل ذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث»، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَنه» عَنهُ.
وَذكر الْحَازِمِي فِي كِتَابه «شُرُوط الْأَئِمَّة الْخَمْسَة» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، أَنه قَالَ فِي «رسَالَته» الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل مَكَّة وَغَيرهَا جَوَابا لَهُم: سَأَلْتُم أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب «السّنَن» (أَهِي) أصح مَا عرفت فِي هَذَا الْبَاب؟ فاعلموا [أَنه كَذَلِك] كُله، إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ، وَأَحَدهمَا أقدم إِسْنَادًا، وَالْآخر صَاحبه [أقوم] فِي الْحِفْظ، فَرُبمَا أكتب ذَلِكَ، وَلَا أرَى فِي كتابي [من] هَذَا عشرَة أَحَادِيث.
وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين، وإنْ كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح، فإنَّه يكبر، وإنَّما أردْت (قرب) منفعَته.
وَلَيْسَ فِي كتاب «السّنَن» الَّذِي صنَّفته عَن رجلٍ مَتْرُوك الحديثِ شيءٌ، فإنْ ذُكِرَ لَك عَن رَسُول الله - ﷺ - سُنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا خَرَّجْتُه، فاعْلَم أنَّه
[ ١ / ٣٠٠ ]
حَدِيث واهٍ، إلَّا أَن يكون فِي كتابي من طَرِيق (آخر)، (فإنِّي) لم أخرج الطّرق (بِهِ)، (فإنَّه يكثر) عَلَى المتعلم.
وَلَا أعرف أحدا جَمَعَ عَلَى الاستقصاءِ غَيْرِي.
وَنقل النَّوَوِيّ - ﵀ - النَّص الْمُتَقَدّم عَن أبي دَاوُد - الَّذِي (شَارك) ابْن الصّلاح فِيهِ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد - ثمَّ قَالَ: وَهَذَا يُشْكِل؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يُبَيِّنْها، مَعَ أَنَّهَا مُتَّفق عَلَى ضعفها عِنْد الْمُحدثين، كالمرسل، والمنقطع، وَرِوَايَة مَجْهُول. ك «شيخ»، و«رجل»، وَنَحْوه، فَلَا بدّ من تَأْوِيل هَذَا الْكَلَام.
قَالَ: وليعلم أَن مَا وَجَدْنَاهُ فِي «سنَنه»، وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا، وَلَا نَص عَلَى صِحَّته أَو حسنه أحد مِمَّن يعْتَمد، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن عِنْد أبي دَاوُد أَو صَحِيح، فَيحكم بِالْقدرِ الْمُحَقق، وَهُوَ أَنه حسن. فإنْ نصَّ عَلَى ضعفه من يُعْتَمد، أَو رَأَى الْعَارِف فِي سَنَده مَا يَقْتَضِي الضعْف، وَلَا جابِرَ لَهُ حَكَمْنَا بضعفه.
وَقد قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: إِن أَبَا دَاوُد يخرج الإِسنادَ الضَّعِيف إِذا لم يجدْ فِي الْبَاب غَيره؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْده من رَأْي الرِّجَال.
وَقَالَ الْخطابِيّ: كتاب أبي دَاوُد جَامع للصحيح وَالْحسن، وأَمَّا الضَّعِيف فإنَّه خَليٌ مِنْهُ. قَالَ: وإنْ وَقع مِنْهُ شيءٌ - لضرب من الْحَاجة - فإنَّه لَا يَأْلُو أَن يبِّين أمره، وَيذكر علته، ويَخْرُجَ من عهدته.
قَالَ: ويُحكى لنا عَن أبي دَاوُد أنَه قَالَ: مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا
[ ١ / ٣٠١ ]
اجْتمع الناسُ عَلَى تَركه.
وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أول «أَطْرَافه»: صنف أَبُو دَاوُد كِتَابه الَّذِي سمَّاه «السّنَن»، فأجاد فِي تصنيفه وَأحسن، وَقصد أَن يَأْتِي فِيهِ بِمَا كَانَ صَحِيحا مشتهرًا، أَو غَرِيبا (حسنا) مُعْتَبرا، ويطرح مَا كَانَ مطَّرحًا مستنكرًا، (ويجتنب) مَا كَانَ شاذًّا مُنْكرا.
قلت: وَمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِيهِ نظر؛ فإنَّ فِي «سنَنه» أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها، مَعَ أنَّها ضَعِيفَة كالمرسل، والمنقطع، وَرِوَايَة مَجْهُول: كشيخ، وَرجل، وَنَحْوه، كَمَا سَلَفَ.
وَأجَاب النَّوَوِيّ فِي «كَلَامه عَلَى سنَنه» (عَنهُ): بِأَنَّهُ - (وَهُوَ) مُخَالف أَيْضا لقَوْله: وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَيَّنْتُه - لَمَّا كَانَ ضَعْفُ هَذَا النوعِ ظَاهرا، اسْتَغنَى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه.
قلت: فعلَى كل حَال لَا بُد من تَأْوِيل كَلَام أبي دَاوُد، والحقُّ فِيهِ مَا قَرَّره النَّوَوِيّ.
وَأما قَول الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي: سنَن أبي دَاوُد من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب، فَفِيهِ تساهلٌ كبيرٌ.
وتَأَوَّلَ النوويُّ عَلَى إِرَادَة الْمُعظم.
فصل